انسحابات جديدة من اتحاد كتاب المغرب وما خفي كان أعظم

الاثنين 2015/03/16
صلاح بو سريف: الانسحاب جاء استشعارا لروح المسؤولية التي أناطها بنا عدد كبير من الكتاب

فرقت جائزة المغرب للشعر بين الكتاب والشعراء المغاربة، وقسمتهم شعوبا وقبائل تعرف بعضها جيدا، وبينما ذهب المسرحي الإيرلندي برنارد شو إلى أن العالم قد يغفر لألفريد نوبل اختراع الديناميت ولكنه لن يغفر له اختراع جائزة نوبل، فمن يغفر لذلك الذي اقترح منح “جائزة المغرب للشعر”، بعدما كانت تحمل في السابق اسم جائزة المغرب للآداب، فتمنح حينا للشعراء، وحينا للروائيين، أو كتاب القصة والمسرح؟ ولأن واحدة من المرشحات للجائزة، هذه السنة، هي عضو المكتب التنفيذي لاتحاد كتاب المغرب، فقد أصابت لعنة الجائزة اتحاد الكتاب المغاربة، إلى درجة الانشقاق والشقاق، كما طاردت اللعنة الشعراء الذين تقدّموا للجائزة، ولم يسلم منها أعضاء لجنة التحكيم.

لا تزال تداعيات حجب جائزة الشعر لهذه السنة متواصلة في المغرب، مع استمرار تبادل الاتهامات بين أعضاء اللجنة، وبعد انسحاب 15 عضوا من أعضاء اتحاد كتاب المغرب أيضا. واليوم، اتسعت دائرة المنسحبين من اتحاد كتاب المغرب، بإضافة قائمة جديدة يوم الجمعة 13 مارس الجاري، وهي تضم 24 منسحبا ومنسحبة، لتبلغ الانسحابات من اتحاد كتاب المغرب مشارف الأربعين.


طبقات الشعراء


وبينما شهدت مدينة الدار البيضاء، بمناسبة افتتاح معرض الكتاب الأخير، الإعلان عن القائمة القصيرة لجائزة البوكر العربية، والتي احتفظت برواية “ممرّ الصفصاف” للروائي المغربي أحمد المديني، وبينما تسلم محمد برادة جائزة المغرب للسرديات عن روايته “بعيدا من الضوضاء قريبا من السكات”، فقد قررت لجنة الشعر حجب جائزة المغرب للشعر لهذه السنة. وكان الشاعر محمد بنطلحة قد طلب سحب ديوانه “أخسر السماء وأربح الأرض”، ثلاثة أيام قبل الإعلان عن الجائزة، فخسر الجائزة وربح الأرض، كما قال. بينما تفيد التصريحات والمعطيات والقرائن التي نوردها ههنا أن سبب سحب الشاعر لديوانه، بطلب من ناشر الديوان، هو تسريب مداولات اللجنة، ومحاولات جرت للضغط عليها، ودخول جهات على الخط، تريد الجائزة لشاعرة أخرى، والقصد من ذلك الشاعرة وداد بن موسى وديوانها “ألهو بهذا العمر”، والتي لم يكتب لها أن تلهو بهذه الجائزة، أيضا. وكانت لجنة الشعر قد احتفظت، في مداولاتها الأخيرة والقصيرة بثلاثة دواوين، أي ديوان بنطلحة وديوان وداد وديوان مصطفى الشليح بعنوان “وصايا لا تلزم أحدا”، والذي لم يلزم اللجنة هو الآخر في شيء، فقررت سحب الجائزة.

جائزة المغرب للشعر تفرق بين الشعراء والكتاب المغاربة، والضغط بالانسحاب هدفه إيجاد أفق جديد للأدب المغربي

أولى الأخبار والأسرار التي حصلت عليها “العرب” من داخل اللجنة تقول إن قرار السحب اتخذ مباشرة بعدما طلب ناشر بنطلحة سحب ترشيحه للجائزة، فكان أن اتصل عضو اللجنة الشاعر مبارك وساط بعضو اللجنة الآخر الناقد حسن مخافي، يسأله عما إذا كان له علم بأسباب سحب ترشيح بنطلحة، فأجابه مخافي “أنت يا وساط تتحمل مسؤولية في هذا السحب، فبنطلحة يرفض أن يهان”. معنى ذلك، تقول مصادرنا، أن بنطلحة قد علم بما دار من حديث داخل اللجنة عن ديوانه، حين علق وساط، دون أن يخفي افتتانه بالجملة الشعرية عند بنطلحة، على الصنعة التي يكتب بها قصيدته، بإتقان ومهارة، ولكن على حساب روح الشاعر. هاتف وساط، وشهادة عضوين آخرين من اللجنة وهما أحمد عصيد وياسين عدنان، كلها قرائن تتهم حسن مخافي اتهاما صريحا بأنه هو من سرب مداولات اللجنة إلى بنطلحة، وهو الشاعر المرهف بالغ الحساسية، المستعدّ لأن يخسر السماء، نفسها، كما يقول، ليربح الأرض.

وفي بيان إدانة آخر، يكشف عدنان أن مخافي قال له في الطريق إلى اجتماع من اجتماعات لجنة الشعر “أعتقد أننا أسعد لجان هذه السنة حظا، فمهمتنا في غاية اليسر”، ويقصد أن الرجل يريد أن يستميل أعضاء اللجنة واحدا واحدا من أجل حسم الجائزة لفائدة بنطلحة. في رد على ياسين عدنان، توصلت إليه “العرب”، أنه لم يسرب من جانبه أيّة معطيات للشاعر بنطلحة. وحتى لو حدث هذا التسريب، ودفع الناشر إلى سحب ديوان بنطلحة، “ما الذي كان يمنع اللجنة من أن تتوّج عملا آخر، خاصة وأن عمل بنطلحة لم يكن يحظى بإجماع الأعضاء؟”، يتساءل مخافي. لكن حسن مخافي لا يتردد، في التصريح بأنه دافع عن بنطلحة في اجتماعات اللجنة. ردا على ذلك، يعود ياسين عدنان ليؤكد لـ”العرب” أن مخافي سرب مداولات اللجنة لبنطلحة، قبل أن يواصل تسريبها اليوم، وأنه قد “خان الأمانة”، على حدّ قوله، وذلك بإجماع أعضاء اللجنة، يضيف ياسين. لكن سؤال مخافي عن السر وراء حجب الجائزة، بعد سحب ديوان مخافي، يكشف أن ثمة أسرارا أخرى ستبديها لنا الأيام، كما يلمح حسن مخافي، وما خفي كان أعظم.


طبقات الكتاب


بعد حجب جائزة الشعر، كانت أول مؤسسة ثقافية تدخل على الخط هي مؤسسة اتحاد كتاب المغرب، حيث أصدر الاتحاد بيانا طالب فيه بما أسماه “إنقاذ جائزة الشعر والانتصار للشعرية المغربية”، مسجلا “باستياء شديد، ما أحاط هذا الحجب من تلبيس ومغالطات”. وطالب الاتحاد وزارة الثقافة برد الاعتبار لجائزة الشعر، التي تم حجبها هذه السنة.

بيان الاتحاد حول جائزة الشعر كان النقطة التي أفاضت الكأس، وعجلت بانسحاب 15 عضوا من أعضائه

ولأن المرشحة لهذه الجائزة، خاصة في القائمة القصيرة “الثلاثية” لم تكن سوى وداد بنموسى، أمينة مال اتحاد كتاب المغرب، فقد كان بيان الاتحاد النقطة التي أفاضت الكأس، وعجلت بانسحاب 15 عضوا من أعضاء الاتحاد، من بينهم الكاتب العام للاتحاد عبدالدين حمروش، الذي استقال منذ أشهر. كما وقع بيان الانسحاب الكاتب العام الأسبق عبدالفتاح الحجمري، والشاعر صلاح بوسريف، والناقدان الأكاديميان شعيب حليفي وشرف الدين ماجدولين. ثم انضافت إلى القائمة الأولى قائمة ثانية تضم 24 منسحبا جديدا، في مقدمتهم الكاتب والناقد المغربي مصطفى المسناوي، بالإضافة إلى شعراء ونقاد وناشرين مغاربة. الشاعر صلاح بوسريف أكد لـ”العرب” أن هذا الانسحاب الجديد يأتي “استنادا إلى الترحيب الكبير الذي لقيه بلاغنا بصدد الانسحاب من اتحاد كتاب المغرب، والصدى الواسع الذي خلفه في المشهد الثقافي والإعلامي المغربي والعربي، واستشعارا لروح المسؤولية التي أناطها بنا عدد كبير من الكتاب الداعمين لمبادرتنا، والملتحقين بلائحة المنسحبين”.

وكان بلاغ صدر عن لائحة المنسحبين الخمسة عشر قد أكد أن اتحاد كتاب المغرب أصبح مرتهنا “بين يدي قلة لا تمثل، في السياق الراهن، رأي أغلبية الكتاب المغاربة، نتج عنه تحويل لدور المنظمة الطبيعي، وعبث برصيدها التاريخي، لأجل تحقيق مكاسب شخصية ضيقة، مع مراكمة الأخطاء التسييرية والطيش، غير المسبوق، في إبداء المواقف الفاقدة للعمق وللصدى والشرعية القاعدية”، ليقرروا الانسحاب، إلى أن تتوفر شروط إحداث التغيير المطلوب، على حدّ تعبيرهم، وذلك في اتجاه “خلق أفق ثقافي وفكري أرحب”. بينما يرد رئيس اتحاد كتاب المغرب على المنسحبين بالقول إن هؤلاء إنما جددوا انسحابهم، “هم الذين يبدو أن بعضهم قد انسحبوا من الاتحاد منذ زمان، ولم تعد تربطهم به أية صلة، لا حضور مؤتمراته ولا المشاركة في أنشطته، ولا غيرها”، مشيرا إلى أن القانون الأساسي للاتحاد ينص على الاستقالة وليس الانسحاب.

أما عبدالدين حمروش، وهو الكاتب العام المستقيل من الاتحاد، فيذهب إلى أن “اتحاد الكتاب الذي كان يناهض الاستبداد، صار يعيشه من خلال سلوكات الرئيس، التي أضحت تنمّ عن الاستئثار بالقرار الثقافي والإداري والمالي للمنظمة بكاملها”، معتبرا أن الانسحاب اليوم كان ضروريا، “في خطوة أولى”، وذلك إلى حين “الاجتماع بغالبية المثقـــفين والكتــاب، وتقرير ما يتوجب فعله”.

في المقابل، يستغرب شعيب حليفي ما جاء في رد عبدالرحيم العلام، وهو يرى في اتصال مع “العرب” أن حركة المنسحبين لم تأت من فراغ، وأن الانسحاب إنما هو “أسلوب ديمقراطي يعبّر عن أفقنا الثقافي الحداثي في معالجة قضايانا. ونحن دائما نحتكم إلى الديمقراطية حينما لا نجد سبيلا آخر”. هذا في انتظار ردّ آخر، وفي انتظار أفق آخر للشعر والشعراء، والكتاب واتحاد الكتاب في المغرب، بعدما تفرقت بهم السبل، وفرقت بينهم الأهواء والأفكار والجوائز والمواقف والتقديرات، وما خفي كان أعظم.

14