انحسار الحراك السياسي في الأردن.. ماذا بعد

السبت 2013/11/02

هل انتهت اللّعبة وبات الصراع محسوما لصالح «الحرس القديم»؟ سؤال يدور ببال من يراقب المشهد السياسي الأردني، ولاسيما خلال استعراض أسماء أعضاء مجلس الأعيان، التي تعبر عن عودة هذا «الحرس» إلى صدارة المشهد، مقابل استبعاد من كان محسوبا- بالنسبة للبعض- على التيّار الإصلاحي.

في مواجهة المطالب الشعبية المتعلقة بالحرية والعدالة الاجتماعية، اكتفت السلطة بتوزير أحد أقطاب المعارضة السياسية، وتنصيب عدد من المحسوبين على تلك المعارضة في مجلس الأعيان، إلى جانب جلاوزة العهد القديم، مقابل الاستمرار في نهج الاعتقال السياسي، والمضي في ذات السياسات الاقتصادية التي فجرت حالة الغضب الشعبي قبل أكثر من سنتين.

وها هو المطبخ الأمني- السياسي يفكر في فرض قواعد جديدة للعبة «الديمقراطية»، من خلال إجراء جراحة تجميلية لقانوني الأحزاب والانتخاب، وذلك لزيادة فرص حصول أحزاب المعارضة السياسية على «جائزة ترضية» بالشروط التي تفرضها هذه السلطة، التي تستعد لمرحلة «ما بعد» الحراك.

ولكن هل انتهت حقا مرحلة الاحتجاجات الشعبية التي بدأتها الحركة العمالية قبل أن تمتد إلى الطبقة الوسطى، لتختطفها القوى السياسية وتحاول استثمار الربيع الأردني للوصول إلى البرلمان؟ ألا يعكس تصاعد الاحتجاجات العمالية في ظل تراجع الحراك السياسي النخبوي، ملامح المرحلة المقبلة التي لا يمكن فيها التمسك بتكتيك «شد الحبل» وإدارة الأزمة مقابل الإبقاء على القضايا الجوهرية قيد الإهمال؟

الحراك الإصلاحي النخبوي لا يخدم في حقيقة الأمر أي جهة بقدر ما يخدم السلطة نفسها، التي نجحت إلى حد ما في مماطلة الناس بلعبة المشاغلة السياسية، فالإصلاح يشكل الضمانة الوحيدة لاستمرار هذه السلطة وبقائها مزيدا من الوقت.. ولكن..

لقد تنكّرت هذه السلطة لتودد المعارضة السياسية على مدى سنتين، وهو التودد الذي اتخذ شكل الصراع، في حين أنه لم يكن في جوهره سوى غزل سياسي بامتياز.

ولكشف طبيعة هذا الغزل لابد من إجراء كشف سريع للحساب. بداية ينبغي التنويه بأن قراءة الواقع الشعبي وإدراك تناقضاته والعمل على تغييره، مهمة تخلت عنها النخب التي آثرت في خطابها توجيه النصح للنظام واستجداء اعترافه السياسي، عبر المطالبة بتعديل قانون الانتخاب، وطرح شعار «إصلاح النظام»، كأولوية تتجاوز هموم الناس وتطلعاتهم المتصلة برغيف الخبز والكرامة الوطنية.

هذه الحالة التي يمكن توصيفها بالتودد الذي يرتدي مظهر الصراع في علاقة النخب السياسية بالسلطة، حكمت على الحراك بالمراوحة مكانه، بل والتراجع في كثير من المحطات، ومن ثم انحساره، الأمر الذي أتاح للسلطة الإمعان في سياسة رفع الأسعار والتعبير عن انحيازها الأعمى لفئة احتكرت الثروة، وفرضت على الفئات الشعبية تسديد فواتير مغامراتها الاقتصادية.

واليوم تعود الاحتجاجات العمالية لاحتلال مكانها الطبيعي في الشارع، بعد تراجع الحراك السياسي النخبوي، ما يذكرنا بحالة الاصطفاف التي قادها عمال المياومة في العام 2006، في مواجهة سياسة الخصخصة وتصفية المؤسسات الوطنيّة، ليستمر الحراك العمالي الذي توّجّه عمال الموانئ في شهر تموز للعام 2009، قبل أن تنتقل حالة السخط الشعبي إلى قطاع المعلمين في السادس من آذار للعام 2010، ليبلغ حراكهم الاحتجاجي ذروته خلال المسيرة التي انطلقت من عمان إلى الكرك تحت شعار «أخت النشامى أدما زريقات» في السادس والعشرين من حزيران لذلك العام.

وفي شهر تشرين الثاني للعام 2010، جرت انتخابات المجلس النيابي السادس عشر، وما أن استقرّ البرلمان على توليفة السلطة التنفيذية، حتى وجد نفسه في مواجهة الحراك الشعبي الذي انطلق من ذيبان يوم السابع من كانون الثاني للعام 2011.

أما أولى مسيرات «الحسيني» التي انطلقت في الرابع عشر من كانون الثاني لذلك العام، فلم تكن لها علاقة بالنخب السياسية، بل على العكس من ذلك، حالت مخاوف النخب دون مشاركتها في تلك المسيرة، التي بادرت إليها القوى الناشئة دون أي غطاء سياسي.

وبعد مرور نحو ثلاث سنوات على بدء الحراك، الذي حاولت النخب استثماره بعيدا عن الأولويات الشعبية، تحاول السلطة فرض شروط «انتصارها» والاكتفاء بـ»التفكير» بتعديل قانوني الانتخاب والأحزاب السياسية، ولكن هل سيكون من المجدي اللعب بورقة المشاغلة السياسية؟ أم أن تراجع الحراك النخبوي ما هو إلا مؤشر على انتهاء مرحلة اللعب بوعود الإصلاحات الشكلية، وبدء مرحلة الاحتجاجات الشعبية التي لا يعنيها أي شكل من أشكال الترقيع السياسي؟


كاتب أردني

9