"انحناءات ملتوية" إيروتيكا عربية منحوتة بإزميل قصصي

الأربعاء 2014/09/17
علي بنساعود قاص يلتقط النقاط الشائكة بذكاء ثاقب ويجعلها فخا فنيا ولغويا

تمارس التجربة الأيروتيكية ذاتها في الغالب على الهامش، لذلك نجدها تحتفي بما يطلقون عليه بالمدنس والمحرم اجتماعيا وأخلاقيا، إذ يتم اختزالها دائما في الجانب الجنسي، لكن وفي إطار الأدب، استطاعت هذه النزعة أن تؤسس لكتابة أيروتيكية تدخل ضمن الأدب الهامشي، وبالتالي تتحول إلى فعل ثقافي ورؤية وجودية، نقارب من خلالهما الإنسان سيكولوجيا واجتماعيا ولغويا وإبداعيا. ففعل الكتابة الأيروتيكية هذه يمثل اتحادا بين جسد الواقع وجسد النص، إذ في خدر هذا الأخير تنشأ علاقة بين الحروف والكلمات والمعاني، علاقة نكاح معنوي، شبيه بالنكاح الطبيعي بين أجساد البشر على حد تعبير ابن عربي.

في مؤلفه “انحناءات ملتوية” الصادر سنة 2014، وهو العمل السردي القصير الثاني بعد “ظلال ذابلة” 2013، يدخل القاص علي بنساعود منطقة حمراء بإزميل القصة القصيرة جدا، لينحت قصصا وامضة، كما لو أنك تراها من ثقب الباب، من فرط نزعتها الأيروتيكية، استطعت تعدادها إلى 23 لقطة/ قصة من أصل 91، والتي تشكل مجموع العمل ككل، وحق بذلك القول أن مجمل خطاب هذه المجموعة استأسدت فيه النزعة الأيروتيكية كرؤية نقدية للواقع، وذريعة أدبية وتقنية إبداعية، اتكأ عليها القاص كرهان أدبي جدير بالتلصص على مشاهده.


الأيروتيكا المركزية


أول سؤال فني يباغتنا هنا، هل تستطيع هذه القصة القصيرة جدا أن تراهن على المشهدية واللغة الأيروتيكية، مقارنة بالمسرودات المطولة، التي تجود على القارئ بتفاصيل وافية منها؟ يبدو سؤالا نقديا هاما. فإذا سلمنا، مثلا، أن هناك وسيلة أخرى تشد القارئ، وتبقيه قيد الفضول والتخيل وإتمام ما بطنه النص، فإننا نجد أن قصص علي بنساعود استطاعت أن تحقق هذه الخدعة الفنية، وبالتالي فالكتابة الأيروتيكية عنده تهدف إلى نقطتين، أولهما شدّ انتباه القارئ وتوريطه في متابعة كريمة يعمل هو الآخر في إحقاق واستكمال نصية النص وجماليته، وذلك بملء ثغراته وتسويد بياضاته، فيما النقطة الثانية هي التعبير عن واقع هامشي، غارق في أذناب الرذيلة والتفسخ وانعدام القيم، والانقلاب الفظيع في مسلمات كنا نقول بها على الدوام، مسلمات تكاد تتحول إلى نوع من المركزية الجديدة.

النص يمعن بعيدا في العلاقة العتيقة بين الرجل والمرأة، بين السلطة الوجودية الموزعة بينهما، والتي يتنازعان عليها

هكذا وبلغة جريئة، ووصف فاضح، ومشهدية مثيرة ذات ملمح سينمائي، سريعة وخاطفة، وببداية ساخنة ونهاية صادمة، لا تقل صدمة عن تلك التي تقوم بها شخصياته (الإناث تجاه الذكور)، حيث تنقلب القناعات الوجودية لعلاقة المرأة بالرجل، يقول في قصة “خدعة”: “أحسّ بأصابع تقترب من أعضائه الحساسة، اقشعر بدنه خوفا. تحققن من أنه لا يحمل سلاحا تحت بنطلونه”. بهذه اللقطة المثيرة، لا يسع القارئ العادي إلا أن ينشد تفاصيل النص، ويتخيل ويلون أبعاده ودلالاته، لكن هناك قارئا نجيبا يعمل عقله كي يدرك أن النص يمعن بعيدا في هذه العلاقة العتيقة بين الرجل والمرأة، بين السلطة الوجودية الموزعة بينهما، والتي يتنازعان عليها، ذلك أن نزعة الاستنفار فيها تكون للذكر دائما، من حيث كونه يمثل، فيزيولوجيا، سلطة قضيبية، تستطيع ملء فراغ الأنثى كلما احتجت وصرخت وطالبت بحق وجودي معين، لتسكت وينتفخ هو قوة وزعامة، نسوق بعضا من هذه اللقطات لعمق فلسفتها الأيروتيكية، “تتأجج جماره، يخمدها في أحشاء محظياته”، و”جنوا عسلها، رحلوا”، و”ألقى عصا ترحاله بين فخذيها”، و”استغرب أن ترفض دعوته، خاطبها: الناس هناك يطيعون القانوووون.. عليك طاعتي”.

بالعودة إلى قصة “خدعة” تكاد تنقلب المعادلة، إذ لم تعد الأنثى تثيرها تلك السلطة القضيبية خاصة الرجل، إنها تتعدّى ذلك إلى توقها لحجز مكانة لها أكثر قوة وحضورا، ولم يعد يقمعها ذلك السلاح الفيزيولوجي تحت بنطلونه، تلك هي المعالجة الساخرة التي ختم بها الكاتب نصه.

الكاتب استعمل النزعة الأيروتيكية كرؤية نقدية للواقع

وقد تتخذ هذه السلطة المشتهاة عند الأنثى لبوسا آخر، حيث تضع أنوثتها فوق موقع الذكورة، حين تصبح الراغبة غير المتمنعة إلى حدّ وصف هذه الحالة بالاغتصاب المعاكس، حالة يمكن وصفها أيضا بالرغبة في خلق تكافؤ وجودي، من شأنه أن يفرز معادلة تتسم بالتوازن على مستوى القوة والسلطة بين الذكر والأنثى، دون تغليب كفة الذكورة على الدوام، إننا أمام نشوء مركزية جديدة تنهض من درك سفلي للهامش، تعصف بالمركزية الذكورية، تلك التي سادت منذ طفولة التاريخ، يقول في قصة “مساومة”: “ورأسه تحت المقصلة، نظرت إليه، قالت: لو قبلت عرضي لتجنبت هذا المصير”، أو في قصة “انتقام”: “رأته كأسا زلالا، أطفأت به عطشها، جلست تتوقع لعناته”.


خدعة القص


نص “صدى” يشكل هو الآخر نقطة سردية فارقة في المجموعة، يضرب بأطنابه في أيروتيكية بالغة، يبدو أنها تدغدغ مشاعر كل قارئ، وتتلاعب بتوقعاته، لتحدث في تمثله الفطري والديني والاجتماعي صدمة كبرى، وهي تزاوج بين المحرم والمقدس، يسترسل النص سردا بخطية يصعب معها على القارئ أن ينسحب، كل شيء مثير وفاضح، لغة عارية كما الرؤية الفلسفية التي تعيدنا إلى ولادة وثنية وبدائية لا تعبأ بالمتواضعات، تحل النهاية كصاعقة تبعثر التوقعات، ليجد القارئ نفسه وجها لوجه أمام عناصر تفاعل وتناص بشكل محرج، لولا المهارة التي عولجت بها النهاية المخيبة لتوقعات القارئ، حيث تحيله هذه المتابعة الأيروتيكية المشوقة إلى نهاية بريئة، وتلك شيمة فنية يلجأ إليها القاص كلما فكر في خدعة ما، تلك العناصر المجتمعة هي الأمومة والطفولة والأوديبية.. يقول: “مرهقا عاد، خلع بذلته الأنيقة، أخذ حماما دافئا، ارتمى عاريا على اللحاف، يداعب شيئه بشبق، يتكوّر حول ذاته، يتحسس بشفتيه حلمتها، يناغيه صوت أمه”.

هكذا هو الأدب الحقيقي، ذلك الذي يعكس المفارقات، ويطرق الجديد، ويكشف عن حقيقة الواقع برؤيته الصريحة وليس من منظور أدعياء المركز.

فعلاقة المرأة بالرجل، ومهما ألبسناها من نزعات، تبقى محط إشكال وجودي مدّا وجزرا، ولم نكن نرضى الوقوف على قِدَم تلك العلاقة وهي غزيرة في مجمل الكتابات، بل ارتأينا إثارة النقاط الشائكة التي التقطها القاص علي بنساعود بذكاء ثاقب، ليفكك من خلالها التغيرات التي يشهدها الواقع الراهن، وكيف أصبحت كل مركزية تتآكل أمام كل هامش صاعد، بما فيها المدنس والجنس، أو تلك الثنائيات المتعارف عليها، ذكورة/ أنوثة، جنس/ حب، أم/ أنثى.. إنه حفر وتفكيك عبر الكتابة الأيروتيكية، فخ فني ولغوي للإيقاع بالقارئ، حتى يعاين بنفسه واقعا يتفسخ، أو هامشا يتشكل على أنقاض مركز تمادى في سلطته ولم يعدل.

15