"انحناء".. مغامرة عبر الزمن للتحري عن جريمة قتل

أحداث فيلم المخرج دييكو هاليفيس تمضي في إطار بوليسي لا يختلف كثيرا عن أفلام الحركة والتحري مع إتقان واضح في صناعة المشهد.
الاثنين 2018/03/05
بناء مونتاجي مميز

في سينما الخيال العلمي شاهدنا الكثير من التجارب التي تفترض الغوص في الزمن والانتقال عبره بين مراحل حياتية متعدّدة، بل هنالك ما هو أبعد من ذلك، ألا وهو ما يعرف بـ”تغيير المصائر” في ما يتعلق بالشخصيات.
وفي فيلم “انحناء” للمخرج دييكو هاليفيس (إنتاج 2018) هنالك معالجة سينمائية لإشكالية الزمن من مقاربات متعدّدة، مضافة إليها خطوط سردية تتلاعب بإشكالية الزمن.
وفي الفيلم، تفيق الشخصية الرئيسية هيلين (الممثلة ليندسي فونسيكا) من نومها، وما هي إلاّ برهة زمنية حتى تجد نفسها في مكان آخر وملابس أخرى، وهنالك من يتكلم معها عبر الهاتف محذرا إياها من شخص قادم بسيارة سوداء قصد إيذائها، ويستمر الصوت عبر الهاتف في إرشادها وهي مطاردة من ذلك الشخص حتى تتخلّص منه.
وسنكتشف فيما بعد أن ذلك الصوت عبر الهاتف ليس إلاّ صوت هيلين نفسها، ولكنها على الضفة الأخرى من الزمن، بينما هيلين التي في المشهد هي التي عادت بالزمن إلى الوراء للكشف عن الغموض الذي يكتنف موت زوجها الذي تحب.
وينخرط الزوج ويلس (الممثل نوح بين) -وهو مخترع بارع- في مشروع حكومي يتعلق باستخدام كائنات روبوتية في صراع عصابات يفترض أن يقع في سوريا، وهو ما يرفضه ويلس لأنه لاأخلاقي ويتسبب في مقتل أناس أبرياء، ما يدفع توماس (الممثل غلين مورشاور) شريكه في المشروع إلى اغتياله بالسم.
هذه المعلومات المختفية عن أنظار الجميع ستشاهدها هيلين من خلال تسجيلات كاميرا مراقبة وكيف تم الإجهاز على زوجها بعد ادعاء أنه مات لأسباب صحية.
كل هذه الأحداث المتسارعة تقع في سحابة أسبوع تكون فيه هيلين في زمن آخر شاهدة على مقتل زوجها، ولكن من دون أن تدرك حقيقة رحلتها عبر الزمن، إذ ستعود إلى الزمن المعيش لتتفاجأ بأنها قد تغيّبت أسبوعا فقط.

 

لا شك أن عامل الزمن في الدراما الفيلمية كما في الأدب الروائي كان ولا يزال محورا أساسيا في رسم مسار الشخصيات ودوافعها وأفعالها، فضلا عن كونه في حد ذاته يشكل تحديا لمسار الشخصيات المتداولة سواء عبر الصورة أو من خلال الكلمة، ولعل محور الزمن الماضي والمستقبل على صعيد السرد الفيلمي أوجدا حلولا شتى في التعامل معهما، باتجاه تنوع أو تعدّد خطوط السرد بما يمنحه الانتقال عبر الزمن من مواقف مستجدّة ومتتابعة.

ينضم إليها إليكس (الممثل زاج افيري) زميلها في العمل ويقاسمها تلك المطاردة المروعة من قبل توماس وفريقه اللذين هما أقرب إلى عصابة منظمة.
ويستمر هذا التقاطع في خطوط السرد وازدواج الشخصية العابرة للزمن ليتحوّل إلى محور أساسي في الدراما الفيلمية مع تصاعد الصراع بين هيلين وتوماس قاتل زوجها، والذي سطا على كل مشاريعه المبتكرة والطموحة.
لكن وسط هذا التداخل الزمني تشعر بأن المخرج وكاتب السيناريو قد ذهبا بعيدا في تلك الفرضية التي تتعلّق بالتلاعب بالزمن، إذ أن هناك فجوات في السرد الفيلمي لم يتم تبريرها في ما يتعلق بالشخصيتين اللتين تمثلهما هيلين.
وفي المقابل مضت الأحداث في إطار بوليسي لا يختلف كثيرا عن أفلام الحركة والمطاردات والتحري مع إتقان واضح لصناعة المشهد وبناء مونتاجي مميز، وفي هذا السياق نذكر مثلا مشاهد الافتتاح وكيف تنتقل هيلين من مشهد إلى آخر بانسيابية وسط زوايا تصوير ومستويات إضاءة عالية، وكذلك عندما يجرفها الحنين لزوجها فتدخل غرفة النوم المهجورة وتلبس ساعة الزوج، في إيحاء آخر بقضية الزمن.
أما على صعيد الشخصيات الدرامية فقد كانت هيلين ندا قويا لتوماس، وتمكنت من تقديم مستوى أدائي مميز وازن أداء توماس ومكره ومكائده.
وفي ما يتعلق بعنصر المكان، فالملاحظ أن الانتقال عبر الزمن قد رافقه تنويع ملفت للمكان ابتداءً من منزل هيلين ثم الشركة التي تعمل فيها والأماكن التي طوردت فيها من قبل توماس، وهو تنويع أضاف جمالية للبناء الفيلمي وأخرج الأحداث عن إطار النمطية والرتابة.
ولأن الأحداث تنحو منحى نفسيا نظرا للانتقال النفسي والحسي عبر الزمن، فضلا عن الشحن العاطفي لجهة هيلين، فقد كانت هذه الأخيرة أمام عصف شديد، وعليها أن توازن بين هذه العوامل مجتمعة التي تم زجها في البناء الدرامي، وهو ما أجادت فيه إلى حد كبير.
من جهة أخرى لا تبدو ماكنة الزمن التي لم نكتشفها إلا في القسم الأخير من الفيلم ابتكارا أو حلا ملفتا للنظر، فقد تكرّرت في العديد من أفلام الخيال العلمي، يضاف إلى ذلك الرحيل عبر الزمن في حد ذاته الذي طالما عالجته العديد من أفلام الخيال العلمي.
ومع ذلك كله، فالملفت للنظر في فيلم “انحناء” هو طريقة بث المعلومات في السياق الفيلمي، فللوهلة الأولى لم يكن الأمر ملتبسا كثيرا في ما يتعلق بهيلين، لكن كان هنالك حل إخراجي رشيق في كيفية تتابع المعلومات لدى المشاهد ولجهة تفاعله مع الأحداث المتتابعة، إذ لم يكن معلوما تحديدا وجود شخصيتين دراميتين كل منهما تعيش في زمن مختلف، وكل منهما تساند الأخرى في التحري والوصول إلى الحقيقة مع أنهما شخصية درامية واحدة.

16