انزلاق أوربان نحو تركيا يعزل المجر عن الاتحاد الأوروبي

تقارب الحكومة المجرية مع أردوغان يستفز الأوروبيين ويثير تساؤلات بشأن مدى إمكانية استمراره.
الجمعة 2019/11/08
استسلام المصالح للحضن التركي

تثير سياسات رئيس الوزراء المجري الشعبوي فيكتور أوربان تحفظات دول الاتحاد الأوروبي لاسيما أن توجهات الرجل الخارجية في السنوات الأخيرة تكشف سيره عكس تيار الاتحاد الأوروبي.

يظهر رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان ميالا أكثر للأنظمة التسلطية في الوقت الذي تبدي فيه معظم دول الاتحاد الأوروبي تفتحا لا مشروطا على الأنظمة الديمقراطية داخل التكتل أو خارجه بخلاف الأنظمة التسلطية ما بكشف عن هوة بين سياسات الرجل الشعبوي وسياسات بروسكل.

ويبدو ذلك واضحا جليا من خلال مواقف أوربان حيال بعض القضايا التي وحدت الصف الأوروبي غير أن اتباعه نهجا مخالفا لذلك الذي تتبعه بروكسل خلق شرخا في هذا الصف ولاسيما بعد إظهاره تقاربا مع الروس بزعامة فلاديمير بوتين ومع رأس النظام التركي رجب طيب أردوغان وهو ما يثير حفيظة العديد من الدول الأوروبية.

واستقبل فيكتور أوربان، الخميس، الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بعد أسبوع من زيارة لبودابست قام بها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وهو ما يزيد من الانتقادات حول ميله للأنظمة التسلطية.

وذهب مراقبون إلى اعتبار الخطوة التي أقدم عليها أوربان، باستقباله أردوغان الذي تعرض لانتقادات لاذعة خلال الفترة الأخيرة بعد هجومه العسكري على الشمال السوري، محاولة منه لفك عزلة زعيم حزب العدالة والتنمية ولاسيما بعد أيام من إدانة الكونغرس الأميركي للأتراك على خلفية ”إبادة الأرمن”.

مغازلة أردوغان للشعبوي فيكتور أوربان المعادي للهجرة تؤكد العلاقة الوطيدة التي باتت تربط أنقرة ببودابست

وكانت آخر زيارة رسمية أجراها أردوغان للمجر قبل سنة، وهذا آخر لقاء ثنائي له في بلد من الاتحاد الأوروبي بينما يبدي معظم القادة الأوروبيين تحفظا حيال سلوكه المخالف للديمقراطية.

وتتزايد المخاوف الأوروبية من هذا التقارب مع تصاعد حدة تهديدات الرئيس التركي بفتح أبواب بلاده أمام المهاجرين ليعبروا إلى أوروبا وهو ما يمثل تهديدا صريحا لأمن الدول الأعضاء.

لكن هذا التهديد يعيد إلى الأذهان موقف بودابست من الغزو التركي للشمال السوري إذ حاول أوربان آنذاك ”شرعنة” الهجوم رغم تجند بقية دول التكتل لإدانته.

واعتبرت بودابست في أكتوبر أن الهجوم العسكري يصب في مصلحة أوروبا تفاديا لزيادة عدد اللاجئين الذين يحاولون مغادرة تركيا.

وبالرغم من تأييد المجر بزعامة اليمينيين الشعبويين لسياسات أنقرة إلا أن ذلك لم يمنع الموقف الشعبي من إبداء التضامن مع الأكراد الذين حاربوا تنظيم الدولة الإرهابي في سوريا جنبا إلى جنب مع القوات الأميركية، غير أن إعلان واشنطن في أكتوبر عن سحب جنودها من سوريا تركهم لقمة سائغة لأنقرة لولا تدخل الروس الذين استفادوا كثيرا من الهجوم التركي.

وتجمع آلاف المتظاهرين في بودابست تنديدا بالغزو التركي وللتعبير عن التضامن مع ”الشعب الكردي” ورفضهم استقبال ”قادة مستبدين”.

تقارب فكري
تقارب فكري

وبالرغم من أن هجوم أنقرة على سوريا توقف بعد اتفاق مع موسكو إلا أن العلاقات الأوروبية التركية لم تتحسن، واتهمت تركيا من قبل العديد من الدول الأعضاء بإضعاف محاربة فلول تنظيم الدولة الإسلامية من خلال استهداف وحدات حماية الشعب الكردية التي كانت على الخط الأول في مواجهة التنظيم الإرهابي.

واليوم هناك خشية من أن يتسبب التقارب التركي المجري من ناحية والمجري الروسي من ناحية أخرى في أن يعزز الجفاء الأوروبي لبودابست مع عدم عدولها عن سياسات لا تتناغم مع سياسات الأوروبيين.

وخلال اجتماع بكازاخستان في أكتوبر الماضي شكر أردوغان شخصيا المسؤول المجري على “دعمه”.

ويمكن تفسير هذا التقارب بين المجر، العضو في الاتحاد الأوروبي وفي حلف شمال الأطلسي، وروسيا وتركيا معا لاعتبارات عدة في مقدمتها محاولة الحكومة المجرية التغريد خارج سرب الأوروبيين وأخذ حصتها من الشرق الأوسط بالاعتماد على هاتين الدولتين اللتين تعتبران اللاعبين الأساسيين في سوريا لذلك لم تعارض بودابست هجوم أنقرة على الشمال السوري لتطرح ربما في الفترة القادمة مقاربات لها للمشكلات السياسية في المنطقة.

وتؤيد هذه القراءات إبداء بودابست خلال السنوات الأخيرة ليونة مع تدخلات الروس والأتراك معا في الشأن السوري وهو ما يناقض الموقف الأوروبي وحلف شمال الأطلسي.

ويهدد العزف على أوتار معادية لأوروبا المجر بأن تبقى في عزلة لكن قد تستفيد من تحالف مع أنقرة وموسكو يمكنها من تثبيت موطئ قدم لها في الشرق الأوسط برعاية الروس والأتراك.

وكان البرلمان الأوروبي قد أطلق إجراءات ضد الحكومة المجرية بسبب المخاطر على دولة القانون في هذا البلد.

لم يكن خافيا منذ بداية صعود اليمين المتطرف في أوروبا منذ سنوات خشية الأوروبيين من أن يشق أوربان طريقهم مع المجر وهو ما حدث بالفعل إذ يعد أوربان الذي وصل إلى السلطة في 2010 أحد المسؤولين الأوروبيين النادرين الذين حضروا حفل تنصيب أردوغان لولاية رئاسية ثانية في 2018.

وتؤكد مغازلة أردوغان للرجل المجري المعادي للهجرة العلاقة الوطيدة التي باتت تربط أنقرة ببودابست لاسيما وأن الأولى باتت تبحث عن ثأر من بروكسل، التي تؤجل ملف انضمام أنقرة إلى الاتحاد الأوروبي. ومن الواضح أن مصالح أردوغان وسياسات أوربان الشعبوية تقابلتا في منتصف الطريق حيث من المنتظر أن يقوم الجيش المجري بشراء آليات مصفحة تركية خلال الأيام القادمة حسبما ذكرته وسائل إعلام مجرية.

ليس ذلك فحسب بل ذهبت بودابست إلى أبعد من ذلك في مغازلة أنقرة حيث أعلنت المجموعة النفطية المجرية الرئيسية المملوكة جزئيا من الدولة هذا الأسبوع مشاركتها في خط أنبوب باكو- تبيليسي- جيهان الذي ينقل النفط الخام إلى المتوسط عبر تركيا.

ويثير هذا التقارب تساؤلات بشأن مدى إمكانية استمراره خصوصا أن هناك جرحا غائرا يتمثل في احتلال العثمانيين للمجر من 1541 إلى 1699.

5