انسحاب الأميركيين وطموح القاعدة بين صراع الرياض وطهران

الثلاثاء 2014/01/07
مجموعات القاعدة تخطط لقيام دولتها الاسلامية في ظل الصراعات الاقليمية

لندن - في ظل الفراغ الذي تشهده المنطقة على وقع الانسحاب الاستراتيجي الأميركي منها، تظهر إيران والسعودية كقوتين فاعلتين في تحريك اللاعبين الرئيسيين في المنطقة، وكحاميتين لقطبي الدين الإسلامي من شيعة وسنة.

مرت المنطقة، خلال الأسبوعين الماضيين، بتحركات وصفها البعض بـ”العاصفة الدموية” التي اجتاحت عدة دول على رأسها العراق ولبنان وسوريا، وخلفت وراءها مساحة كبيرة من الفراغ، الذي تحاول الجماعات المتشددة التعاطي معه.

لكن مبالغة الحكومتين، العراقية والسورية، في التعامل مع محاولة التيارات المتشددة (التي ترتبط في معظمها بتنظيم القاعدة) ملأ هذا الفراغ الشاغر، تسببت بدورها في تعميق الفوضى التي سيطرت على الدولتين الجارتين، وفي ظهور مؤسساتهما بشكل أكثر راديكالية من تلك الجماعات. وفي خلفية المشهد، تظهر إيران والسعودية كقوتين فاعلتين في تحريك اللاعبين الرئيسيين في المنطقة.


انسحاب أميركي وفراغ طائفي


هذه التركيبة بشكلها الحالي ساهمت في إيجاد حالة استقطاب -سياسي وطائفي- باتت معها أية محاولة للجلوس على طاولة الحوار هرطقة سياسية لا مكان لها في الواقع.

لكن المشهد الحالي لم يعد بآثاره السلبية على دول المنطقة فقط، بقدر ما ساهم في وضع الولايات المتحدة في مأزق أيضا. فقد بدا لصناع القرار داخل الإدارة الأميركية أن جماعات الإسلام السياسي الراديكالية تسعى إلى تقديم نفسها كبديل عن القوات الأميركية في العراق، وتستعد للعب الدور نفسه بعد انسحاب القوات الأميركية من أفغانستان، هذا العام. في الوقت نفسه هناك تيار داخل البيت الأبيض مازال متمسّكا بالدفاع عن السياسات الأميركية في المنطقة، ويستند في ذلك إلى الجهود التي تقوم بها الإدارة في محاولة الوصول إلى حل للملف النووي الإيراني، وإلى اتفاق نهائي ينتهي معه النزاع بين الفلسطينيين والإسرائيليين.

دفاعا عن مواقف الإدارة الأميركية، يقول بنيامين رودز، مساعد مستشارة الأمن القومي الأميركي، في تصريح نشرته صحيفة نيويورك تايمز الأميركية “ليس من مصلحة الولايات المتحدة أن ترسل قوات في وسط أي نزاع تشهده منطقة الشرق الأوسط، أو تتورط في حروب لا نهاية لها هناك”.

لكن، هذا الغياب الأميركي أدى مؤخرا إلى نجاح جماعات مرتبطة بتنظيم القاعدة في السيطرة على أجزاء واسعة في أكبر مدينتين بمحافظة الأنبار العراقية، للمرة الأولى منذ الانسحاب الأميركي عام 2011، بينما تعاني الحكومة، التي يتهمها السكان المحليون بأنها مجرد ذراع شيعية للنظام الإيراني، في محاولتها استعادة السيطرة عليها مجددا.

ولم تقتصر حالة الفوضى على العراق وحسب، إنما امتد الأمر إلى لبنان الذي شهد كذلك انفجارين كبيرين، استهدف أحدهما أحد كبار المعارضين لحزب الله والسياسة الإيرانية، بينما تصاعدت حدة العنف بالتزامن مع ذلك داخل سوريا، وسقط ضحيته المئات من المدنيين نتيجة القصف العشوائي الذي تتعرض له المدن من قبل قوات النظام.


أدوار محورية


في المقابل، تسعى القوى العربية الإقليمية إلى ملء الفراغ الذي تركه الأميركيون وحلفاؤهم الغربيون من خلفهم، عبر تبني امتدادات سياسية وبراغماتية أحيانا، وطائفية أحيانا أخرى.

في وسط هذا الصراع، سارعت السعودية بتقديم 3 مليارات دولار للجيش اللبناني في محاولة منهــا لتأكيد نفوذها في لبنان، بعد مقتل محمد شطح، السياســــي المعارض لإيران، التي تحاول إظهــــار نفسها كـ “قوة مسيطرة” داخل لبنان عبر حزب الله.

أما في سوريا، فقد لعبت قوى إقليمية وعربية من جهة، والإيرانيون من جهة أخرى، دورا في تجهيز وإرسال المقاتلين إلى الجانبين، وتم نقل أعداد كبيرة من المقاتلين السنة من ليبيا وتونس والسعودية إلى سوريا للقتال بجانب كتائب المعارضة بجناحيها العلماني والإسلامي، بينما تقوم إيران بشكل شبه يومي بنقل مقاتلين شيعة من اليمن ولبنان وحتى أفريقيا.

في الوقت الذي تسلط فيه الأضواء على سوريا خلال الثلاثة أعوام الماضية، يشهد العراق تفككا بطيئا استنادا أيضا على ديناميكية طائفية فاعلة، في ظل الحرب التي يشنها رئيس الوزراء العراقي، نوري المالكي، على شخصيات سياسية سنية.

السياسيات الطائفية للحكومة العراقية ساهمت في تشجيع القاعدة لاستثمار الفرصة وتقديم نفسها كحامية الأقلية السنية، في ظل غياب قوات أميركية على الأرض.

وقد ظهر استثمار الفرصة في تبني تنظيم “الدولة الإسلامية في العراق والشام” أو “داعش” لمخطط طمس الحدود والفواصل السياسية بين سوريا والعراق، من خلال إرساله بين 30 و40 انتحاريا من سوريا إلى العراق شهريا وسعيه لتصعيد حالة العنف الطائفي، التي راح ضحيتها 8 آلاف عراقي خلال العام الماضي، في أعنف موجة عنف يشهدها العراق منذ عام 2008.

لكن محاولات “داعش”، خلال الأيام القليلة الماضية، للسيطرة على مدينتي “الفلوجة” و”الرمادي” جوبهت بحرب شوارع من قبل مقاتلي القبائل السنية المسلحة التي تنظر إلى الحكومة العراقية باعتبارها أقل العدوين خطرا على مصالحها، ما يعطي انطباعا بأن خطوط المعركة في المنطقة بدأت في الابتعاد كثيرا عن “الطائفية”، وشرعت في التبلور في صورة “حروب عشائرية”.

ولم تكن واشنطن بعيدة عن إطلاق شرارة هذه الحرب. فموافقة الإدارة الأميركية على صفقة الأسلحة التي منحتها مؤخرا لبغداد ضمن حرب الأخيرة المعلنة على “الإرهاب”، بدت وكأنها دعما مباشرا لخطة المالكي في تعميق الخلافات الطائفية، التي تبنى تطبيقها على مدار العام ونصف العام الماضيين.

من الممكن مشاهدة انعكاسات ما يحدث في العراق وفي سوريا أيضا على لبنان، الذي شهد سلسة تفجيرات، أهمها تفجيران استهدفا السفارة اللبنانية في بيروت، وآخرها تفجير ضخم ضرب الضاحية الجنوبية، معقل حزب الله.

غياب السيادة عن تلك الدول وانعكاسات ذلك على التصعيد الذي تشهده المنطقة يظل السؤال المحوري، الذي سيجيب عنه السعوديون والإيرانيون من خلال الجلوس على طاولة المفاوضات.

7