انسحاب واشنطن من أفغانستان ضوء أخضر للإرهابيين في كل مكان

مقاتلو حركة طالبان يدركون أن كل ما يحتاجونه هو انتظار الوقت المناسب لتحويل أفغانستان إلى مركز يقع تحت سيطرتهم.
الثلاثاء 2021/08/03
انسحاب يعمق أزمات أفغانستان

واشنطن- احتدمت المعارك بين القوات الأفغانية ومقاتلي حركة طالبان في أنحاء أفغانستان منذ مطلع مايو عندما أطلقت طالبان عملية في أجزاء واسعة من البلاد تزامنا مع بدء الجيش الأميركي آخر مراحل انسحابه مسدلا الستار على حرب استمرت 20 عاما.

ومنذ نهاية الأسبوع تقاوم القوات الأفغانية لمنع سقوط أول مدينة رئيسية في أيدي طالبان، فيما هاجم المتمردون عواصم ثلاث ولايات على الأقل هي لشكر قاه وقندهار وهرات، ونزح على إثر ذلك الآلاف من المدنيين في ظل تقدّم المسلحين.

وأثارت تحركات المتمردين انتقادات شديدة لقرار الرئيس الأميركي جو بايدن الانسحاب من أفغانستان من جانب الكثير من السياسيين والباحثين، حيث يتهمه البعض بالتسرع والتسبب في خيبة أمل للأفغان وشعورهم بالتعرض للخذلان، فيما حمّل الرئيس الأفغاني أشرف غني واشنطن مسؤولية ما يحدث في بلاده.

ويقول يورغن أورستروم مولر الزميل في معهد إسياس – يوسف إسحاق للأبحاث الأمنية والسياسية بسنغافورة إنه من خلال خروج القوات الأميركية من أفغانستان أدرك الإرهابيون أينما كانوا أن كل ما يحتاجونه هو انتظار الوقت المناسب حتى تفقد الولايات المتحدة عزمها وإصرارها.

وأكد مولر في تقرير نشرته مجلة “ناشونال إنتريست” الأميركية أن تخطيط الإرهابيين يرتكز على تعاليم الاستراتيجي الصيني الراحل صن تزو، الذي ذاع صيته في حوالي عام 500 قبل الميلاد بسبب عبقريته العسكرية، القائمة على تجنب المواجهة حتى يكون هناك توازن ملائم.

غراف

ويضيف مولر وزير الدولة الأسبق بوزارة الخارجية الملكية الدنماركية أن الحلفاء والخصوم والأعداء المحتملين يراقبون السياسات ويفسرونها ويفحصونها ويضعون تصورا للمواقف لتشكيل صورة لاستراتيجية الولايات المتحدة وتخطيطها، ويحاولون معرفة ما يعنيه الانسحاب بالنسبة إلى الأمور الأخرى التي تهمهم.

ويرى مولر أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين رجل لا يضيع الوقت، فقد قال في يوليو الماضي “صرت مقتنعا أكثر وأكثر بأن كييف ببساطة لا تحتاج إلى دونباس”. وتساءل مولر “كيف سترد روسيا على أي تصرف من جانب الولايات المتحدة في حال اندلعت الاضطرابات في منطقة دونباس من جديد؟ ما هي الدروس التي ستستخلصها الصين في ما يتعلق بتايوان وبحر الصين الجنوبي؟ وهل سيساعد انسحاب القوات في عودة إيران إلى طاولة المفاوضات المتعلقة ببرنامجها النووي؟”.

ويقول مولر إنه في عام 1965 أرسلت الولايات المتحدة قواتها إلى فيتنام والتي بلغ قوامها في النهاية 500 ألف جندي لمحاربة “الجبهة الوطنية لتحرير جنوب فيتنام” (المعروفة بالفيت كونغ) والجيش الشعبي لفيتنام (فيتنام الشمالية).

وبعد مرور عشرة أعوام غادر آخر جندي البلاد على متن مروحية من على سطح مبنى السفارة الأميركية في سايغون. وتوقفت الإمدادات العسكرية لجيش جمهورية فيتنام (جنوب فيتنام) الذي تم تدريبه وتجهيزه لخوض حرب ذات نمط أميركي وأصبح عاجزا.

وأضاف مولر أنه تم ترك الملايين من الفيتناميين الجنوبيين الذين كانوا يتوقعون أن يتم الوفاء بالوعود لمواجهة الفيتناميين الشماليين. وأدى ذلك إلى إعادة توطين نحو 1.6 مليون فيتنامي جنوبي إما كلاجئين أو بموجب “برنامج المغادرة المنظم” الذي كان يسمح بهجرة الفيتناميين إلى الولايات المتحدة ودول أخرى. وقد تم إرسال ما لا يقل عن 300 ألف منهم إلى معسكرات التأهيل.

وحسب مولر هناك احتمالات بأن يحدث شيء مشابه لعدد كبير من الأفغان الذين كانوا يعتقدون أنه من الممكن أن يثقوا بالولايات المتحدة. وسوف يتركون تحت رحمة طالبان مما سيؤدي حتما إلى مأساة إنسانية.

أفغانستان من غير المحتمل أن تترك كمركز للإرهابيين، حيث ستمنع الصين وروسيا والهند وباكستان وإيران ذلك

والإثنين أعلنت واشنطن أنها ستستقبل الآلاف من اللاجئين الأفغان الإضافيين خوفا على سلامة الأشخاص المرتبطين بالولايات المتحدة، وأكدت أنها ستوسع قائمة الأفغان الذين يستحقون أن يتم استقبالهم كلاجئين ليتجاوز عددهم 20 ألفا تقريبا تقدّموا بطلبات حتى الآن (تم إجلاء بعضهم) بموجب برنامج مخصص للمترجمين الذين ساعدوا القوات الأميركية.

ويقول مولر إن 26 دولة قامت بإرسال قوات إلى أفغانستان بإيعاز من الولايات المتحدة. وكل هذه الدول ستشعر بأنها قد تعرضت للخذلان وأنه تم غمرها ضمنيا في السياسات المحلية للولايات المتحدة دون أن توافق على ذلك.

وفي الوقت نفسه قُتل أو أصيب أكثر من 23 ألف جندي أميركي. ومن المعروف أن هناك عددا من الجنود الذين يعانون من الاكتئاب أو من مشاكل مماثلة بعد حرمانهم وعائلاتهم من التمتع بحياة طبيعية.

أما الأفغان فقد تحملوا العبء الأكبر، حيث قُتل منهم 60 ألف جندي و120 ألف مدني. ويقول مولر “لقد قاتلوا لأنهم كانوا يريدون نظاما مجتمعيا آخر من المحتمل أن يكون معدوما حاليا، وبدون أمل في مستقبلهم. أما السؤال المحرج والمؤلم الذي يجب الإجابة عليه فهو هل كان الأمر يستحق كل هذا الجهد، دون أن يكون هناك هدف؟”.

فارون من المعارك المستمرة بين مقاتلي طالبان وقوات الأمن الأفغانية
فارون من المعارك المستمرة بين مقاتلي طالبان وقوات الأمن الأفغانية

لقد تم اتهام الصين بارتكاب عمليات إبادة جماعية وبانتهاك حقوق الأويغور والأقليات في إقليم شينجيانغ. ومن جانبها رفضت الصين الاتهامات، ولكن تم قبول استخدام معسكرات لإعادة التأهيل لفترة من الوقت. وبحسب مولر من المفترض أن الحملة التي يتم شنها في شينجيانغ ضرورية من أجل منع الإرهاب واستئصال التطرف الإسلامي.

ويشار إلى أن هناك ارتباطا بين أفغانستان وشينجيانغ. حيث يحصل من يزعم أنهم إرهابيون مسلمون في شينجيانغ على المساعدة من الجماعات التي تستخدم الأراضي الأفغانية كمركز لها. كما أن هناك مفارقة، حيث وجدت الولايات المتحدة أنه من المقبول تماما إرسال قوات إلى أفغانستان لمحاربة الإرهاب الإسلامي، إلا أنها ترفض التفسيرات الصينية بأنها تواجه نفس العدو داخل أراضيها.

وحسب مولر من غير المحتمل أن تُترك أفغانستان كمركز للإرهابيين. حيث أن الصين وروسيا والهند وباكستان وإيران، وهي الدول التي تبغض طالبان، بالإضافة إلى الدول القومية الأخرى في آسيا الوسطى، ستتخذ خطوات لمنع حدوث ذلك. وهي لن تقوم بإرسال قوات ولكنها ستحقق التأثير من خلال وسائل أخرى.

7