انزعوا كبريت إيران من يد نوري المالكي

الثلاثاء 2014/06/17

ليس لديّ أدنى شك بأن رئيس الوزراء العراقي، نوري المالكي، طائفي حتى النخاع. وليس ثمة شك، أيضا، أن إيران، التي تعلن طائفيتها دستوريا وتتبنى، سعيا وراء أهدافها القومية الخاصة، ما تسميه تحالف الأقليات بالمنطقة، هي التي دست (الكبريت) في يده لكي يذكي نيران الطائفية في بلده من أجل أن يحرق قومه وجيرانه، ليصفوا الجو، بعد ذلك، للقومية الفارسية الراكبة للمذهب الشيعي لتحقق هيمنتها على المنطقة.

وقد ظن المالكي وإيران، ومن ورائهما أميركا في عدد من المواقف المتوالية الملتبسة للرئيس أوباما، أن رهانهما على تمكين المكون الشيعي العراقي المتطرف، كثمن لصفقة وتفاهم بين أميركا وإيران، اقترب من النجاح ولم يتبق سوى الاحتفال بالفوز الذي تُتَوّجه ولاية ثالثة لحامل الكبريت ونافخ الكير.

ما قلب ترتيبات هذا الاحتفال رأسا على عقب هو حدوث صدمة احتلال الموصل، ثاني أكبر المدن العراقية، التي لم تفاجئ نظام المالكي وإيران فحسب، بل فاجأت العالم كله بعد أن رأى الجميع كيف تتجول عناصر تنظيم (داعش) في شوارع مدن وبلدات محافظة نينوى، وكيف هربت فلول جيش المالكي بالآلاف تاركة وراءها عتادها وغذاءها وملابسها. هذا الهروب الذي لا يدل إلا على شيء واحد، وهو أن من كان في الميدان من ضباط المالكي وجنوده لم تكن لديهم عقيدة قتالية يدافعون عنها وعن أنفسهم. بمعنى آخر لم تكن لديهم قضية تثبّت أقدامهم في الأرض، وتصد الغزو العنيف الجديد الذي ابتلع محافظتي نينوى وصلاح الدين في بضعة أيام، ويهدد الآن بالزحف إلى العاصمة بغداد.

المالكي إذن، ومن ورائه الأجندة الإيرانية، أخطأ في حساباته حين اطمأن إلى أن تهميش مكونات الشعب العراقي لصالح المكون الشيعي أصبح أمرا واقعا، وأن على هذه المكونات المهمشة أن تقبل به وتتعايش معه. نسي المالكي أو تغابى عن سنوات التسلط البعثي على العراق ومقدراته التي رغم طولها لم تمنع العراقيين، والشيعة منهم بالذات، من استغلال فرصة الحشد الأميركي ضد صدام حسين في العام 2003 لتسقطه وتنتقم من نظامه شر انتقام.

لقد فعل نوري المالكي في العراق خلال ثماني سنوات ما لم يفعله صدام حسين في الداخل العراقي طوال فترة حكمه، إذ رغم كل أخطاء وخطايا صدام الكبرى والصغرى التي اكتوى بها جميع العراقيين بلا استثناء، إلا أن أحدا لا يمكن أن يقول بأنه طائفي. ولا أحد يمكن أن يجد كلمة طائفية واحدة تدينه، بينما فتح المالكي سوقا هائلة للطائفية وباع واشترى في بضائعها السيئة منذ اليوم الأول لولايته الأولى، واستمر على هذا المنوال إلى الآن.

وقد تجاهل كل نداءات ومواقف العقلاء والوطنيين العراقيين، من سنة وشيعة، خلال هذه السنوات بضرورة أن يكف عن مغازلة وتأليب الشيعة على شركائهم وإخوانهم في الوطن، لأن نتيجة ذلك هي احتراق العراق وتقسيمه إلى شظايا جغرافية تستباح من الدخلاء والمتربصين، الإيرانيين وغيرهم.

لا يمكن أن ننسى تلك الخطبة الطائفية في ديسمبر الماضي، التي لا يتصور أي عاقل أن تصدر من رئيس وزراء يحكم بلدا أساسه التنوع العرقي والديني والمذهبي، حين قال المالكي أمام الناس وأمام الإعلام مستدرّا عاطفة الطيف الشيعي: “إن الذين قتلوا الحسين لم ينتهوا بعد.. هاهم اليوم موجودون.. والحسين بلون آخر لا يزال موجودا.. هو الذي يُستهدف من قبل هؤلاء الطغاة.. إذن أنصار الحسين وأنصار يزيد وعلى طول الخط يصطدمون في مواجهة شرسة عنيدة.. وهذا يعطينا رؤية بأن الجريمة التي ارتكبت بحق الحسين لم تنته بعد.. وإنما لا زالت فصولها التي نعيشها اليوم من الإرهابيين والطائفيين والحاقدين على الإسلام وأهل البيت عليهم السلام، وما يقومون به من أعمال إجرامية”.

معنى هذا الكلام أن الرجل ليس فقط رئيس وزراء التشدد الشيعي، بل وقائدهم إلى ميادين الفرز الطائفي والتقاتل على الهوية المذهبية التي كانت نتيجتها ما حدث مؤخرا، حيث لم يجد قطاعا واسعا من الطيف السني بدّا من استغلال الظروف وإحداث ثورة عارمة ضد المالكي يؤيدها زعماء العشائر وسياسيون بارزون ذاقوا ذرعا بسياسات الإقصاء والظلم والفساد على مدى السنوات الثماني الماضية. فماذا فعل المالكي؟

في الحقيقة هو لا يجيد إلا ما يملك، وبالتالي استدعى سلاح الطائفية مجددا لينقذ ماء وجهه ووجه حكومته التي لا يوجد عراقي واحد الآن لا يعترف بفشلها في إدارة شؤون البلاد وتحقيق الأمن والاستقرار والمعيشة الكريمة لأهله.

وللأسف الشديد أن المرجعية الشيعية العليا، التي كنا ننتظر منها موقفا يعيد المالكي إلى صوابه، ويجنّب العراق الحرب الأهلية المحتملة، وضعت في يده صكا دينيا يستطيع أن يبرر به كل إجراءاته العسكرية، بما فيها تكوين ميليشيات شيعية، ستدخل العراق في مزيد من المآسي وستضعه في سنوات بؤس جديدة غير التي ذاقها من قبل.

كان بإمكان المرجعية الشيعية أن تمنع انفلات المالكي وتدعوا إلى كلمة عراقية في ظل قيادة جديدة تجمع كل أطياف المجتمع العراقي بحق وصدق، ليصبح ممكنا إنقاذه مما يتهدده من مخاطر الحرب الأهلية التي تهب ريحها البشعة في كل أنحاء الوطن العراقي الآن.

وهو الموقف نفسه الذي ننتظره من مراجع وأصوات إسلامية أخرى تحرص على سلامة العراق وحقن دماء أهله وتجنيبه السقوط في حضن إيران التي تصورت، قبل الأحداث المدوية الأخيرة، أنها تمكنت من جارها العربي اللدود وأمسكت برقبة استقراره والتحكـم بمصيـره ومصير جيرانـه.

ولذلك فإن ما أتوقع حدوثه في الأسابيع القليلة القادمة هو تفاقم الوضع الطائفي في العراق بما لا يقاس بما سبق، بما يؤدي إلى ظهور أصوات شيعية وسنية سياسية وغير سياسية تفضح لعبة المالكي الإيرانية وتطالب بإقصائه حقنا لدماء آلاف العراقيين وتجنبا لتقسيم العراق.

وربما تمتد اليد العربية، البعيدة إلى الآن، إلى العراق لتعوض خسارات تركه كل هذه السنوات في أيد أجنبية عبثت بوحدته الوطنية ولحمته الاجتماعية ومقدراته. ووقتها سيكون هناك حديث آخر، فإما التفاهم ووضع الحلول التي تضمن استقراره وسلامة شعبه بكل مكوناته، وإما الصراع الذي سيضر العالم بأسره وليس فقط محيط العراق الإقليمي.


كاتب سعودي

8