انشقاق المعاني وتجلياتها في معرض لبناني

جورج مرعب يرسم كتابات راقصة قوامها عبثية التفاهم ولا جدوى التلاقي في عالم كل فرد فيه يخاطب فيه ذاته فقط.
الجمعة 2018/03/23
كتابات ليست كالكلمات

بيروت – "كتابات" من المعارض التي تقدّم فكرة الفن المفهومي بهيئة تشكيلية معلومة، وإذا كان عدد كبير من الفنانين قد اتجهوا نحو إدخال الحروفية بمختلف أنماطها إلى لوحاتهم انطلاقا من رغبة في التحديث أو التجريب أو إضفاء نفحة شرقية، أو صوفية، أو تزيينية إليها، فالفنان اللبناني جورج مرعب قدّم في معرضه الأخير في صالة "مارك هاشم" البيروتية نصه هذا في ظل تجربة فنية يجب العودة إليها وإن باقتضاب شديد.

المقصود بهذه الخلفية ليس فقط كون الفنان استقى ملامح أعماله الجديدة من عناصر استخدمها في معارضه السابقة، والتي كانت في أغلبها مجتزئة من الواقع أو أشياء أو كائنات يُمكن أن ترمز إلى أفعال أو أفكار كالوجوه المُبعثرة، وكالثور وأزهار التوليب، وأحجار الشطرنج وأنصاف الأقمار، بل المقصود بالخلفية المعرض المفصلي، الذي قدّمه سنة 2012 تحت عنوان “أضرار جانبية”، وربما لعب دورا رئيسيا في تركيب السلم الجيني الذي منه استولد أعماله التالية.

ذكر الفنان جورج مرعب حينها عن المعرض، أن أحد أصدقائه الأميركيين الذين تأذوا من حادثة 11 سبتمبر 2001 طلب منه أن يرسم لوحة تعبّر عن الأسباب التي أدّت إلى المأساة، طبعا من زاويته الشخصية كفنان.

 

بعد غياب دام لثلاث سنوات عاد الفنان اللبناني جورج مرعب إلى الساحة الفنية، وقدّم معرضا في صالة "مارك هاشم" في بيروت بعنوان "كتابات"، ضمّ المعرض بنفحته الترابية أكثر من ثلاثين عملا اعتمد فيها الفنان مواد مختلفة تداخلت مع بعضها البعض في تجانس لونيّ/حركي يُقارب فعل الكتابة ولا يكونها، حيث عوضا عن توضيح الترابط ما بين عناصر اللوحة الواحدة، فقد أدّى إلى تعميق حالة الشقاق الثنائي القائم ما بين “النصوص” المكتوبة ومعناها، وهيئاتها على السواء

ويضيف الفنان أن رغبته في ألّا ينتج عملا فنيا نمطيا دفعه إلى الغوص في تقصّي الحقائق والتعمّق في الأبحاث، ممّا جعله يطّلع على عبثية الممارسات الإجرامية السابقة التي قامت بها القوات العسكرية الأميركية تحت عنوان الدفاع عن الحريات والديمقراطية، ويتابع جورج مرعب قائلا إن “اللوحة أنجزت، ولكن الموضوع لم ينجز معها، كان عليّ أن أقول أكثر في لوحات أكثر، فكان هذا المعرض".

غير أن ما وصل إليه الفنان من حقائق متناقضة بعد أن استمرّ في التغلغل إلى آباره الجوفية ليخرج من جديد إلى علنه الفني نصوصا تدّعي أنها كتابات، وهي ليست إلاّ تمظهرا لحجم الهوة الكامنة ما بين “الكتابات” ومعناها، وهيئاتها ومُنطلقاتها على السواء.

وأكثر ما يلفت النظر في هذه الكتابات المتواترة على مساحات اللوحات، أنها تشبه ذبذبات خرجت عن قوالبها المرصوصة، لتقدّم عرضا راقصا قوامه عبثية التفاهم ولا جدوى التلاقي في عالم كل فرد فيه يخاطب فيه ذاته فقط، وله وجهة نظره فقط، وكأن الآخر/ المتلقي غير موجود، أو هو غير ضروري لينعقد أي معنى، مثل معنى “لماذا حدث ذلك؟” الذي أراد صديق الفنان منه أن يحاول اختصاره من منظاره وفي لوحة واحدة.

اختار جورج مرعب أن يعطي لمعرضه عنوان “كتابات” وليس “كلمات”، وربما يكون هذا مفتاحا إضافيا لاستيعاب الفكرة التي أراد أن يعبّر عنها من خلف غوغائية دينامكية لا تفكّك فيها ولا محطات بأشكال فواصل ونقاط.

غوغائية شبه إلكترونية تتداخل فيها الخطوط، وترتجف، وتتقاطع، وتتشابك ولا ترجو من فعلها هذا سوى نقل التوتر “التليغرافي”، أو إثبات الحضور في قالب صقله التقشّف اللوني، حيث تكاد تقتصر على خمسة ألوان: البني، الأبيض، الأسود، والأصفر والأحمر.

وكلها ألوان تذكر بالرسومات الدلالية التي طبعت جدران مغاور ما قبل التاريخ، وكأن الفنان في أعماله تلك يقول “إننا بعد أكثر من أربعمئة سنة عدنا إلى الاختزالات القصوى والشيفرات الكلامية”، ويجيء كلام الفنان عن معرضه تأكيدا على ما رأى زائر المعرض، حيث قال “اليوم، مع اعتماد أساليب مختلفة وكثيرة في التعبير الكتابي، من رسائل إلكترونية وكلمات مقتضبة في أحرف قليلة، ورموز بصرية كـ’الإيموجيز” وغيرها والتي لا يفقه معناها الكثير من الشعوب، بتنا لا نفهم بعضنا البعض أكثر من أي زمن مضى”.

الفنان اختار أن يعنون معرضه بـ"كتابات" وليس "كلمات"، ليعبر عن غوغائية دينامكية لا تفكك فيها ولا محطات

ويضيف “يمكنني مثلا أن أقرأ الرسائل الخطية المقتضبة التي يرسلها أولادي لأصدقائهم، ولكنني لن أفهم شيئا، بالنسبة لي هي دون معنى، ولكنها بالرغم من ذلك ‘لغة’ قائمة بذاتها!”.

ويسترسل “وصلنا إلى زمن، أصبح لكل واحد منا لغته الخاصة غير المقروءة بالنسبة للآخر، من هذه الأفكار انطلقت في تنفيذ هذه الأعمال الفنية، أعمال بدأت في العمل عليها منذ سنة 2016 ولا أزال، فالموضوع الذي أعالجه مُتشعب ويحتاج أكثر من معرض واحد لسبر أغواره”.

واعتمد جورج مرعب في تقديمه للوحاته على صياغة عدة طبقات اشتركت فيها أحرف مُبهمة ابتكرت في لحظة الرسم، وأخرى من اللغة العربية والأجنبية وأطراف وخيالات من اللغات القديمة التي ولدت في هذه المنطقة من العالم، كما دخلت بعض الأشكال الهندسية التي تذكر بالتمائم وبالمخطوطات التاريخية، وبعض الأشكال أو أجزاء منها كانت قد ظهرت في معارضه السابقة، كما دخل التنقيط وفعل الـ”دريبينغ” إلى فضاء لوحاته ليزيدها “ثرثرة” وزخما موسيقيا لا يغني إلاّ عن موال ارتجاجاته الخاصة والمُبهمة حتى إشعار آخر.

وجورج مرعب من مواليد لبنان 1960، حصل على شهادة الماجيستير في فن الرسم من الجامعة اللبنانية في بيروت، وبعد التخرج غادر إلى إيطاليا، حيث تلقى تعليمه في فن ترميم المعالم التاريخية والجداريات، ومنذ سنة 1992 أقام معارض فردية عديدة في أوروبا إضافة إلى دبي، وسوريا، وبلجيكا، والبحرين، ومن ضمن تلك المعارض نذكر معرض “أضرار جانبية” سنة 2012، وهو المعرض الذي ذكرناه آنفا، كما شارك في معارض عالمية في فرنسا وسويسرا ومصر.

17