انحسار الدور الأميركي يعيد أفغانستان إلى أحضان روسيا

لن ينسى الروس أن من فتت الاتحاد السوفييتي ومن مرغ أنفهم في الوحل الأفغاني هم المجاهدون وداعموهم، ولذا فإن المراقبين يرون التقارب العسكري المفاجئ مع أفغانستان قد يكون فرصة “نادرة” لموسكو لإثبات عودتها القوية إلى الساحة الدولية من بوابة محاربة الإرهاب، خصوصا مع بدء تدخلها الذي لم يستسغه الأميركيون في سوريا.
السبت 2015/10/10
تعزيز روسيا لترسانتها العسكرية في بحر قزوين رسالة تهديد قوية للولايات المتحدة

موسكو - كشفت روسيا عن نواياها لدعم جارتها أفغانستان الغارقة في حرب مع الحركات المتطرفة منذ 14 عاما، بعقد صفقة عسكرية هذا الشهر تسلم بموجبها مروحيات قتالية من طراز “أم أي 35” لكابول.

ونقلت وكالة “ايتار تاس” الروسية، الجمعة، عن زامير كابولوف المبعوث الروسي لأفغانستان قوله إن “هذه العملية ستستمر وسوف توفر التدريب العسكري للضباط الأفغان في المستقبل القريب”.

وفيما تتكتم موسكو باستمرار عن حجم صفقاتها العسكرية، اعتبر كابولوف استمرار تواجد قوات حلف الأطلسي “ناتو” والقوات الأميركية على الأراضي الأفغانية، وراء زيادة عدد المتطرفين وليس تراجعه.

يأتي الإعلان الروسي بعد يوم واحد من مناشدة عبدالرشيد دستم النائب الأول للرئيس الأفغاني موسكو بدعم بلاده في مكافحة الإرهاب، وهو ما يراه مراقبون خطوة أخرى نحو إشعال الحرب الباردة مجددا.

وبحسب سلطان فايزي، المتحدث باسم الرئاسة الأفغانية، فإن روسيا تقوم بتقييم الوضع في أفغانستان لترى ما الذي يمكن أن تقدمه للمساعدة؟

وكان المبعوث الروسي صرح في وقت سابق بأن مسلحي تنظيم الدولة الإسلامية يتجمعون في شمال أفغانستان على مشارف آسيا الوسطى، وقد وصل عددهم إلى حوالي 5 آلاف عنصر بينهم روس.

ومن شأن الخطوة الروسية، بحسب الخبراء، زيادة إرباك إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما وتعميق مأزقه بعد فشل استراتيجيته العسكرية في محاربة المتطرفين وافتضاح أمر ثغراته الاستخباراتية في تقييم الوضع بمناطق الصراع وخصوصا ما حصل في سوريا.

وذكرت مصادر غربية في وقت سابق أن حلف الناتو يدرس بجدية خططا لإطالة بقائه في أفغانستان بعد 2016، وقد يكون ذلك وراء “المباغتة” الروسية للأميركيين كما فعلوا في سوريا.

تحرك روسي على حدود الناتو
◄ دعم أفغانستان بمروحيات قتالية

◄ تعزيز الأسطول في بحر قزوين بقطع إضافية

◄ تعزيز القاعدة الجوية في طاجيكستان بطائرات مقاتلة

◄ دعم أسطول السفن العسكرية في البحر المتوسط

◄ دعم انفصاليي أوكرانيا بالسلاح والعتاد

◄ التدخل في سوريا بداعي محاربة الإرهاب

وقال رئيس الحلف ينس شتولتنبرغ، بعد محادثات مع وزراء دفاع الحلف العسكري، الخميس إن “العديد من الحلفاء مستعدون للبقاء لفترة أطول (في أفغانستان) إذا لزم الأمر، لكن القرارات النهائية ستتخذ في وقت لاحق”.

ولعل الزج بعشر قطع بحرية إضافية ضمن الأسطول الروسي في بحر قزوين، يعزز رأي الكثير من المتابعين بأن موسكو لن تدع أي شيء للصدفة. فما حصل في أوكرانيا كان بداية استفاقتها لوضع حد للنفوذ الأميركي في أفغانستان والعراق وسوريا.

وأسطول بحر قزوين انضم أخيرا إلى جهود محاربة الإرهاب في سوريا من خلال إطلاق الصواريخ على معاقل داعش هناك، وربما تكون أفغانستان والعراق القبلة التالية لفوهة مدافعه.

وتقول مصادر روسية إن الكرملين أشعر غاني عندما زار أورفا الروسية التي استضافت قمة منظمة شنغهاي يوليو الماضي، بقلقه من ظهور داعش في أفغانستان واستيلائه على المزيد من الأراضي، قبل محاولة حركة طالبان السيطرة على ولاية قندوز الأسبوع الماضي.

وجود الأميركيين وحلفائهم في هذا البلد لم يمنع طالبان من السيطرة، ولو مؤقتا، على قندوز، كما لم يمنع داعش من الاستيلاء على عدة مناطق. فهدف الولايات المتحدة هو محاصرة روسيا والصين بمناطق لا استقرار فيها ولا سيما دول آسيا الوسطى.

ومنذ عقد من الزمن يزداد اهتمام موسكو نحو إقامة علاقة مع كابول، إلا أن هذه التداعيات يبدو أنها أثارت قلقا لدى الساسة الروس بشكل بالغ.

ويرى محللون في إعلان واشنطن انسحابها من أفغانستان والمنطقة، العام الماضي، عنصرا مهما في تركيز روسيا اهتمامها بأفغانستان. وبالتالي فإنه من الطبيعي أن يشغل الروس ذلك الفراغ عسكريا واقتصاديا.

واتسمت العلاقات الأفغانية الروسية الدبلوماسية خلال بداية فترة رئاسة حامد كرزاي بالبرود، إلا أن الجانب العسكري لطالما اعتبر مؤشرا لتحسنها فخلال السنوات الثلاث الأولى من توليه الحكم دعمت روسيا بلاده بتجهيزات بلغت قيمتها 60 مليون دولار.

ومع تدهور العلاقات بين الولايات المتحدة وأفغانستان في 2008 أثناء تولي أوباما ولايته الأولى وبسبب الضغط المسلط على كابول للتوقيع على الاتفاقية الأمنية، تحسنت العلاقات الأفغانية الروسية، وقامت موسكو في 2010 بإسقاط ديونها المتخلدة بذمة جارتها والتي بلغت 891 مليون دولار من القروض.

وفي العام نفسه دفعت روسيا للجيش الأفغاني عشرين ألف قطعة من سلاح كلاشنيكوف ودرّبت حوالي 250 من عناصر الشرطة، وشرعت في ترميم سد “نغلو” قبل أن يقوم كرزاي بزيارته الثالثة إلى موسكو في 2011.

ولأفغانستان أهمية جيوسياسية كبرى لدى واشنطن على أساس مشروعها التقسيمي في المنطقة منذ زمنٍ بعيد، يعود إلى بداية تنفيذ مخططات برنارد لويس التقسيمية، إلا أن هذا لم يعد موجودا بالمستوى المطلوب مع تتالي الإخفاقات الأميركية وإعادة الاستقرار هناك.

وللإشارة فإن الاتحاد السوفيتي كان أول دولة اعترفت باستقلال أفغانستان عام 1919 وأقامت معها علاقات دبلوماسية قبل أن تتعكر العلاقة خلال الاحتلال السوفيتي لهذا البلد في 1979.

وأظهرت الحرب في أوكرانيا والاصطفافات المتناقضة بين موال للغرب وداع إلى التمسك بروسيا حليفا استراتيجيا، عمق الهوة بين الشرق والغرب الذي لم تستوعب الخطوة الروسية بعودة القرم وإفشال موسكو المخطط أن تكون القاعدة الأساسية والأقرب لصواريخ الناتو، وتطويق روسيا بالدرع، وهو ما تعتبره موسكو تهديدا مباشرا لأمنها القومي.

واشتعلت وتيرة الحرب الكلامية والتهديدات العسكرية المباشرة العلنية بين روسيا والغرب هذا الأسبوع.

وقد كانت أولى التهديدات بريطانية عندما لوح وزير الدفاع مايكل فالون أمس الأول بنشر صواريخ نووية أميركية في المملكة المتحدة.

5