اندماج العرب في المجتمعات الأوروبية

الأحد 2016/10/02

من خلال زياراتي المتكررة إلى باريس لأسباب عائلية، وانخراطي في المجتمع يساعدني في ذلك إتقاني للفرنسية وحضوري للعديد من النشاطات الثقافية والاجتماعية، لاحظت أن ما يسمّى الاندماج العربي في المجتمعات الأوروبية يبقى سطحيا ولا يمس العمق الإنساني والعادات والتقاليد لدى الشعوب العربية. وأحب أن أعطي بعض الأمثلة الحياتية لذلك، حيث التقيت بالعديد من العرب وخاصة الجزائريين والمغاربة الذين يرفضون أن يأخذوا قروضا من المصارف الأوروبية لأنها تتعامل بالفائدة، باعتباره أمرا مخالف للشريعة الإسلامية. وتلك الشريحة من العرب، يحافظون على عاداتهم تماما كعادة الطهور، والاحتفالات المُرافقة لها من موسيقى ورقص وتقاليد، حتى أنني حضرت البعض من هذه الاحتفالات التي أشعرتني أنني أعيش في قرية جزائرية أو مغربية.

ولا مانع من احتفاظ هؤلاء بعاداتهم وتقاليدهم فهي تشكل انتماءهم وتدخل في صميم شخصيتهم، لكن ما أذهلني أنهم لا يشعرون على الإطلاق أنهم فرنسيون -رغم أن العديد منهم ولد في فرنسا ولا يعرف كلمة عربية- ولا يشعرون أيضا أنهم عرب تماما بدليل عدم زياراتهم للبلد الأم، يشعرون فقط بانتمائهم للدين الإسلامي. أي أن جوهر شخصيتهم أنهم مسلمون. وحين سألت شابة تونسية لا تتقن اللغة العربية بل بالكاد تعرف بضعة كلمات منها -وهي تصلّي خمس مرات في اليوم- ماذا تصلين وهل قرأت القرآن فأجابتني “لا لم أقرأه لأنني لا أعرف العربية”. ومع ذلك فهي تقوم بفروض الصلاة المسلمة كلها.

وحين كنت أحضر الدورات الاجتماعية التي تضم كل المتقدمين للحصول على بطاقة الإقامة في فرنسا، وكنت ألتقي فيها العديد من العرب من مختلف الجنسيات، تعرفت إلى سيدتين جزائريتين كل منهما حصلت على بطاقة إقامة في فرنسا لمدة ثماني سنوات بينما أنا حصلت على بطاقة لمدة سنة واحدة تُجدد سنويا، وحين قلت لهما "والله أنتما محظوظتان لحصولكما على بطاقة إقامة لمدة ثماني سنوات بينما".. لم تتركانني أكمل عبارتي بل انفجرتا في وجهي قائلتين "وهل نسيت أن فرنسا استعمرتنا أكثر من مئة سنة!". وحين أجبتهما "طالما أن نظرتكما وتقيمكما لفرنسا أنها دولة مُستعمرة فلم لا تتركانها وتعودان إلى وطنكما الأم أي الجزائر؟".

قالتا "لأن لدينا حقوقا هنا مثل الضمان الصحي والمساعدات الاجتماعية خاصة للفقراء، مع إعفائنا من الضرائب..".

بصراحة لم يقنعني هذا المنطق لأنهما –مثل العديد من أمثالهما- تشعران بالحقد على فرنسا كمُستعمرة ومع ذلك تريدان امتيازات العيش فيها، وهما تعرفان تماما أن هذه الامتيازات لا تستطيعان الحصول عليها في بلدهم الأم بسبب الفقر والبطالة وشح الراتب، إذا العربي (بشكل عام) الذي يعيش في دولة أوروبية، وأخص هنا فرنسا، لا يحس بالانتماء للغرب ولا لوطنه الأم الغارق في التخلف والفقر ولا يجد انتماءه إلا للدين الإسلامي. بل إنه يتمسك بعاداته وتقاليده التي لم تعد تُمارس إلا في أرياف وطنه.

المشكلة الأهم كما لمست أن الأوروبيين أنفسهم ينظرون بريبة وحذر لهؤلاء الفرنسيين من أصول عربية خاصة الجزائريين والمغاربة، ويفضلون إرسال أولادهم إلى مدارس خاصة تكلّفهم الكثير من المال كي يحدّوا أو يمنعوا أولادهم من الاختلاط بأولاد العرب الذين ينظرون إليهم نظرة فوقية، وهذه المشاعر من التعالي والفوقية تصل إلى العرب الحاصلين على الجنسية الفرنسية، وتولّد في نفوسهم الأحقاد والنفور والعدوانية، ولا ننسى كيف قام صحفيو مجلة شارلي إيبدو برسم صور مسيئة للنبي محمد، وكذلك الفيلم المسيء جدا للنبي محمد الذي يقدسه المسلمون، هذه الممارسات كلها تزيد من الفجوة بين المسلمين الفرنسيين (بالهوية فقط) وبين المجتمع الأوروبي المتعجرف والمتعالي على هؤلاء الذين يعيشون في أحياء فقيرة خاصة بهم.

ولا أنسى قول امرأة فرنسية ترسل أولادها كل يوم سبت إلى الكنيسة ليتلقوا التعاليم المسيحية الدينية، رغم معرفتي أنها ليست مؤمنة ولا تذهب إلى الكنيسة كل أحد! وحين سألتها "لماذا ترسلين أولادك إلى مدارس التعليم المسيحي كل سبت؟"، أجابت بثقة "كنوع من الوقاية من إمكانية أن يحبوا أو يعشقوا شابا مُسلما". وأظن جواب تلك السيدة الفرنسية يفتح نفقا عميقا متفجرا بالأسئلة حول التعصب ورفض الآخر. أليس هذا الجواب أصدق مثال على عنصرية الغرب وعجرفته تجاه المسلمين رغم أنهم حاصلون على الجنسية الأوروبية! أيّ تعايش من الممكن أن يقوم وسط هذه الذهنية المتعصبة التي لا تؤمن إلا بالتعالي ورفض الآخر رغم أنه يتمتع مثله بالجنسية ويعيش مشاركا إياه في الوطن. لكن المهم ما يحصل في أعماق النفس البشرية من رفض للآخر وتمييز ضده في التعليم والاختلاط الاجتماعي وفي العمل، وهذا يولّد بدوره مزيدا من التشنج والعداء لهؤلاء الأوروبيين المتعجرفين، حتى أن حزب اليمين المتطرف في فرنسا بزعامة مارين لوبين يطالب علنا بطرد المسلمين من فرنسا كما لو أنهم وباء.

ثمة شرخ هائل في صميم المجتمع الفرنسي والمجتمعات الأوروبية بين المواطنين الأصليين وبين العرب الحاصلين على الجنسية الأوروبية، وهذا الشرخ لا يُعالج بإلقاء خطب طنانة من قبل رؤساء هذه الدول، ولا بإقامة ندوات تستفيض في التحدث عن مظاهر وأحداث العنف التي يقوم بها هؤلاء العرب الذين يعيشون في أوروبا، بل الأمر يحتاج إلى خلخلة المفاهيم السائدة والتعصب المتجذر عميقا في النفوس والذي أساسه رفض الآخر والتعالي عليه.

للأسف لا تتم معالجة إلا ذروة الهرم أي ما نشهده من أحداث عنف وإجرام. لكن المعالجة الأساسية يجب أن تكون من القاعدة أي أن يعرف كل مواطن سواء كان فرنسيّ الأصل أو أوروبيّ الأصل أن الآخر أي الأوروبي من أصل عربي مساو له في القيمة الإنسانية والاحترام والحقوق. وهذا الأمر يحتاج إلى سنوات من العمل الجاد والحوار العميق لتغيير نظرة التعالي والعجرفة لدى الغرب على المسلمين الأوروبيين من أصول عربية. فهل يعي السياسيون الأوروبيون عمق تلك المشكلة أم أنهم يصبّون الزيت فوق النار حين يقولون إن ما يحصل على أرض الواقع هو حرب. وبأن احتمال قيام حرب أهلية في أوروبا بين المسلمين والمسيحيين وارد جدا.

كاتبة من سوريا

21