انشقاق الحكيم يؤذن بدخول الأحزاب الشيعية العراقية معارك كسر العظم

الانشقاق الذي حدث في المجلس الأعلى الاسلامي ما هو إلاّ صورة مصغّرة لما يعتمل داخل الأحزاب الشيعية التي حكمت العراق بعد الغزو الأميركي، من تناحر وصراعات حول المغانم المادية والمكاسب السياسية، ولا صلة لها بالمسائل المبدئية وبقضايا العراقيين من أمن وتنمية ووحدة وطنية.
الجمعة 2017/07/28
جوازه إلى عالم السياسة انتماؤه العائلي لا كفاءته الشخصية

عمّان - عكست مناوشات بالأسلحة الخفيفة اندلعت في محافظتي ذي قار وميسان بجنوب العراق بين أتباع عمار الحكيم زعيم تيار “الحكمة” المنشأ حديثا، وأنصار التيار الأمّ المجلس الأعلى الإسلامي، حالة التوتّر الشديد داخل الأحزاب الشيعية الحاكمة في العراق جرّاء خلافات وصراعات على المناصب السياسية والمكاسب المادية بين قادة وأقطاب تلك الأحزاب من مختلف الصفوف والمستويات.

ولا تنفصل تلك الخلافات عن طبيعة الحقبة الانتقالية التي يبدو العراق مقدما عليها خلال فترة الخروج من الحرب ضدّ تنظيم داعش وما كشفته هذه الحلقة شديدة الصعوبة من تاريخ العراق الحديث من هشاشة تلك الأحزاب وفسادها وبعدها التام عن منطق الدولة وعدم قدرتها على إدارة شؤون الحكم.

وبدأت قيادات من تلك الأحزاب التي تلوّثت سمعتها بتجربة الحكم الكارثية، تفكّر في تغيير جلودها والقفز من مراكبها طمعا في دور بقيادة “المرحلة العراقية الجديدة” وما قد تحمله من مغانم ومكاسب مادية.

وينطبق الأمر على المجلس الأعلى الإسلامي الذي انشقّ عنه الحكيم بالفعل، رافعا شعارات تبدو مغرية وجديدة بشأن المصالحة الوطنية وعبور الطائفية، كما ينطبق على حزب الدعوة الإسلامية الحاكم الذي بدأ يشهد ظهور تيارين، أحدهما بقيادة رئيس الوزراء الحالي حيدر العبادي الرافع للواء الاعتدال ومصالحة العراق مع محيطه العربي، والثاني بقيادة رئيس الوزراء السابق نوري المالكي الذي تلبّست بصورته كوارث الفساد وانهيار القوات المسلّحة ووقوع أكثر من ثلث مساحة العراق تحت سيطرة تنظيم داعش سنة 2014 وما ترتّب عن ذلك من حرب وخسائر بشرية ومادية ضخمة.

وتساور مختلف تلك الأحزاب مخاوف جدّية من الانتخابات النيابية المقرّرة مبدئيا لربيع السنة القادمة لمعرفتها بأنّ الجماهير اطلعت على حقيقتها وأيقنت من فسادها.

ويرى سياسيون وخبراء أمنيون وأكاديميون عراقيون تحدثوا لـ”العرب” أن الانشقاق الذي حدث في المجلس الأعلى ليس ناشئا عن قضية فكرية أو موقف بعينه، بل هو انشقاق بدافع من المصالح وقد شجعت إيران على حدوثه لحسابات تتعلّق بمصالحها في العراق.

ويقول الباحث السياسي صباح الخزاعي إن سمعة عمار الحكيم، الذي تزعّم تيار الحكمة وباقي قادة الأحزاب الطائفية المرتبطة بإيران أصبحت سيئة جدا في جنوب العراق، مشيرا إلى أن العشائر العربية الجنوبية لن تكون طرفا في هذا الصراع لأنه يدور على مصالح حزبية ومادية ليس لها علاقة بمطالب الناس وهمومهم”.

قوى تربت على المعارضة السلبية التابعة للأجنبي وعلى الاحتراب والجريمة ولم تتدرب على الإدارة الايجابية وإنجاز التنمية

ويؤكد الخزاعي أنّ الأحزاب الشيعية التي حكمت العراق منذ سنة 2003 مهما بدّلت جلودها فهي أحزاب فاسدة نهبت ثروات العراق.

ويصف الناشط المدني عدي الزيدي، وهو شاهد عيان، ما جرى في محافظة ذي قار بأنه أول شرارة لحرب الأحزاب. ويقول حصلت مناوشات بالأسلحة الخفيفة بين أتباع عمار الحكيم وتياره الجديد الحكمة، والذي بدأ أفراده يطلقون على أنفسهم أسم الحكماء، وبين جماعة المجلس الأعلى الإسلامي الذين يتبعون لجلال الدين الصغير، على خلفية مطالبة جماعة المجلس بمقرّهم والمحالّ المحيطة به في ناحية الفهود بمحافطة ذي قار جنوب العراق، وقد أصيب عضو المجلس الإسلامي حميد مال الله الحجامي بإطلاق نار في ساقه نقل على إثره إلى مستشفى الشطرة العام لتلقي العلاج وما زالت المنطقة تشهد توترا وحركة لمسلحين من كلا الجهتين.ويتساءل الناشط: إذا كان مقرّ وخمسة محالّ تجارية تسببت بمعركة دامت لساعات فكيف سيكون شكل المعركة من أجل الاستيلاء على بيوت الجادرية ومولات الحارثية وفنادق النجف وكربلاء ومصانع المواد الغذائية التي استولى عليها المجلس بعد الاحتلال الأميركي للعراق وتقع في جميلة والشورجة والبصرة وباقي المحافظات.

ويقول خبير أمني عراقي كان مسؤولا عن الحركات الدينية وشؤون المرجعية الشيعية قبل الاحتلال، وقد طلب عدم ذكر اسمه، إن حدوث مثل هذه المناوشات بين الإخوة الأعداء ليس غريبا، بالنظر إلى الانشقاق الذي حدث بالمجلس الأعلى ليس سببه قضية فكرية أو موقف سياسي، وإنما هو انشقاق مصالح أرادته إيران لأهداف تخطط لها لمصلحتها بالأساس ليبقى الجميع ينتظرون رعايتها، بل أن ضعف طرفي النزاع يصب في مصلحتها، فهي لا تريد طرفا قويا، وإنما تريد الجميع ضعافا لا يستغنون عن مساعدتها ورعايتها.

ويتوقّع عدي الزيدي أن يتصاعد النزاع على الممتلكات والمقرات، حين يدور على الممتلكات الأهمّ التي سيطر عليها عمار الحكيم في بغداد والنجف وكربلاء وحوّلها من ملكية المجلس الأعلى إلى ملكية الواجهة التي أسسها وسماها “شهيد المحراب” مستغلاّ حادثة اغتيال عمه محمد باقر الحكيم وإرث عائلته وليس دوره وفعله على المستويين السياسي والفكري.

ويعود الباحث السياسي والأكاديمي كاظم عبدالحسين إلى جذور الصراعات داخل الحركات والأحزاب الطائفية قائلا إنّ أحزاب وميليشيات الولاء للولي الفقيه التقت على عوامل خارجية أكثر منها ذاتية موضوعية إذ جمعها عامل الهوية المؤطرة بالمذهبية بإرادة وتمويل إيرانيين لتكون أذرعا إيرانية لاختراق المجتمع العراقي وتهيئة بيئة تتقبل خطط طهران لاحتلال العراق.

ويتابع أن الأحزاب والميليشيات الحاكمة في العراق حاليا تشاركت بعد الغزو الأميركي للعراق سنة 2003 في عملية التوظيف لدى واشنطن وطهران في ما يعرف بالعملية السياسية التي مثلت الوجه المدني لعملية الغزو، منوّها إلى أن هذه القوى تربّت على المعارضة السلبية التابعة للأجنبي وعلى الاحتراب والحروب والجريمة ولم تتدرب على الادارة الايجابية ولا على منطلقات وأسس التنمية، ومستنتجا أن الاقتتال بينها ليس اقتتال أخوة، بل اقتتال شركاء يتفاعلون تحت الضغط الخارجي.

3