انحياز بان كي مون في ملف الصحراء المغربية.. دور ملتبس كالعادة

السبت 2016/03/12
متى كانت الأمم المتحدة محايدة

الرباط - مرة أخرى ينتفض المغرب في وجه الأمين العام للأمم المتحدة، وتتجاوز المملكة عبارات الدبلوماسية المعهودة إلى اتهامه المباشر والصريح بـ”التخلي عن الحياد والموضوعية وعدم الانحياز”، في ملف الصحراء المغربية و”الاستسلام لابتزاز الأطراف الأخرى”.

وقالت الرباط إن خطاب الأمين العام حول الوضع بالصحراء، تضمن “انزلاقات لفظية غير مسبوقة”، معتبرة أن التصريحات الأخيرة لبان كي مون “غير ملائمة سياسيا، وغير مسبوقة في تاريخ أسلافه ومخالفة لقرارات مجلس الأمن، وتمس بمشاعر الشعب المغربي قاطبة”.

الرد المغربي على الأمين العام للأمم المتحدة، والذي جاء في بيان للخارجية، الثلاثاء الماضي، لم يكن إلا تعبيرا عن عدم رضى المغرب على مجريات وتداعيات الزيارة الأخيرة التي قام بها بان كي مون، السبت الماضي، لمخيمات اللاجئين الصحراويين في مخيمات تندوف، غربي الجزائر.

وقبل هذا الموقف من رأس الوساطة الأممية في موضوع الصحراء، كان المغرب اتهم كذلك كريستوفر روس، مبعوث الأمم المتحدة إلى الصحراء بالانحياز، وبسبب ذلك توقفت جهوده الدبلوماسية لمدة، قبل أن يستأنفها في فبراير 2015، أعقبت ذلك زيارة للمنطقة في سبتمبر، ونوفمبر الماضيين، من دون نتيجة تذكر.

لكن بان كي مون، قال، خلال زيارته إلى الجزائر، الأحد الماضي، إنه طلب من روس، استئناف جولاته في المنطقة، سعيا إلى إحياء المفاوضات بين المغرب وجبهة البوليساريو، لذلك حرصت الحكومة المغربية في بيان خارجيتها على أنه “سواء تعلق الأمر بمجريات هذه الزيارة أو بمضمون التصريحات التي تخللتها، فإن الأمين العام للأمم المتحدة تخلى عن حياده وموضوعيته”.

ما وصفه المغرب بـ”عدم حياد وموضوعية” بان كي مون، يُفسّر في السلوك والخطاب السياسي المغربي على أنه يدعم انفصال الصحراء عن المغرب، وهو ما تعتبره الرباط تجاوزا غير مقبول، لذلك فإن المملكة تؤكّد دائما أنها يمكن أن تضحي بالكثير من مصالحها الاقتصادية وعلاقاتها الدبلوماسية إذا مست قضية الصحراء، وأنها لا يمكن أن تتساهل في ما يعتبره المغاربة القضية الأولى للبلاد.

وتأكيدا على أهمية هذا الأمر، وكما هي العادة، لم يقف الأمر عند الموقف الحكومي الرسمي، بل عقد البرلمان المغربي اجتماعا مشتركا بين لجنتي الخارجية بمجلس النواب (الغرفة الأولى) ومجلس المستشارين (الغرفة الثانية)، لـتدارس مستجدات القضية الوطنية على ضوء الزيارة الأخيرة التي قام بها الأمين العام للأمم المتحدة لمخيمات تندوف والمنطقة المغاربية وبعض الدول الأفريقية.

وسارعت أحزاب من المعارضة المغربية بينها حزب الاستقلال (محافظ)، والاتحاد الاشتراكي (يسار)، والأصالة والمعاصرة (يمين)، إلى التنديد بتصريحات بان كي مون غير الملائمة سياسيا، ودعوة البرلمان المغربي بغرفتيه إلى عقد دورة برلمانية استثنائية لمناقشة التطورات الأخيرة، والتحرك على المستوى الحزبي والبرلمان المغربي، للدفاع عن المصالح العليا للمغرب والمغاربة.

فرنسا الحليف التقليدي للمغرب، لم تتردد في تجديد “دعمها لمخطط الحكم الذاتي الذي قدمه المغرب من أجل تسوية قضية الصحراء”، وقالت على لسان الناطق باسم وزارة الخارجية الفرنسية، رومان نادال، إن “مخطط الحكم الذاتي الذي قدمه المغرب سنة 2007، يشكل بالنسبة إلى فرنسا قاعدة جدية تحظى بالمصداقية، من أجل التوصل إلى حل متفاوض بشأنه”.

لكن بان كي مون، لم يتأخر في دفع تهمة “عدم الحياد والموضوعية” عنه، لذلك سارع على لسان المتحدث الرسمي باسمه، فرحان حق، إلى التأكيد أنه يعتبر نفسه شريكا حياديا في ملف الصحراء، وقال فرحان حق في تصريحات صحافية إن “الأمين العام يعتبر نفسه، إلى جانب منظمة الأمم المتحدة، شريكا حياديا في هذا الملف”، وأنه “فعل كل ما بوسعه من أجل تسوية الوضع”.

واعتبر عزيز إدامين، الباحث في العلوم السياسية والعلاقات الدولية بجامعة محمد الخامس الرباط، موقف المغرب من تصريحات بان كي مون أمرا عاديا وطبيعيا معللا ذلك بـ”المصطلحات التي استخدمها الأمين العام مثل الاحتلال وتقرير المصير”.

وعن علاقة الأمم المتحدة بملف الصحراء، قال إدامين، إن قضية الصحراء “مدرجة في جدول أعمال مجلس الأمن وفق مقتضيات الباب السادس الذي يدعو إلى حل النزاعات بالسبل الدبلوماسية والودية، وأي مقترح أو رأي يجب أن يحظى برضى جميع الأطراف”، مشددا على أن علاقة المغرب مع الأمم المتحدة تأتي في هذا السياق، وأنه “لا يحق لأي جهة فرض وجهة نظرها على دولة ذات سيادة كاملة مثل المغرب”.

مولاي بوبكر حمداني، رئيس مركز التفكير الاستراتيجي والدفاع عن الديمقراطية، قلل من تأثير تصريحات بان كي كون، وقال “ليست لها تبعات على أطراف النزاع بشكل مباشر، لأن الأمين العام مجرد مسؤول إداري بالمنظمة، وبالتالي تعتبر تصريحاته غير ملزمة، لأن القرار في نهاية الأمر يعود إلى الدول الأعضاء في مجلس الأمن والجمعية العامة”.

وفي مقابل تقليله من تداعيات تصريحات بان كي مون، قال حمداني إن “على الأمين العام للأمم المتحدة تجسيد المُثل العليا المُعبّر عنها في الميثاق، ضمن إطار حفظ السلام والأمن الدوليين، وتوفير بيئة مواتية لإجراء مفاوضات تفضي إلى الحل العادل لهذا النزاع الذي عمّر طويلا”، مضيفا أنه “من غير المناسب لمن يتوقع فيه التحلي بخصال التوفيق والوساطة، التعبير أو حتى مجرد الإيحاء بالتحيز لأي طرف، قبل بالوساطة الأممية، سواء علنا أو سرا، لما تحمله أقوال الأمين العام وأفعاله من أثر بالغ لمنع نشوء المنازعات الدولية أو تصاعدها أو انتشارها”.

ورغم اللهجة الشديدة التي تحدثت بها الرباط تجاه الأمين العام للأمم المتحدة، فإن بوبكر حمداني، يعتبر أنه “لن يكون هناك تغيير في الموقف المغربي الرسمي من الوساطة الأممية، التي سبق له أن قبلها بإرادته المنفردة”، مضيفا أنه “رغم ما يطفو على السطح من توترات مرتبطة بطبيعة العلاقات التفاوضية التي تتسم عادة بالصعوبة والجمود أحيانا، إلا أن الأمر لن يصل إلى سحب البساط من المبعوث الأممي، لما حققه من سلم وأمن في الإقليم المتنازع عليه منذ وقف إطلاق النار عام 1991”.

7