اندماج وهوية محددة وإسلام واضح.. ترياق ضد تطرف المهاجر المغاربي

السبت 2016/04/02
اعتذار الملام دون ذنب

تسلط الهجمات الإرهابية التي تعرضت لها بروكسل، مؤخّرا، الضوء على موضوع تدبير العلاقة بين المهاجرين المغاربة والمجتمع الأوروبي الذي يعيشون في كنف قوانينه وثقافته، ولا يستسيغ الجيل الثالث والرابع مسألة اندماجهم داخل محيطه ويعتبرونه إقصاء وتمييزا عنصريا.

يقول إدريس الكنبوري الباحث المتخصص في الفكر الإسلامي، لـ”العرب”، إن المهاجرين من بلدان المغرب العربي من الجيلين الثالث والرابع في فرنسا وبلجيكا وأوروبا عامة، يعيشون حالة من أزمة الانتماء، فهم في بلدانهم الأصلية غرباء لأنهم ولدوا ونشأوا ودرسوا في الديار الأوروبية، وفي البلدان التي يعيشون فيها غرباء أيضا لأن المجتمع المحيط بهم ينظر إليهم باعتبارهم يمثلون حالة استثناء ثقافي وديني، فهم موزعون بين انتماء منقسم، نصف انتماء إلى الوطن الأم ونصف انتماء إلى بلد الهجرة.

هذا التوتر من الطبيعي أنه يولد ردود أفعال صدامية لدى الشباب، خصوصا في غياب سياسة حقيقية للإدماج، وهنا يقول إدريس الكنبوري، إن السياسات الأوروبية فشلت في وضع نموذج ناجح لإدماج المهاجرين من أبناء الجيلين الثالث والرابع، مؤكدا أن الحكومات الأوروبية تتحمل جانبا من المسؤولية في نشر الفكر المتطرف عبر التساهل مع التنظيمات المتطرفة في ظروف معينة لأغراض سياسية، وتهميش المهاجرين وعزلهم في أحياء هامشية.

وانطلاقا من الواقع الذي يعيشه شباب الجيل الثالث والرابع من المهاجرين باعتبارهم ضحية لفشل سياسات الدول الأوروبية التي لم تنجح في تأطير هؤلاء الشباب الذين ولدوا وترعرعوا فوق أراضيها، وانجرف بعضهم نحو التيارات المتشددة، يتبادر إلى الذهن سؤال حول الدور الذي يمكن أن تلعبه المساجد في تربية هؤلاء حفاظا على شخصيتهم وهويتهم وانفتاحهم الإيجابي غير المستلب على ثقافة وعوالم المجتمعات الأوروبية، وقد طرحنا السؤال على عمر المرابط، نائب عمدة مدينة أتيس مونس الفرنسية، الذي قال إنه لو كانت المساجد تقوم بدورها وتعطي الإمكانيات اللازمة لما وصلنا إلى وجود هذا الفراغ القاتل في التأطير الديني.

لكن الباحث إدريس الكنبوري، ثمّن دور المساجد والتأطير الديني عموما في فرنسا وبلجيكا واعتبر أنه دور مهم جدا. والمشكلة كما يراها، هي أن الدول الأوروبية لم تبدأ في الاعتراف بهذا الدور إلا في السنوات الأخيرة، كرد فعل على التطرف والإرهاب، بعد أن ضيّعت عقودا طويلة في الصراع مع التمثيليات المسلمة وعدم الاعتراف بها وتمكينها من أداء دورها.

ولتجاوز مشكلة استقطاب الجماعات المتطرفة للشباب المغاربي بأوروبا، شدد إدريس الكنبوري على ضرورة تعزيز المؤسسات الدينية بالديار الأوروبية ودعمها وضخ طاقم بشري جديد قادر على التخاطب مع الأجيال الجديدة من الشباب واليافعين، لنشر قيم التعايش والتسامح وصياغة خطاب ديني مناسب لوضعية المسلمين الذين يعيشون وضعا خاصا بوجودهم في بلدان غير ذات غالبية مسلمة تحتاج إلى فقه جديد.

المكان له دور مهم في تشكيل وعي المسلم المهاجر، لأن الثقافة الإسلامية التي انتشرت والفقه الإسلامي الموجود تم وضعهما للمسلمين الذين يعيشون في أماكن ذات أغلبية مسلمة

ورغم أن هناك مبادرات متعددة للتعامل مع المهاجر المغاربي بشكل يجعله مندمجا بشكل سلس داخل المجتمع الأوروبي دون أي عقدة بشأن الهوية، فإن المتطرف المحسوب على المجتمعات المغاربية بأوروبا يشكو من أزمة هوية تحجم اندماجه داخل المجتمع الأوروبي، وهذا ما أكده عمر المرابط، الذي قال في تصريحات لـ”العرب”، إن هناك أزمة هوية وأزمة انتماء وأزمة اقتصادية واجتماعية، وهذا الخليط هو الذي أنتج أشخاصا لا يدرون من أين أتوا ولا إلى أين هم ذاهبون فالتجؤوا إلى ما يشبع طبيعتهم الإجرامية وأصبح لها ومغزى بارتداء اللباس الديني.

وتوسّعا في مسببات وقوع المهاجر المغاربي ضحية للتطرف، نجد أن المكان الذي يتواجد فيه له دور كبير في تكوين نفسية تدفع به في حضن الجماعات الإرهابية، حيث يشير عمر المرابط إلى أن كل هؤلاء من أبناء الدول الأوروبية ولا يربطهم بالدول المغاربية سوى الاسم والقرابة وأغلبهم لا يتكلم العربية وليست لهم معرفة لا بالدين ولا بالأصول ولا الأخــلاق، فهم وفاشلون في حياتهم بالأساس.

ومن جهته أكد إدريس الكنبوري أن المكان له دور مهم في تشكيل وعي المسلم المهاجر، لأن الثقافة الإسلامية التي انتشرت والفقه الإسلامي الموجود تم وضعهما للمسلمين الذين يعيشون في أماكن ذات أغلبية مسلمة. وينتشر هذا الفقه في أوساط المهاجرين على اعتبار أنه فقه إسلامي واحد ونمطي، بينما القضية هنا تتعلق بأقلية مسلمة وسط غالبية مسيحية أو غير متدينة.

وتأسيسا على ما سبق يوصي إدريس الكنبوري، بأن ما يسمّى بفقه الأقليات يحتاج إلى تطوير لأنه متأثر بالفقه العام ويحتاج إلى تغيير مفاهيمه، لأن القول بفقه الأقليات يعني مسبقا أن هناك حالة من التوتر بين المسلم ومحيطه.

ومن ناحية أخرى يرى مهتمون أن تعامل المؤسسات التابعة للدول المسلمة مع قضايا المهاجرين المسلمين لا بد أن ينطبع بالاستمرارية والقرب من مشاكلهم وهمومهم حتى تبقى العلاقة الوجدانية مع المجتمع الأصل قائمة وحتى لا تتشكل نفسية أبناء المهاجرين وفيها ندبات هوية وتواصل.

6