اندماج الصحف البريطانية قد ينقذها من الكساد

الأربعاء 2014/11/05
التحديات التي تواجه الصحف تدفعها إلى النقاش مع بعضها وربما حتى التعاون والاشتراك

لندن– تكافح الصحف البريطانية للصمود أمام تحديات العصر الرقمي الذي يمثل تهديدا حقيقيا للصحافة المطبوعة وينذر بزوالها، وتبدو فكرة الاتحاد بين الصحف حلا واقعيا لمواجهة الأزمة المشتركة.

دعا بول داكر رئيس تحرير صحيفة “دايلي ميل”، إلى وحدة الصحافة في زمن تصاعد التحديات المالية والسياسية. وذلك خلال حديثه الأسبوع الماضي عن معارك الثورة الرقمية التي تغيّر “شكل صناعتنا بأكمله” و”الحق في تقديم تقارير مجانية عن سيطرة الحكومة”.

وتكتسب هذه التصريحات أهمية خاصة كونها تصدر عن داكر الذي نادراً ما يعتلي المنابر العامة، ممّا يضفي أهمية خاصة على أي تصريح يدلي به لوسائل الإعلام.

وقال داكر “غالباً ما تبرز هذه المعارك أفضل ما فينا، ولكن يمكنها أيضا أن تظهر الأسوأ، ممّا يؤدي إلى انقسامنا وانقلابنا ضد بعضنا البعض بطريقة لا تخدم سوى مصالح أولئك الذين يرغبون في السيطرة علينا”. وأضاف أنه، على الرغم من استبعاد الكثيرين لاحتمال تحقق ذلك، إلّا أنه توجد فعلا فرصة حقيقية لتحقيق اتحاد الصحف وتوفير مساحة تسمح بذلك. وقد لا تكون هذه المساحات مثالية، ولكنها تُخوّل لنا الأمل في ظلّ نموّ الاحتمال الوشيك لحدوث أزمة اقتصادية عارمة.

ونشرت “رابطة الإعلانات” تنبؤاتها بشأن الإيرادات الإعلانية في المملكة المتحدة لعام 2015، وهي أرقام سمحت أخيرا للصحف أن تأمل في استعادة البعض من بريقها وشعبيتها المفقودة. وتكشف هذه الأرقام عن ارتفاع محتمل بنسبة 1 بالمئة (مقارنة بالعام الماضي)، ممّا يرفع العائدات إلى قيمة 1.42 بليون جنيه استرليني، وهذا يتوقف على حدوث ارتفاع في الإعلانات الرقمية التي تحملها مواقع الصحف (22.8 بالمئة، أي ما يعادل 270 مليون جنيه استرليني). إلّا أنّ الصحافة المكتوبة رحبت بقوة بهذا التقدم البسيط، واعتبرت بذلك أنّ النمو الرقمي قد بدأ في إحراز فرق مستقر.

ويبقى مردود بعض الصحف والمجموعات أفضل بكثير من غيرها. كما أنّ المساهمة الرقمية لا تضاهي في أي حال من الأحوال، الأموال التي لا تزال تتدفق من طباعة الإعلانات (270 مليون جنيه استرليني مقابل 1.42 بليون جنيه استرليني). ولكن تفرض هذه الأرقام فرصة للتوقف والتفكير.

بول داكر: توجد فعلا فرصة حقيقية لتحقيق اتحاد الصحف وتوفير مساحة لذلك

ونشهد اليوم اتحاد صحيفتي “الغارديان” و”التلغراف” (وهما متنافستان) اللتين اجتمعتا بهدف تقاسم بيانات التسويق والإعلان. وها هما مرة أخرى- بالاشتراك مع يوتيوب- تدعوان إلى إجراء نقاش الانتخابات الرسمي عبر الإنترنت. كما تقوم ‘نيوزوركس” - الوكالة المشتركة بين الوكالات للدفاع عن الصحافة المكتوبة- بدعم وتشجيع نظام يوفر للمعلنين معلومات أفضل بكثير عن تأثير الإعلانات ومساعدتهم على حجز المساحات التي يحتاجون إليها عبر الانترنت في نقرة واحدة.

وفي نظرة على إنجازات هذا المجال في أوروبا، مع شراء أكسيل سبرينغر في ألمانيا والنيويورك تايمز لربع “بندل”، الشركة الهولندية التي تتيح للقراء في هولندا فرصة شراء المقالات أينما ومتى رغبوا في ذلك. كما تتوفّر دائما إمكانيات ضخمة عند التزام الصحف والمجلات لبيع أفضل مقالاتها عند الطلب.

وتسلك أوروبا حاليا طرقا جديدة مع هذه المواقع الحديثة، لا سيما باعتماد ‘بندل’ على ‘الفيسبوك’ وضمان شركة ‘بيانو’ لمشاركة ‘نيوزويك’. وقد يكون من الضروري لبريطانيا اقتباس بعض الأفكار من هذه الشراكات الناجحة والواسعة الشعبية. أو على الأقل المحاولة، خاصة في ظلّ الاتفاق العام بشأن بعض القضايا والتحديات الجوهرية، على غرار مطالبة الرئيس التنفيذي للغارديان الصريحة بالإجابة على سؤاله الاختباري: “كيف يمكن لهيئة (البي بي سي) التي لا تفتقر إلى التمويلات أن تدعم تلك العلامات التجارية البريطانية التي تفتقر إليها بشدة؟”

وتلعب كلّ من الغارديان وميل أونلاين دورا هاما، على الصعيد الرقمي، في استراليا. وهو ما تنجح كذلك حاليا في تحقيقه البي بي سي. وبالرغم من المنافسة التجارية القائمة بين الصحف المطبوعة، إلّا أنها تجتمع حول نفس القضية المشتركة، وإن لم ترغب في الإقرار بذلك. وهي تواجه اليوم تحديات تدفعها إلى التحاور مع بعضها البعض، وربما حتى التعاون والاشتراك.

وأعرب داكر عن قلقه بشأن قانون ‘ريبا’ الذي يمنح الشرطة الحق في ممارسة القرصنة (التسلل غير المشروع للكمبيوتر). ويساند الكثيرون داكر في موقفه هذا. كما أعرب عن قلقه بشأن سياسة ما بعد 2015، وما قد يحدث في مجال قوانين الصحافة. ولعل الحل لهذه التساؤلات القلقة يكمن في بذل مجهودات إضافية لبناء جبهة مشتركة، إذ تحتاج معايير الصحافة المنظمة إلى مزيد من التقدم والعمل.

يُمثّل هذا العصر- عصر التحديات الرقمية- الفرصة المناسبة للنقاش. إذ لا ينبغي على المنافسة القائمة إن تدفع بالصحف إلى تدمير نفسها. تنافسوا قدر ما شئتم، ولكن لا تنسوا الهدف الأسمى والأعمّ.

18