انسحاب واشنطن من سوريا رهين عدم مهاجمة أنقرة للأكراد

تركيا تبدو مرتبكة إزاء الضبابية التي كست المواقف الأميركية بشأن الانسحاب من سوريا، وآخرها حينما أعلن مستشار الأمن القومي الأميركي أن على أنقرة تقديم ضمانات بعدم قتل الأكراد قبل الشروع في الانسحاب.
الاثنين 2019/01/07
الأكراد خط أحمر

دمشق – اشترطت الولايات المتحدة للانسحاب من سوريا ضمان ألا يتعرض حلفاؤها الأكراد إلى اعتداء من قبل تركيا التي تهدد منذ فترة باجتياح منبج وشرق الفرات.

وأثار إعلان الرئيس الأميركي الشهر الماضي عن قراره سحب قوات بلاده من سوريا مخاوف لدى الأكراد من أن يشكل ذلك إغراء لأنقرة للهجوم على مناطق سيطرتهم.

ويعتبر الأكراد حليفا مهما بالنسبة للولايات المتحدة في سوريا، حيث كان لهم دور بارز في مساعدة التحالف الدولي بقيادة واشنطن على دحر تنظيم داعش في مناطق واسعة من شمال سوريا، ولم يعد لهذا التنظيم من وجود سوى في بعض الجيوب المتفرقة في ريف دير الزور شرقي البلاد.

وأكد مستشار الأمن القومي الأميركي جون بولتون، الأحد أن انسحاب قوات بلاده من سوريا ليس مرتبطا بجدول زمني معين، وأنه مشروط بجملة من العوامل أهمها ضمان عدم تعرض الأكراد لهجوم تركي.

وقال بولتون، الذي يقوم بجولة تستمر أربعة أيام شملت إسرائيل، إنه سيحث في المحادثات مع مسؤولين أتراك -بينهم الرئيس رجب طيب أردوغان- على ضرورة ضمان سلامة الأكراد.

وأضاف بولتون، الذي يسافر إلى تركيا الاثنين بعد محادثات في إسرائيل مع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، أن الولايات المتحدة ستجري مفاوضات مع أنقرة لمعرفة أهدافها وقدراتها في سوريا.

وتابع قائلا إن موقف الرئيس ترامب يتمثل في أنه يجب ألا تقتل تركيا الأكراد وأن الانسحاب الأميركي لن يحدث دون الاتفاق على ذلك.

وكان إعلان الرئيس الأميركي المفاجئ في 19 ديسمبر عن سحب قوات بلاده البالغ عددها نحو ألفي عنصر من المارينز منتشرين في مناطق قوات سوريا الديمقراطية، أثار حالة ارتياح كبرى لدى تركيا التي لطالما اتهمت واشنطن بالسعي لبناء “جيش كردي” على حدودها وتمكينه من السلاح لتهديد أمنها القومي.

وسوّق المسؤولون الأتراك أن هذا الإعلان هو إنجاز دبلوماسي كبير يحسب للرئيس رجب طيب أردوغان، الذي تمكن على حد قولهم من إقناع ترامب خلال مكالمة هاتفية بضرورة رفع يد واشنطن عن دعم الحليف الكردي مقابل تولي أنقرة مهمة القضاء على ما تبقى من عناصر داعش.

جولتا جون بولتون ومايك بومبيو للمنطقة، هدفهما التخفيف من وطأة إعلان دونالد ترامب عن الانسحاب من سوريا

ويرى محللون أن إحدى الهفوات المتكررة في السياسة التركية هي الاندفاع، وعدم قراءة الأمور بشكل متأن، على خلاف باقي القوى ومنها روسيا التي أبدت حذرا واضحا في التعاطي مع إعلان الرئيس الأميركي.

وانتقدت أنقرة في وقت لاحق عبر المتحدث باسم الرئاسة تصريحات بولتون، وقال إبراهيم قالن إن الادعاء بأن تركيا تستهدف الأكراد غير منطقي مضيفا أن أنقرة لا تستهدف سوى مقاتلي داعش ووحدات حماية الشعب الكردي وحزب العمال.

وتعتبر تركيا أن وحدات حماية الشعب التي تقود تحالف قوات سوريا الديمقراطية، هي امتداد لحزب العمال الكردستاني الذي يخوض تمردا على أراضيها منذ ثمانينات القرن الماضي. وقامت تركيا خلال السنوات الماضية بعمليتين في ريف حلب ضد الوحدات: العملية الأولى كانت في العام 2016 وحملت عنوان درع الفرات كان الهدف الأساسي منها هو قطع الطريق على تمدد الفصيل الكردي وتمكنت خلالها من السيطرة على الباب وأعزاز وجرابس، أما العملية الثانية فتلك التي جرت في يناير من العام الماضي واستهدفت طرد الوحدات من مدينة عفرين التي تشكل إحدى كنتونات الإدارة الذاتية الكردية.

وتعرضت عفرين عقب سقوطها في يد تركيا والفصائل السورية الموالية لها إلى عملية تطهير ممنهج للعنصر الكردي الغالب على المدينة، الأمر الذي يعكس حقيقة أن العقلية التي تحكم أنقرة هي أن كل كردي يشكل تهديدا خطيرا يجب استئصاله.

وفي ظل هذه القناعة، كان وقع إعلان ترامب الانسحاب من سوريا، كارثيا بالنسبة للمدنيين الأكراد الذين بدوا خائفين من مصير مجهول في حال نفذ الرئيس الأميركي قراره.

ومن شأن تصريحات بولتون، وقبلها تأكيدات ترامب بأن هذا الانسحاب لن يكون سريعا، أن تجعل الأكراد يتنفسون الصعداء، وإن كان ذلك لن يعالج اهتزاز ثقتهم في الطرف الأميركي، حيث من المرجح أن يبحثوا عن خيارات جديدة وقد بدأوا ذلك بالفعل من خلال التواصل مع روسيا وقوى عربية بينها مصر، للتوصل إلى صيغة تفاهم مع دمشق.

ولم تقتصر تأثيرات قرار ترامب المدوي على الأكراد فقط بل طالت أيضا حلفاء أميركا من الأوروبيين والدول العربية التي أظهرت ميلا إلى إعادة مقاربة الشأن السوري بشكل يتواءم مع المتغيرات الجديدة.

ويقول مراقبون إن جولة بولتون، وكذلك الجولة المرتقبة لوزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو للمنطقة، هدفهما التخفيف من وطأة الإعلان عن الانسحاب.

وينتظر أن يقوم بومبيو بجولة من 8 إلى 15 يناير الجاري تأخذه إلى كل من الأردن ومصر والسعودية والإمارات وسلطنة عمان، والكويت والبحرين، وستركز هذه الجولة على جملة من النقاط وبينها أن الانسحاب الأميركي من سوريا لا يعني إطلاقا أن واشنطن ستتخلى عن الشرق الأوسط.

وأوضح نائب المتحدث باسم الخارجية الأميركية روبير بلاديني أن الجولة ستركز على أن الولايات المتحدة لن تترك الشرق الأوسط، وأن الروايات المحيطة بقرار الانسحاب من سوريا خاطئة.

2