اندماج الأحزاب الإسلامية يعيد رسم الخارطة السياسية في الجزائر

وقّع أمس بالعاصمة الجزائرية قادة الحزبين الإسلاميين، حركة النهضة وجبهة العدالة والتنمية، محمد ذويبي وعبدالله جاب الله، على إعلان الاندماج بينهما، والعودة إلى ما بات يعرف بالنهضة “التاريخية”، وهي خطوة أولى لحراك الإسلام السياسي في الجزائر، من أجل بناء تحالفات وتكتلات جديدة، تحسبا للاستحقاقات الانتخابية المقررة خلال العام القادم، الأمر الذي يؤكد العزم على دخول غمار الانتخابات التشريعية والمحلية، بصفوف موحدة خشية الاندثار من المشهد السياسي، تحت ضغط أحزاب السلطة.
الأربعاء 2016/12/21
متحمسون للانتخابات

الجزائر - أعلنت قيادة النهضة التاريخية أمس، عن الميلاد الرسمي لاندماج حركة النهضة الحالية بقيادة محمد ذويبي، وجبهة العدالة والتنمية بقيادة عبدالله جاب الله، عشية استعداد الطبقة السياسية لدخول غمار الانتخابات التشريعية بعد خمسة أشهر من الآن، وهو القرار الذي تم التوصل إليه بعد مفاوضات شاقة بين هيئات الحزبين، أفضت إلى تحييد خلافاتهما السابقة والاتفاق على العودة إلى حركيتهما السياسية الأولى.

وينتظر أن يتعزز التكتل الإسلامي الجديد، بتحالف مع حركات سياسية أخرى من نفس التوجه، كحركتي التغيير والبناء الوطني، المنبثقتين عن حركة مجتمع السلم الإخوانية، بسبب خلافات مماثلة بين قائديها عبدالمجيد مناصرة، ومصطفى بلمهدي، مع قيادة حركة “حمس”، أثناء حقبة أبوجرة سلطاني.

وأجمعت فعاليات الإسلام السياسي في الجزائر، على المشاركة في الاستحقاقات الانتخابية القادمة، رغم الشكوك والاتهامات التي ما فتئت المعارضة توجهها إلى السلطة، باستعمال التزوير والانحياز لصالح الأحزاب الموالية لها، وفشلها في فرض مطلب الهيئة المستقلة لتنظيم ومراقبة الانتخابات، وبقاء الهيئة المذكورة على نفس المهمة (المراقبة)، مع توسيع بعض صلاحياتها بموجب نصوص الدستور الجديد، المصادق عليه من طرف البرلمان في أغسطس الماضي.

ومع فشل التشكيلات المنبثقة عن حركة “حمس”، في التوصل إلى اتفاق في أعقاب مشاورات فتحت لهذا الغرض بين عبدالمجيد مناصرة ومصطفى بلمهدي بقيادة الحزب الأم خلال السنوات الماضية، فإن اندماج طرفي النهضة التاريخية وإمكانية استقطاب أطراف جديدة في التحالف الجديد، سيحوّل الأضواء عن حركة “حمس”، خاصة مع قرارها بخوض الاستحقاقات المذكورة لوحدها وبإمكانياتها وبقوائمها الخاصة.

ويرى القيادي في حركة النهضة محمد حديبي، في تصريح لـ”العرب”، أن الاندماج مخطط استراتيجي لا يتعلق باستحقاقات ظرفية، بل باستجابة لطموحات قديمة لأبناء وكوادر الحركة التاريخية في توحيد الصفوف والتكتل، وأنه قناعة من أجل تجاوز الخلافات الشخصية والسياسية الضيقة، والتوجه إلى النضال بالأفكار والمشاريع.

وأضاف “المشروع كخطوة أولى يتمحور حول ترتيب بيت النهضة التاريخي ومن ثم الذهاب إلى ترتيب الأحزاب الإسلامية كخطوة ثانية تحت مشروع واحد، ضمن رؤية واحدة وسقف واحد ومن ثم البحث عن القواسم المشتركة مع الشركاء السياسيين في الساحة الوطنية، من أجل حماية الدولة من التحديات الخارجية والداخلية”.

مراقبون يتوقعون توسع التكتل الإسلامي الجديد، بتحالف مع حركات سياسية أخرى كحركتي التغيير والبناء الوطني

وأعطت الوجوه الحاضرة انطباعا للمراقبين، بأن تحالفا مماثلا قد يتبلور بين المنشقين عن حركة “حمس”، فالإشارات التي أطلقت من طرف مصطفى بلمهدي وأبوجرة سلطاني، توحي بأن حراكا ما يطبخ على نار هادئة، وأن القائد السابق لحمس أبوجرة سلطاني، على وشك الانشقاق من الحركة وبناء تكتل جديد بينه وبين مناصرة وبلمهدي.

وذكر المتدخلون في ندوة الإعلان، أن الخطوة الأولى تبدأ بتوحيد القوائم المترشحة للانتخابات المقبلة، وتشكيل هيئات مشتركة بين الطرفين لتسيير المرحلة، وأن القرار جاء تنفيذا لوصية تركها القيادي الراحل عبدالغفور سعدي، الذي أوصى منتسبي الحزب بتلافي الخلافات والعودة إلى نفس الصف.

وتضمن الاتفاق حل أحد الحزبين والذهاب إلى مؤتمر لانتخاب قيادة سياسية جديدة، ويرجح أن يتم حل جبهة العدالة والتنمية الحالية التي يتزعمها عبدالله جاب الله، والاحتفاظ بحركة النهضة، من أجل تلافي الاصطدام بإجراءات وزارة الداخلية، والإبقاء على الرمزية التاريخية للحركة.

وحسب متابعين للشأن الإسلام السياسي في الجزائر، فإن خلافات التيار عميقة وتاريخية تعود إلى سنوات الظهور الأولى، حيث رفضت في نهاية الثمانينات رموز التيار الإخواني الانخراط في تيار السلفيين المتمثل في جبهة الإنقاذ المحظورة، لأسباب وحسابات ضيقة، حيث لعبت ورقة الزعامة دورا كبيرا في تفجير الحراك، وأعقب ظهور جبهة الإنقاذ، ميلاد كل من حركة النهضة وحركة المجتمع الإسلامي (حماس)، التي تطورت إلى حركة مجتمع السلم (حمس) في منتصف التسعينات.

ويقول القيادي محمد حديبي في تصريحه لـ”العرب”، حول سؤال عما إذا كانت عوامل التشظي في التيار الإسلامي قد انتفت، بأن “التيار الإسلامي تجاوز المرحلة، والكل جرب ما يحلو له من انشقاقات وانقسامات، ومن معارضة ومشاركة، ومن اللعب على الحبلين، وأعتقد أنها مرحلة مراهقة سياسية سابقة، نتيجة حداثة التجربة وغياب توجيه وترشيد، تم تجاوزها الآن، وقد بلغ من النضج السياسي ما يؤهله للنظر البعيد في ترجيح مصالح الأمة وفق آليات واضحة، على ضوء تجارب سابقة تحقق النمو والاستقرار التنظيمي والسياسي”.

وإذ حافظ المؤسس التاريخي لحركة النهضة عبدالله جاب الله، وبعض القياديين على هامش معتبر لممارسة المعارضة السياسية، فإن حركة “حمس” انخرطت بشكل علني وفعال في السلطة، خاصة منذ مجيء الرئيس بوتفليقة للسلطة في 1999، حيث كانت طرفا، فيما كان يعرف بـ”التحالف الرئاسي”، وشاركت في مختلف الحكومات المتعاقبة إلى غاية العام 2011، ولا يستبعد تغريدها الآن وحيدة تمهيدا للعودة إلى “بيت الطاعة”.

4