انحناء الحكومة الجزائرية أمام شغب التلاميذ يهز مصداقية المؤسسات

فاجأت وزارة التربية الجزائرية الرأي العام بالتراجع عن قرارها بتقليص مدة العطلة الفصلية إلى 10 أيام بعدما كانت أسبوعين في السابق، والامتثال لمطلب تلاميذ الثانويات وتمديدها إلى 18 يوما، الأمر الذي ترك استفهامات عميقة لدى الرأي العام حول خلفيات التساهل الحكومي مع حراك الشارع، وانتقائية التجاوب مع المطالب الاجتماعية والفئوية المطروحة.
الخميس 2016/12/22
له الرأي وللتلاميذ القرار

الجزائر – تضاربت ردود فعل الفاعلين في المجالين السياسي والتربوي حول قرار وزارة التربية المفاجئ بالتراجع عن تقليص مدة العطلة الفصلية، والاستجابة لانتفاضة تلاميذ الثانويات الذين احتجوا بوقفات ومسيرات وحتى شغب في بعض المحافظات، لدفع الوزارة من أجل العودة إلى تطبيق الرزنامة السابقة.

واعتبر النائب البرلماني عن جبهة العدالة والتنمية المعارضة، حسن عريبي، أن القرار ينم عن ترهل في مؤسسات الدولة، والارتجال والعشوائية في اتخاذ قرارات تسيير مختلف الملفات يرفعان ما تبقى من مصداقية الحكومة، الواقعة تحت تفسخ غير مسبوق، بسبب التخبط والافتقاد إلى تحكيم مركزي، ما أدى إلى طغيان المزاجية والحسابات الضيقة، وعدم التنسيق والانسجام.

وذهب مراقبون إلى أن قرار الرضوخ لانتفاضة مراهقي الثانويات، يتعدى صلاحيات وزيرة التربية، نورية بن غبريط، وأنه قرار فوقي يستهدف تلافي المواجهة مع الشارع، خاصة في ظل الحديث عن حراك اجتماعي لتنفيذ عصيان مدني احتجاجا على الوضع الاجتماعي والاقتصادي، بعد نجاح الإضراب الذي نفذه التجار وأصحاب الخدمات في منطقة القبائل خلال الأيام الأخيرة.

ووجه مستشار وزارة التربية، نجادي مسقم، اتهامات لأطراف في النقابات المستقلة، وأخرى لم يكشف عن هويتها، بتحريض وتوجيه تلاميذ الثانويات إلى الاحتجاج وتنظيم مسيرات وحتى أعمال شغب في بعض المحافظات، من أجل المساس باستقرار المدرسة الجزائرية، وتوظيف التلاميذ في تصفية حسابات سياسية تستهدف تفجير الجبهة

الاجتماعية.

وذكر مسؤولون في الوزارة أن قرار التراجع جاء لتفويت الفرصة على من أسموهم بـ”الباحثين عن الصيد في المياه العكرة، واستغلال التلاميذ في إشعال الفتيل الاجتماعي، وأن معطيات توصلت إليها تفيد بضلوع جهات داخلية وحتى خارجية، في دفع التلاميذ إلى تفجير مواجهات وأعمال شغب، وأن تحقيقات فتحت في هذا الشأن لقطع الطريق أمام مخطط يستهدف ضرب استقرار البلاد”.

وسبق لنفس الوزارة أن تراجعت منذ أسابيع تحت ضغط تلاميذ الثانويات عن قرار سابق لها، يتعلق برزنامة امتحان شهادة البكالوريا، واضطرت حينها إلى تلبية مطالب المحتجين، وهو ما وضعها محل انتقادات واسعة، بعد ما أبدته الوزيرة المثيرة للجدل منذ تسميتها على رأس القطاع، من تشدد تجاه الفاعلين في القطاع، وصرامة في التعاطي مع الملفات المفتوحة في المدرسة الجزائرية.

ومع تثمين بعض النقابات وجمعيات أولياء التلاميذ العودة إلى ما أسمته بـ”العطلة البيداغوجية “، سجل إجماع لدى فعاليات سياسية وأهلية على تخبط حكومي غير مسبوق، واهتزاز لمصداقية المؤسسات الرسمية في البلاد لدى الرأي العام، بسبب الانتقائية والارتباك أمام حراك الشارع الجزائري، والافتقاد إلى رؤية واضحة وإستراتيجية لتسيير الشأن العام.

وذهب رئيس منظمة أولياء التلاميذ، علي بن زينة، في اتصال لـ”العرب”، إلى دعوة الوزيرة نورية بن غبريط، إلى الاستقالة من منصبها بعد فشلها في تسيير القطاع، وتوالي أخطائها في التعاطي معه، رغم أنه يستقطب أكثر من ثمانية ملايين تلميذ ونصف مليون أستاذ وموظف، ودعا الرئيس بوتفليقة ورئيس الوزراء عبدالمالك سلال إلى تحمل مسؤوليتهما والتدخل لإنقاذ الوضع.

وأضاف “الوزارة أغلقت أبواب الحوار والتشاور مع الفاعلين في القطاع، وسبق أن حذرنا من مغبة القرارات العشوائية والارتجالية، إلا أن أصواتنا لم يؤخذ بها، رغم أن أبناءنا هم المعنيون بالأمر، وكان بالإمكان تجاوز هذا الوضع المسيء للمدرسة الجزائرية ولمؤسسات الدولة”.

وجاء ارتباك وزارة التربية لينضاف إلى مسلسل غير مسبوق في أداء الحكومة لم يبق أي مبرر لاستمرارها، في ظل تفاقم حالة التضارب وعدم الانسجام بين أفراد الطاقم الواحد، وغياب التنسيق في معالجة مختلف ملفات الشأن العام للبلاد، الأمر الذي هز مصداقية مؤسسات الدولة، وزاد من عمق الهوة بينها وبين الشارع الجزائري.

وكانت وزارة العمل والضمان الاجتماعي، أن تراجعت جزئيا عن مضمون قانون التقاعد الجديد، بإيعاز من الرئيس بوتفليقة، كما ألغى رئيس الوزراء قرارا لوزير السكن، حول قانون المطابقة عشية دخوله حيز التنفيذ، ووجه وزير السياحة الحالي، عبدالوهاب نوري، انتقادات لسلفه عمار غول، وأشار إلى ضلوع أيادي الفساد في ملف المنتجع السياحي “دنيا بارك” بالعاصمة، فضلا عن ممارسات فضائحية أخرى في دوائر الصحة والأشغال العمومية والنقل.. وغيرها، وهو الأمر الذي كرس غياب التكامل بين أعضاء الحكومة وهز مصداقيتها.

ولا تزال حالة من الترقب تسود الأوساط السياسية في الجزائر، بعد شيوع أنباء عن تغيير حكومي عميق يرتقب الكشف عنه، ورشحت العديد من الأسماء للرحيل بعد فشلها في تسيير قطاعاتها، إلا أن طبيعة التغييرات التي باشرها الرئيس بوتفليقة منذ العام 2013، فقدت بريقها بسبب خضوعها للحسابات السياسية والأجندات المصلحية، خاصة في ظل هيمنة ذهنية التداول وتبادل الأدوار بين رموز السلطة.

4