انسداد سياسي في الجزائر يصدع قدسية مؤسسة الجيش

تدخلات المؤسسة العسكرية المتواصلة في الشأن العام الجزائري وتعقيبها على آراء المواطنين ومواقف الطبقة السياسية المعارضة يبرزان طبيعة التصدّع الذي بدأ يشق طريقه إلى داخل هذه المؤسسة ليضعها أمام تحدي الجدل المتواصل بخصوص رفع القدسية عنها واعتبارها مؤسسة كغيرها من مؤسسات الدولة يجب أن تكون تحت طائلة المساءلة والتحقيق والرفض أو القبول.
الأحد 2017/09/10
مؤسسة لم تعد محصنة

الجزائر- أماط الجدل الدائر في الجزائر حول علاقة رموز المؤسسة العسكرية بمؤسسات البلاد والقوى الحزبية والناشطين السياسيين اللثام عن تحوّل غير مسبوق رفعت فيه تابوهات الوقار والقدسية المعهودة حول المؤسسة، وفتحت المجال لأول مرة أمام حياد المؤسسة عن التجاذبات السياسية في البلاد وعن انفتاحها على الرأي العام، وحتى عن مدى خضوعها للنقاش والمساءلة كغيرها من المؤسسات.

وطرح الناشط السياسي والوزير السابق نورالدين بوكروح، في رد له بمنشور رسمي له على صفحته الخاصة في فيسبوك، العديد من الاستفهامات عن أبعاد ودلالات الرسائل التي حملتها افتتاحية مجلة الجيش وموقف المؤسسة العسكرية من الوضع العام في البلاد وعلاقتها بالقوى السياسية والناشطين ومدى حياديتها عن التجاذبات الدائرة في البلاد، خاصة وأنها جاءت في شكل رد على طروحات وآراء عبّر عنها في الإعلام المحلي وشبكات التواصل الاجتماعي، خصّته باتهامات العمالة وخدمة المصالح الأجنبية.

وذكر بوكروح أن رأيه المنشور على صفحته الخاصة بعنوان “الجيش الجزائري: صامت لا يريد السماع” أثار تعقيب من وصف نفسه بـ”مصدر موثوق” مقرّب من قائد أركان الجيش الوطني الشعبي، من خلال تصريح أدلى به لصحيفة محلية، وكذلك لواء متقاعد كتب بأنه متفق معي لكنه يعيب عليّ كوني قسوت على مسؤولي الجيش السابقين أكثر مما فعلت مع الحاليين.

وأثارت الردود والردود المضادة بين قياديين حزبيين وناشطين سياسيين من جهة وقيادة المؤسسة العسكرية من جهة ثانية اهتمام المتتبعين والمختصين بعدما وضعت لأول مرة القدسية التي أحيطت بالجيش الجزائري منذ ثورة التحرير (1954 - 1962) إلى عقود الاستقلال الوطني (من 1962 إلى الآن) على المحك.

وهذه أول مرة في تاريخ البلاد تخرج فيها أصوات للعلن منتقدة خطاب المؤسسة العسكرية وطريقة تواصلها الإعلامي مع الرأي العام، لا سيما بعد ما تضمنته افتتاحية المجلة من رسائل تهديد وتخوين لمواطنين عبّروا عن آرائهم تجاه واجب المؤسسة العسكرية ودورها في إدارة الوضع العام للبلاد، وضرورة تدخلها لحلحلة الأزمة السياسية وحالة الانسداد في هرم السلطة.

وهو تحول لافت صار من خلاله خطاب المؤسسة لا يروق للبعض من السياسيين والناشطين، بعدما خصصت افتتاحية مجلة الجيش، وهي لسان حال المؤسسة، في عددها الأخير للرد على آراء شخصية لمواطنين جزائريين واتهامها لهم بالعمالة وخدمة المصالح الخارجية.

وجاء في افتتاحية المجلة أن “المؤسسة العسكرية ستبقى وفية لمهامها الدستورية التي سطّرها دستور البلاد، وأنها تحترم الشرعية الشعبية ومؤسسات البلاد”، في إشارة إلى الدعوات التي أطلقها سياسيون وناشطون للجيش من أجل التدخل لإنهاء حالة الانسداد السياسي والأزمة المعقدة في هرم السلطة، وإعادة القرار للشعب الجزائري لبناء مؤسساته وممثليه.

افتتاحية لسان حال المؤسسة العسكرية، بقدر ما طرحت لأول مرة مسألة الانسجام والانضباط الداخلي تجاه الصراعات الدائرة في هرم السلطة السياسية، فإنها في المقابل عبرت عن موقف جهة معينة داخل المؤسسة

وأضافت أن “الجيش الجزائري لن ينجرّ لدعوات الانزلاق التي تحرّكها أقلام مأجورة تخدم مصالح أجنبية”، وألمحت إلى ما تطرّق إليه الناشط السياسي نورالدين بوكروح الذي خاض في المسألة طارحا إمكانية أداء الجيش الوطني لدور المنقذ للبلاد من الأزمة التي تتخبط فيها.

وفي رد له قال بوكروح “أنا لم أهاجم الجيش ولم أقلّل من احترامه ولم أدعه للانقلاب كما تزعمون، ولن أجرؤ على ارتكاب مثل هذا أبدا، ليس خوفا من تهديداتكم لكن لقناعتي العميقة بعدم جدوى ذلك، وكوني تعرضت في الماضي إلى بعض المشاكل مع الجيش، والسبب أنني هاجمت بعض الجنرالات الذين لطّخوه، وبدل أن يُسلّمني وسام استحقاق وطني قام الجيش بجرّي للعدالة”.

وأضاف “كل ما فعلته هذه المرة هو أني طلبت من المسؤولين العسكريين الحاليين والسابقين الذين قبلوا بالعهدة الرابعة أو يستعدون للقبول بخامسة أو بسيناريو مشابه لذلك، أن يحتكموا إلى العقل قبل 2019، لكي لا يرهنوا مصير البلد مرة أخرى، فالجزائريون لن يقبلوا بذلك هذه المرة”.

في سياق متّصل ردّ حزب جبهة القوى الاشتراكية المعارض بأن “الجيش ليس طرفا خارجيا دخيلا عن المصير السياسي للبلاد. المؤسسة العسكرية يجب أن تكون في خدمة الوطن والإجماع الذي يربط أفراد هذا الوطن، ولا يجب أن تكون في خدمة عُصب أو نظام”.

وفي تعقيب له على النقاش الدائر تدخل الإعلامي والناشط السياسي حفيظ دراجي بالقول إن “الدعوات التي استصرخت الجيش لم تكن بغرض القيام بانقلاب بل من أجل حلحلة الشغور والانسداد في هرم السلطة وإنقاذ البلاد ومؤسسات الدولة من حالة الاختطاف التي تعاني منها منذ سنوات”، في إشارة لما يوصف بالسلطة الموازية التي تدير شؤون البلاد باسم رئيس الجمهورية.

ويرى مراقبون أن افتتاحية لسان حال المؤسسة العسكرية، بقدر ما طرحت لأول مرة مسألة الانسجام والانضباط الداخلي تجاه الصراعات الدائرة في هرم السلطة السياسية، فإنها في المقابل عبرت عن موقف جهة معينة داخل المؤسسة، فيما وجهت رسائلها لجهة معينة أخرى داخل الجيش لا يروق لها الوضع السائد في البلاد، إضافة إلى أنها يمكن أن تكون موجهة لأطراف سياسية داخلية في المعارضة وحتى في السلطة تريد إنهاء حالة الغموض في هرمها، فضلا عن الأطراف الخارجية التي تترصد الوضع السياسي في الجزائر.

وفي إشارة إلى تعقيدات التركيبة المكونة للمؤسسة العسكرية وإلى الغموض الذي يكتنف علاقتها بالرأي العام والقوى السياسية وانطواءها على نفسها بدعوى التحفظ والابتعاد عن المشهد المدني طرح نورالدين بوكروح عدة استفهامات جوهرية حول حقه كمواطن بالدرجة الأولى في التعاطي مع ما ورد في افتتاحية المجلة، وتساءل “كيف أجيب وعلى من أجيب وعلى ماذا أجيب؟”.

وقال “السائد في الأعراف الإعلامية أنه لما تتعرض وسيلة إعلامية ما لشخص طبيعي أو معنوي بالاسم أو المضمون، فإن القوانين تكفل له حق الردّ والدفاع عن نفسه، فهل مجلة الجيش مستعدة لمنحي هذا الحق؟ وإن رفضت ذلك فهل توجد وسيلة لإرغامها على احترام حق المواطنين، بما أنه يفترض أننا نعيش في دولة قانون وليس في حضيرة فوضوية؟”.

2