انسحاب الحشد الشعبي من تلعفر إعادة انتشار أم خفض تصعيد مع واشنطن

خطوة تساهم في تخفيف الضغط المسلط على الحكومة العراقية التي يرأسها عادل عبدالمهدي.
الجمعة 2019/05/10
لنرحل قبل فوات الأوان

ميليشيات الحشد الشعبي التي ارتبطت مشاركتها في الحرب على تنظيم داعش ومختلف تحرّكاتها على الأراضي العراقية بأهداف سياسية يتجاوز بعضها نطاق البلد بحد ذاته إلى حسابات إيران المجاورة وصراعها على النفوذ، تنفّذ انسحابا مفاجئا من منطقة بغرب العراق تقع في قلب الصراع الإيراني على فتح طريق سالكة باتجاه الأراضي السورية ما يثير أسئلة حول توقيت الانسحاب وخلفياته، بالتزامن مع اشتداد الضغوط الأميركية على بغداد بهدف دفعها لفكّ ارتباطها بطهران.

الموصل (العراق) - تسلّم الجيش العراقي بشكل كامل مهمّة السيطرة على مناطق بقضاء تلعفر بشمال غرب العراق، بعد انسحاب فصائل الحشد الشعبي منها في خطوة أثارت التساؤلات بشأن خلفياتها نظرا للأهمية البالغة للقضاء الواقع ضمن محافظة نينوى ويعتبر عقدة مواصلات أساسية بين الأراضي العراقية والسورية حيث يقع في منتصف الطريق الواصل بين الموصل التي يبعد عنها بحوالي سبعين كيلومترا غربا وبين سوريا التي تفصله عنها حوالي ستين كيلومترا فقط.

ومأتى التساؤلات أنّ تلعفر جزء أساسي من الطريق البري الذي عملت إيران طيلة سنوات الحرب على تنظيم داعش على فتحه عبر الأراضي العراقية باتجاه سوريا ومن ثم صوب لبنان وضفاف البحر المتوسّط، الأمر الذي يفسّر تشبّث فصائل الحشد الموالية لإيران بالمشاركة في المعركة الفاصلة ضدّ التنظيم التي دارت في تلعفر في أغسطس 2017. وقد خاض قادة تلك الفصائل معركة سياسية حامية ضدّ حكومة رئيس الوزراء السابق حيدر العبادي لأجل انتزاع دور لفصائلهم في آخر مواجهة عسكرية كبيرة ضدّ داعش بعد استعادة الموصل من سيطرته قبل حوالي شهر من ذلك.

وبينما هوّنت مصادر عراقية من خطوة انسحاب الحشد من تلعفر، مؤكّدة ارتباطها بـ”اتفاق سابق بين الحشد والجيش على تنفيذ عملية إعادة انتشار روتينية لأسباب تقنية وأمنية محضة”، ذهب محلّلون سياسيون إلى ربط الانسحاب بالضغوط الشديدة المسلّطة راهنا على بغداد من قبل الولايات المتّحدة لتقليل ارتباطها بطهران، وهي ضغوط شملت توجيه إنذارات لها من مغبّة أن تشارك الفصائل الشيعية العراقية في أي عمل ضد المصالح والقوات الأميركية في العراق.

وبحسب هؤلاء فإنّ انسحاب الحشد من تلعفر في هذا الوقت بالذات يساهم في تخفيف الضغط على الحكومة العراقية كما يتضمّن رسالة تهدئة من قادة الحشد لواشنطن بعدم الرغبة في التصعيد معها، خصوصا بعد مبادرتها بتصنيف الحرس الثوري الإيراني تنظيما إرهابيا وتوجيهها إنذارا للميليشيات العراقية المرتبطة به.

واعتبر مراقبون أنّ من شأن ذلك الحدث الذي وقع متزامنا مع المطلب الأميركي بالسيطرة على تحركات الميليشيات في هذه المرحلة الحرجة أن يخدم الحكومة العراقية. فمن خلاله ستبدو الحكومة كما لو أنها قادرة على فرض إرادتها انسجاما مع الموقف الأميركي الذي أبدى حذرا من إمكانية أن ترتكب تلك الميليشيات خطأ قد يجر العراق إلى موقع الانحياز إلى إيران.

وبحسب أحد المحلّلين السياسيين فإنّ “من الواضح أن الحكومة العراقية تحتاج إلى نوع من ذلك الدعم في مواجهة ضغوط الأحزاب الموالية لإيران والتي تنادي بضرورة أن تتخذ الحكومة موقفا مناصرا لإيران. وقد فشلت تلك الأحزاب في وقت سابق في استصدار قرار من مجلس النواب يدعو إلى إخراج القوات الأجنبية، والأميركية تحديدا، من الأراضي العراقية. وهو ما اعتبرته الحكومة نصرا لها في هذه المرحلة التي لا تستطيع فيها استثارة واشنطن ومواجهتها بأي شكل من الأشكال”.

يطرح الانتشار الواسع لميليشيات الحشد الشعبي تحدي حمايتها من ضربات الطيران الأميركي فيما لو قررت واشنطن ضربها

وعلى صعيد ميداني يطرح الانتشار الواسع للميليشيات التابعة للحشد في أماكن مكشوفة على غرار تلك الواقعة غربي العراق تحدي حمايتها من ضربات الطيران الأميركي بمختلف أنواعه، المسيّر والنفاث والعمودي، فيما لو قررت واشنطن تنفيذ مثل تلك الضربات.

ولا يُعرف على وجه الدقّة إن كانت الولايات المتحدة تحتفظ بقوات عسكرية لها في تلعفر وحجم تلك القوات إن وجدت، لكنّ مصادر عراقية كانت قد تحدّثت في أوج الاستعداد لمعركة استعادة القضاء من داعش صيف سنة 2017، وأيضا في أوج التنافس على المشاركة في المعركة، عن قيام الولايات المتحدة بإنشاء قاعدة لقواتها الخاصّة في منطقة زمار التابعة للقضاء.

ولا تزال الولايات المتحدة تحتفظ بقوات لها في الجانب المقابل من الحدود داخل الأراضي السورية رغم إعلان الرئيس دونالد ترامب عن نيّته سحبها بعد حسم المعركة ضدّ تنظيم داعش هناك. وفي وقت سابق تحدّثت المصادر عن رغبة أميركية في نقل تلك القوات إلى داخل العراق حيث توجد لها قواعد معروفة أشهرها قاعدة عين الأسد بمنطقة البغدادي في محافظة الإنبار، وقاعدة القيارة بمحافظة نينوى، بينما لا ينقطع الحديث عن وجود قواعد أخرى أقلّ حجما لكن غير معلن عنها بشكل رسمي، وتوجد خصوصا داخل إقليم كردستان العراق الذي يعتبر قضاء تلعفر بدوره معبرا هامّا باتجاهه.

وقال مصدر عسكري عراقي، الخميس، إن فصائل في الحشد الشعبي انسحبت بأمر من القيادة العسكرية الاتحادية من مناطق انتشارها جنوب وشرق وغرب قضاء تلعفر غرب الموصل مركز محافظة نينوى بشمال البلاد.

ويتولّى القيادة العليا للقوات المسلّحة العراقية رئيس الوزراء عادل عبدالمهدي الذي استقبل قبل أيام وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو خلال زيارته المفاجئة للعراق، والتي ربطتها مختلف المصادر بالضغوط الكثيفة التي تمارسها واشنطن على بغداد لإجبارها على الالتزام بالعقوبات الأميركية المفروضة على إيران وعدم مساعدتها بأي شكل على الالتفاف عليها.

3