انحسار البريق الخاطف لإغراءات المنازل الذكية

تقارير الخبراء ومراكز الأبحاث تؤكد أن البريق الخاطف لأحلام المنازل الذكية يمكن أن يخفت ويتحول إلى مجرد ترف مربك وفائض عن الحاجة عند تأمل المشاكل المحتملة الناجمة عن تسليم مفاتيح المنزل للتكنولوجيا.
الأحد 2019/01/06
ابتكارات لم تعد آمنة

لندن – قد يبدو تحضير فنجان قهوة قبل الوصول إلى المنزل أو التحكم في أجهزة المطبخ الأخرى مثل تشغيل الفرن لتحضير وجبة العشاء عن بعد من مشاهد الخيال العلمي المثيرة.

لكن من منا بحاجة ماسة وفعلية إلى تحضير فنجان قهوة قبل الوصول إلى البيت حين نضع ذلك في ميزان المشاكل التي بدأ يعرضها الخبراء لتسليم مفاتيح التحكم في البيت إلى التكنولوجيا؟

ماذا لو تعطل المساعد الرقمي مثل أليكسا وغوغل هوم في فترة أعياد يصعب فيها الحصول على مساعدة بشرية لانتزاع التحكم في المنزل؟ وماذا لو تسلل شخص ما للتحكم في المنزل بطريقة مخالفة لرغباتنا؟

سلطة تلك الأجهزة يمكن أن تمتد إلى التحكم في الأبواب والكاميرات والأجهزة والإضاءة. أليس من الأفضل أن يكون المفتاح في جيبنا والإضاءة مجرد ضغطة زر وألا نشغل الفرن ونحن خارج الدار كي لا نغامر باندلاع حريق إذا تعطلت أجهزة التحكم أو انقطعت الإنترنت.

هناك الكثير من المزايا التكنولوجية التي كانت مبهرة عند تقديمها لأول مرة ولكن الكثير منها لم يجد طريقه إلى الاستخدام اليومي المتكرر.

وقد يكون تشغيل التدفئة أو التبريد عن بعد وقبل وقت قصير من الوصول إلى المنزل أحد أكثر الاستخدامات العملية للتحكم في أجهزة المنزل عن بعد لكن الآراء تنقسم بشأن الحاجة إلى معظم الاستخدامات الأخرى حين نقرأ تحذيرات الكثير من الخبراء.

ويتساءل اليوم كثيرون عن العواقب المستقبلية للإفراط في تبني الحلول التكنولوجية، وبضمنها التي اخترقت حياتنا بالفعل مثل الإفراط في استخدام الهواتف الذكية، الذي أصبح يصنف أحيانا كظاهرة سلبية على حياة الأفراد وخاصة الأطفال.

بل إن بعض الدراسات أصبحت تحذر من اختلالات كبيرة في حياة الشعوب قد تؤدي إلى زعزعة الأمن والاستقرار.

ورغم المغريات التي تقدمها المنازل الذكية، لكن التحذيرات تمتد حتى إلى عنصر الراحة، الذي يؤثر على صحة المستخدمين الذين قد لا يغادرون مقاعدهم أو فراشهم لفتح الستائر أو كبس زر الإضاءة ناهيك عن الخروج للتسوق.

لكن ذلك قد يكون أهون المخاطر الأخرى، التي قد تجعل الكثيرين يفكرون أكثر من مرة قبل الإقبال عليها وخاصة في ظل وجود تهديدات لخصوصية البيانات وأمنها لدى المستخدمين.

مخاطر واسعة

وتكشف دراسة أجراها مؤخرا فريق من الباحثين في جامعة ميتشيغان الأميركية عن مجموعة من الأخطاء والعيوب الموجودة في تصميم المنزل الذكي العائد لشركة سامسونغ الكورية الجنوبية والمعروف باسم سامسونغ ثينغز، أي أشياء سامسونغ.

نكو يوران: كلما ازداد عدد الأجهزة الذكية تزايدت كمية البيانات التي يقدمها المستخدم والمهددة بالاختراق
نكو يوران: كلما ازداد عدد الأجهزة الذكية تزايدت كمية البيانات التي يقدمها المستخدم والمهددة بالاختراق

وحددت الدراسة عيوب المنصة المزودة بخدمة تتيح للأجهزة المنزلية التواصل مع الأجهزة الإلكترونية الذكية مثل الهواتف والأجهزة اللوحية والتلفزيونات الذكية من خلال منظومة برمجية واحدة. وأثبت الباحثون أن تلك المنصة معرضة للاختراق وتعريض خصوصية تلك المنازل وأمنها للخطر، حيث يمكن التسلل إليها وفك أقفال الأبواب وتغيير الرموز السرية للمفاتيح، وكذلك تشغيل إنذارات الحريق.

ويعني ذلك أن صاحب المنزل يمكن أن يقف عند بوابته دون أن يتمكن من دخوله فيما يتحكم في المنزل شخص آخر قد يكون في قارة أخرى.

وتمكن فريق الباحثين الذي أعد الدراسة من تصميم تطبيق يمكنه أن يصل إلى وظيفة القفل الذكي (سمارت لوك) وفك أقفال الأبواب، وتغيير الرموز السرية للوصول إلى الأجهزة وفتح ثغرات فيها يمكن أن يستغلها المهاجمون متى أرادوا ذلك.

وأثبت الباحثون في تجربة على 22 مستخدما لأجهزة المنزل الذكي، أن معظمهم وافقوا مثلا على السماح لتطبيق مخصص لمراقبة البطارية بالوصول إلى وظيفة القفل الذكي دون التحقق من خطورة تلك الموافقة.

ويؤكد الخبراء أن انتشار وتعدد خيارات المنازل الذكية من حولنا ينبغي ألا يكونا سبباً كافياً لامتلاكها، رغم إغراءات الرفاهية والراحة، لأن أنظمتها لا تزال تخضع للبحث والاختبار، وجميعها يمكن أن تفاجئ المستخدم بعدم الاستجابة للأوامر حتى الآن.

وتتنافس اليوم العديد من الشركات في إنتاج المنصات الذكية، وتتباين فيها معايير الاختيار والأمان بدرجة كبيرة وخاصة من ناحية طريقة تشغيلها بين الإنترنت اللاسلكي (واي فاي) والبلوتوث والويمو والزيغبي وغيرها.

كما أن المنازل الذكية لا تزال مرتفعة التكلفة ولا يمكن الاستفادة من تطوراتها التقنية إلا بمواكبة التحديث المستمر، الأمر الذي يتطلب تكاليف مرتفعة خارج قدرة معظم المستخدمين.

ولا تنحصر تلك العيوب بمنصة سامسونغ ثينغز للمنزل الذكي بل تمتد إلى جميع المنازل الذكية الأخرى.

وتقول سامسونغ إنها قامت بتحديث مستندات المنصة لسد العيوب التي اكتشفها فريق باحثي جامعة إضافة إلى تقديم نصائح للمستخدمين لتعزيز مستويات الأمان. وأكدت أنها تعمل على تنفيذ خطة ترمي إلى أتمتة جميع الأجهزة الذكية العاملة ضمن المنزل خلال العام المقبل، في إطار سعيها لتسهيل حياة المستخدم وربط أجهزة المنزل الذكية بشبكة الإنترنت.

ورغم جميع تلك المخاطر فإن الإقبال على المنازل الذكية يتجه للارتفاع ويدفع الشركات للتسابق لتطوير أجهزتها وتحديثها لتلبية حاجات السوق وتفادي العيوب، مثل قيام شركة أبل مؤخراً بتطوير منصتها الجديدة “هوم كت”.

وتسمح هذه المنصة من خلال نظام التشغيل آي.أو.أس وأجهزة آيفون وآيباد بالتحكم في جميع الأجهزة الذكية في المنزل مثل أقفال الأبواب ومصابيح الإنارة وباب مرآب السيارة والستائر وأجهزة المطبخ والتلفزيونات والأنظمة الموسيقية، لكن أسعارها لا تزال مرتفعة وهو ما يحد من الإقبال عليها.

ويرجح خبراء أن يكون تطوير منصة أبل بطيئا لأنها غير مفتوحة المصدر، أي لا تسمح للمطورين الخارجيين بالمساهمة في توسيع برامجها وآفاقها وبالتالي سوف يحد ذلك من عدد التطبيقات التي تعمل عليها.

وتعتبر منصة سمارت ثينغز بمثابة منصة مفتوحة لإنترنت الأشياء، وهي تتيح لمستخدميها التحكم في الأجهزة الذكية المنزلية المختلفة عن طريقها، ويشمل هذا التحكم أجهزة الإنارة والإنذار والكاميرات الأمنية المسؤولة عن الحرارة.

ويقوم نظام أتمتة المنازل الذكية على استبدال جميع الأجهزة التقليدية في المنزل بأجهزة ذكية يمكن التحكم فيها من خلال تطبيق على الهواتف الذكية والأجهزة اللوحية، حيث يمكن بضغطة زر واحدة تشغيل وإطفاء كل أنظمة المنزل عن بعد.

وتتزايد يوما بعد يوم الأجهزة التي يمكن التحكم فيها عن بعد. وهي تمتد من الستائر والإضاءة والتلفزيونات إلى تجهيزات المنازل الذكية، التي يتم تشغيلها تلقائيا أو التي يتم التحكم فيها عن بُعد، سواء كانت ستائر النوافذ، التي يتم فتحها في الوقت المناسب مع الإفطار أو قيام ماكينة القهوة بإعداد المشروب المفضل قبل أن ينهض المرء من فراشه.

أبرز تطبيقات المنازل الذكية

قد تكون التدفئة والتبريد أولى واجهات المنازل الذكية التي انتشر استخدامها للتحكم في درجات الحرارة في المنزل قبل شيوع الاستخدامات الأخرى وقبل تطوير المنصات الواسعة للتحكم في أجهزة المنزل الذكي.

وتأتي في المرتبة الثانية أنظمة الإنذار حيث ترتبط كاميرات المراقبة وصفارات الإنذار ومجسات رصد الحركة بالإنترنت. كما تقوم مجسات أخرى برصد أي خلل في توصيلات المياه.

واتسعت وظائف المنازل الذكية مع تسارع سباق المساعدات الرقمية مثل أليكسا من أمازون وغوغل هوم والعديد من المساعدات الأخرى التي تتحكم من خلال الأوامر الصوتية في الوظائف السابقة.

وامتدت وظائف تلك المساعدات الرقمية في السنوات الأخيرة إلى التحكم في أجهزة الإضاءة وفتح وإغلاق الستائر وتشغيل الأنظمة الصوتية وصولا إلى تنفيذ أوامر التسوق بالأوامر الصوتية أو حتى تلقائيا عند تسجيل نقص في المستلزمات المنزلية.

كما امتدت وظائف المنصات الرقمية إلى التحكم في سلسلة واسعة من الأجهزة الذكية مثل الثلاجات ومعدات الطبخ والأفران وأجهزة تحضير القهوة وتحميض الخبز.

        من يحتاج إلى تحضير فنجان قهوة قبل الوصول إلى البيت مقابل تسليم مفاتيح التحكم في البيت إلى التكنولوجيا؟
من يحتاج إلى تحضير فنجان قهوة قبل الوصول إلى البيت مقابل تسليم مفاتيح التحكم في البيت إلى التكنولوجيا؟

وبدأت شركات التكنولوجيا تطور مستشعرات جديدة تمتد وظائفها إلى مراقبة البنية التحتية للمنازل مثل الإبلاغ عن وجود كسر في مواسير المياه أو أي خلل في الشبكة الكهربائية، إضافة إلى توفير الطاقة مثل تشغيل وإطفاء الإضاءة عند رصد الحركة وكذلك الحال مع صنابير المياه.

ويقول نكو يوران المحرر في مجلة سي.تي الألمانية المتخصصة إن الفضاء الجديد لمنصات البيوت الذكية هو التحكم في الحدائق المنزلية حيث يمكن التحكم في جزازات العشب أو أنظمة الري بشكل إلكتروني ومبرمج تلقائيا وفق جداول زمنية.

وتنهمك الهيئات الرقابية وجمعيات حماية المستهلك في العديد من الدول المتقدمة في تنظيم انتشار أجهزة وتطبيقات المنازل الذكية واختبارها لتجاوز الثغرات والعقبات التي يمكن أن يتعرض لها المستهلكون.

وتقول آنا كليم، من هيئة اختبار السلع والمنتجات الألمانية إن الهيئة تقدم توجيهات ونصائح للمستهلكين بالتدرج في اختيار الأجهزة الذكية مثل التدفئة وأنظمة الإنذار والإضاءة ومستشعرات الحركة التي توضع في النوافذ والأبواب.

وتقوم أجهزة كشف الحركة أو الكاميرات أو منظمات الحرارة أو المستشعرات، بإرسال بيانات القياس أو الصور إلى منصات التحكم التي تعرف باسم “سارت هوم هاب” حيث تتجمع المعلومات وتجري معالجتها من خلال التواصل بين الأجهزة المختلفة مباشرة عبر الإنترنت وتعرض في التطبيق المركزي على الهواتف الذكية والأجهزة اللوحية أو الكومبيوتر الشخصي.

ويمكن للمستخدم وضع القواعد المناسبة لتشغيل الأجهزة الذكية تلقائيا وفق جداول زمنية مثل فتح الستائر مع شروق الشمس في الصباح، على سبيل المثال، وإضاءة بعض المصابيح مع حلول الظلام، بالإضافة إلى تحديد درجة الإضاءة في الأوقات المختلفة.

ويقول يوران إن هناك اعتقادا شائعا بأن تجهيزات المنازل الذكية يجب أن تكون متصلة بشبكة الإنترنت. ويشير إلى أن مخاوف الاختراق والتحكم في المنزل من قبل القراصنة الهاكرز دفع المصنعين إلى إتاحة خيارات تشغيل الأجهزة دون الاتصال بالإنترنت.

وأضاف أن الأجهزة الذكية يمكن استعمالها يدويا وخاصة عند ظهور خلل أو اختراق لنظام المنزل الذكي، فالستائر لن تبقى مغلقة طوال اليوم، ولن تظل درجة الحرارة عند المستويات المبرمجة إلكترونيا.

وينبه يوران المستخدمين إلى أن تجهيزات المنازل الذكية كلما ازداد عددها تزايدت كمية البيانات، التي يفصح عنها المستخدم والمهددة بالاختراق. كما أن التطبيقات غالبا ما تقوم بنقل معلومات غير ضرورية لتشغيل الأجهزة إلى الشركات المنتجة.

وتشير هيئة اختبار السلع الألمانية إلى مشكلة أخرى وهي أن جميع الشركات المطورة لتجهيزات المنازل الذكية، لا تقدم حتى الآن ضمانات بتوفير تحديثات دائمة للتطبيقات.

ويقول خبراء الهيئة إن ذلك لا يوفر بنية تحتية آمنة لتكنولوجيا المعلومات المتوفرة، إضافة إلى صعوبة أن يتمكن المستخدمون من دمج الأجهزة الجديدة مع أجهزة الشركات الأخرى في نظام المنزل الذكي الموجود بالفعل.

17