انشر أو انقرض

السبت 2016/08/20

ابتداء من ستينات القرن الماضي، انتبهتْ الجامعات الأميركية إلى ضرورة إخراج الأساتذة الباحثين من صفوفهم إلى صفحات المجلات العلمية والكتب المنشورة، مع ربط ذلك بتدرجهم المهني وبحصولهم على المناصب أو على تمويل أبحاثهم، حيث عملت على سنِّ قانون اشتُهر بـ”اُنشُرْ أو انقرضْ”. وكان ذلك وعيا من الجامعات بكون النشر هو الذي يمنح الحياة لكل السنوات التي يُمْكن أن يقضيها الباحث وراء نتيجة أو موضوعة أو إشكالية ما، وأيضا بكونه المسلك الذي يقود نحو تبادل المعارف وتراكمها.

اعتمادُ قانون بهذه الصيغة التي تضع الباحثَ أمام خيارين لا ثالث لهما، ومرافقةُ ذلك بتوفير الشروط الملائمة للبحث العلمي، سيكونان وراء انفجار على مستوى النشر، خصوصا في ما يخص المقالات، سواء بالولايات المتحدة الأميركية أو بعدد كبير من الدول الغربية التي اعتمدت في ما بعد نفس القانون. ذلك ما تعكسُه معطياتُ “فهرس الاقتباس العلمي” لمؤسسة طومسون رويترز الكندية، وهو أحد أهم المصادر المعتَمدَة دوليا لحصر المقالات العلمية المنشورة في المجلات المحكمة. إذ احتلت المنشورات الصادرة بالولايات المتحدة الأميركية، خلال سنة 2014، على سبيل المثال، رُبع ما صَدر بالعالم، مع العلم أنه بالرغم من أهمية هذه النسبة، فقد سجل البلد تراجعا، مقابل تصاعد النشر الصيني، الذي شغَل في نفس السنة عشرين في المئة من مجمل المنشورات الصادرة في العالم، مضاعفا بذلك نسبته السابقة، بينما لم تتجاوز نسبة مجمل الدول العربية بآسيا، والتي تضم الدول العربية الأغنى، بالكاد الواحد في المئة من الإصدارات.

غير أنه بالرغم من أهمية قانون “اُنشُرْ أو انقرضْ” على مستوى تحقيق تراكم كبير على مستوى النشر، فقد أحيطت به، مع توالي السنين، كما قد يحدث في أي مجال آخر، البعضُ من العلامات المظلمة. إذ أن الربط بين الترقي المهني والنشر كان وراء الكثير من الانزلاقات، ومن بينها بشكل أساس، تزايد ظاهرة السرقة العلمية.

مجلة “علوم” الأميركية كانت قد نشرت، قبل ثلاث سنوات، تحقيقا تحت عنوان “بازار النشر بالصين”، خصصته للسوق السوداء التي يعرفها مجال النشر الأكاديمي بالبلد، حيث يُقْدم عدد من الباحثين على الأداء مقابل إثبات أسمائهم على مقالات يكتبها آخرون، وذلك خصوصا أن الكثير من الجامعات الصينية تُخصِّص منحا مغرية تصل إلى ثلاثين ألف دولار لكل من ينشر مقالا في مجلة علمية كبرى.

دهاءُ البعض ذهبَ إلى أبعد من ذلك، حيث اضطرت دار النشر سبرينغ الألمانية الشهيرة، بالإضافة إلى معهد مهندسي الكهرباء والإلكترونيات بالولايات المتحدة الأميركية، إلى الإعلان عن سحْب أكثر من مئة مقال من أرشيف كُتب أعمال مؤتمرات سبق نشرها من طرف المؤسستين، وذلك بعد انتباههما إلى كونها قد تمت كتابتها عن طريق برمجة آلية للكمبيوتر.

كاتب من المغرب

17