انشقاق لم يحدث منذ ألف عام في العالم الأرثوذكسي

اعتراف القسطنطينية بكنيسة مستقلة في أوكرانيا ينهي 332 عاما من الوصاية الدينية الروسية في هذا البلد، ويثير غضب موسكو ووصفته بالانشقاق العظيم.
الجمعة 2018/10/19
انشقاق ديني مدفوع بأسباب سياسية

شهدت الكنيسة الأرثوذكسية، مؤخرا، واحدة من أكبر محطات الانقسام، منذ قرون طويلة، عقب إعلان الكنيسة الأرثوذكسية الروسية قطع علاقاتها مع بطريركية القسطنطينية في إسطنبول، ضمن توتر بخلفيات سياسية يهدد وحدة العالم الأرثوذكسي الذي يضم نحو 300 مليون مؤمن في جميع أنحاء العالم.

لندن- قررت الكنيسة الأرثوذكسية الروسية خلال اجتماع غير عادي في مينسك عاصمة بيلاروسيا قطع كل العلاقات مع منافستها التاريخية في القسطنطينية. ولن تكون هناك قداديس مشتركة، كما أن كهنة بطريركية موسكو لن يشاركوا بعد اليوم في خدم ليتورجية مع أساقفة بطريركية القسطنطينية، في خطوة تسجل أكبر انشقاق في المسيحية منذ ألف عام.

وكان هذا التوتر متوقعا بعد اعتراف القسطنطينية بكنيسة مستقلة في أوكرانيا في قرار ينهي 332 عاما من الوصاية الدينية الروسية في هذا البلد، ويثير غضب موسكو.

وقال مدير قسم العلاقات الخارجية للكنيسة الأرثوذكسية الروسية المطران إيلاريون، بعد اجتماع للمجلس الحاكم للكنيسة الروسية في روسيا البيضاء، إن المجمع المقدس لم يترك أي خيار سوى قطع العلاقات مع البطريركية في إسطنبول مقر الزعيم الروحي العالمي لنحو 300 مليون مسيحي أرثوذكسي.

ورفضت القسطنطينية في وقت سابق التحركات في اتجاه استقلال الكنيسة الأوكرانية، لكنها قررت الأسبوع الماضي الاعتراف بهذا الاستقلال. وينقسم الأرثوذكس في أوكرانيا بين موالين لبطريركية موسكو وبطريركية كييف التي أعلنت عن نفسها بعد استقلال البلاد عام 1991، ولم تعترف بها آنذاك أي كنيسة أرثوذكسية أخرى.

وكانت أوكرانيا حصلت على موافقة من المسكونية على إقامة كنيسة مستقلة، فيما وصفته كييف بأنها خطوة مهمة ضد التدخل الروسي في شؤونها. ووصفت الكنيسة الأرثوذكسية الروسية ذلك بأنه أكبر انشقاق في المسيحية منذ ألف عام.

وأكّد المطران إيلاريون أنه “جرى اتخاذ قرار لقطع العلاقات بالكامل” معلنا رد روسيا بطريركية القسطنطينية المسكونية. وأضاف “لم يكن من الممكن أن يتخذ مجمعنا المقدس قرارا آخر لأن منطق كل الإجراءات التي اتخذتها بطريركية القسطنطينية المسكونية أدى إلى هذا”.

الوضع الحالي يمكن أن يؤدي إلى ظهور «عالمين أرثوذكسيين متخاصمين»، أحدهما موال لموسكو التي لديها العدد الأكبر من المؤمنين، وآخر موال للقسطنطينية التي تتمتع بالشرعية كونها أول بطريركية في التاريخ
الوضع الحالي يمكن أن يؤدي إلى ظهور «عالمين أرثوذكسيين متخاصمين»، أحدهما موال لموسكو التي لديها العدد الأكبر من المؤمنين، وآخر موال للقسطنطينية التي تتمتع بالشرعية كونها أول بطريركية في التاريخ

شبهت الكنيسة الأرثوذكسية الروسية خطوات أوكرانيا من أجل الاستقلال بالانشقاق العظيم الذي حدث في 1054 م وأدى إلى انشقاق بين الكنائس الغربية والشرقية وحذّرت من أنها قد تؤدي إلى صدع دائم في الأوساط الأرثوذكسية العالمية.

وقال إيلاريون إن قرار المسكونية بتأييد حملة الكنيسة الأرثوذكسية الأوكرانية للاستقلال غير شرعي وإن الكنيسة الأرثوذكسية الروسية لن تعترف به. وأضاف “نأمل أن يسود المنطق السليم وأن تغير البطريركية المسكونية علاقاتها بالواقع الكنسي الحالي”.

سيطرة روسية

تمثّل الكنائس الأرثوذكسية العالمية مجتمعة 300 مليون شخص. لكن هناك أقل من 3 آلاف من الأرثوذكس في إسطنبول. وتمثّل الكنيسة الأرثوذكسية الروسية أغلبية المسيحيين الأرثوذكس وتتحكم بقدر ضخم من الثروة والسلطة. ويعتبر قائدها، البطريرك كيريل، حليفا قريبا لفلاديمير بوتين، الرئيس الروسي، الذي وصفه بأنه “معجزة من الله”.

وكان التنافس بين الكنيسة الروسية وبطريرك القسطنطينية سمة من سمات الأرثوذكسية الشرقية، حيث اعترض كيريل على علاقة بارثولوميو الوثيقة مع الكنيسة الكاثوليكية الرومانية والبابا فرانسيس. وضغطت الحكومة الأوكرانية من أجل الحصول على الاستقلال من البطريركية الروسية كجزء من محاولاتها الانفصال عن النفوذ الروسي وتدخلاته في شؤون البلاد.

وتتهم أوكرانيا الكنيسة الأرثوذكسية الروسية بممارسة نفوذ خبيث على أراضيها، إذ سمحت بأن يستخدمها الكرملين أداة لتبرير النزعة التوسعية الروسية، ودعم المتمرّدين الانفصاليين في شرق أوكرانيا.

وقال الرئيس الأوكراني، بترو بوروشنكو، في بيان “إن الاستقلال عن البطريركية الروسية يعتبر جزءا من إستراتيجيتنا الموالية لأوروبا والمؤيدة لأوكرانيا”.

ووصف فقدان موسكو للسيطرة على الكنيسة الأرثوذكسية الأوكرانية بـ”سقوط روما الثالثة” كادعاء روسي قديم من أجل فرض الهيمنة العالمية. وقال بوروشنكو إن الكنيسة الروسية تتجه نحو “العزلة والنزاع مع العالم الأرثوذكسي”.

في حين رد وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف بأن قرار بطريركية القسطنطينية الاعتراف بكنيسة أرثوذكسية أوكرانية مستقلة هو “استفزاز” مدعوم من واشنطن. ووصف هذه الخطوة بأنها “استفزازات من بطريرك القسطنطينية برثلماوس، اتخذت بدعم علني مباشر من واشنطن”.

وتحظى الكنيسة الأرثوذكسية في روسيا بالفعل بعلاقة متوترة مع السلطات الدينية في إسطنبول. ففي صيف عام 2016، انهار أول تجمع عالمي للكنائس الأرثوذكسية الأربعة عشر المستقلة منذ عام 787 قبل أن يتم فتحها بسبب الخلافات حول جدول الأعمال. وقد هددت العديد من الكنائس، بما في ذلك الروس، بمقاطعة “المجلس المقدس العظيم”، الذي استمر التخطيط له قرابة الـ55 عاما. وقد سعى بطريرك القسطنطينية إلى إصلاح العلاقات مع الكنيسة الكاثوليكية الرومانية، التي انفصلت عن الأرثوذكسية الشرقية منذ ألف عام، في عام 1054 م.

حرب المجامع

بالإضافة إلى مسألة العلاقات المضطربة بين موسكو وكييف، فإن الانهيار الكامل للعلاقات بين القسطنطينية وموسكو قد يهدّد وحدة العالم الأرثوذكسي الذي يضم نحو 300 مليون مؤمن في جميع أنحاء العالم. وعبّرت صحيفة آر بي كيه الروسية عن القلق إزاء احتمال اندلاع “حرب المجامع”، وهي مجموعات من الأساقفة من كل بطريركية تحظى بالاستقلالية.

ونقلت الصحيفة عن الخبير في شؤون الكنيسة رومان لونكين قوله إن الوضع الحالي يمكن أن يؤدي إلى ظهور “عالمين أرثوذكسيين متخاصمين”، أحدهما موال لموسكو التي لديها العدد الأكبر من المؤمنين، وآخر موال للقسطنطينية التي تتمتع بالشرعية كونها أول بطريركية في التاريخ.

وأشارت صحيفة إزفستيا إلى تهديد من شأنه “تدمير وحدة العالم الأرثوذكسي” ووصفت قرار موسكو بأنه “من أحلك الأيام في تاريخ الأرثوذكسية”. وأعادت الصحيفة إلى الأذهان الانشقاقات العظيمة السابقة في المسيحية وخصوصا العام 1054 م بين الأرثوذكس والكاثوليك والعام 1517 بين الكاثوليك والبروتستانت.

واعتبرت إزفستيا أن قطع العلاقات يدفع الآن “العالم الأرثوذكسي كله ليختار” بين القسطنطينية وموسكو. وعلى غرار وسائل إعلام روسية أخرى، أعربت صحيفة روسيسكايا غازيتا الحكومية عن الأسف لأن “المؤمنين الروس لم يعد بإمكانهم الصلاة في أديرة جبل آثوس، في اليونان”. وفي جبل آثوس 19 ديرا تشكل مركز الرهبنة الأكثر أهمية في الأرثوذكسية وتتبع الولاية القضائية لبطريركية القسطنطينية.

دعوة إلى الوحدة

البطريركية في إسطنبول مقر الزعيم الروحي العالمي لنحو 300 مليون مسيحي أرثوذكسي
البطريركية في إسطنبول مقر الزعيم الروحي العالمي لنحو 300 مليون مسيحي أرثوذكسي

غرق العالم الأرثوذكسي الذي يضم أكثر من عشرة بطريركيات مستقلة بين التأمل والدعوة إلى الوحدة الثلاثاء. وقال البطريرك الصربي إيريني “نحن لسنا في منطق مع أو ضد. نحن مع وحدة الكنيسة والانسجام والمسؤولية والولاء للقانون الكنسي وضد كل ما يؤدي غالى التقسيم وخطر الانفصال”.

ومع ذلك، فإن البطريرك الصربي اعتبر أن اعتراف القسطنطينية بكنيسة مستقلة في أوكرانيا “قرار يؤدي إلى الانفصال” و“يفتح مباشرة وبشكل لا لُبس فيه إمكانية حدوث انقسامات جديدة في كنائس أخرى” في العالم.

بدورها، أعلنت بطريركية جورجيا عن انعقاد مجمع كنسي قريبا لاتخاذ موقف. كما أعلنت الكنيسة الفنلندية التي تتبع بطريركية القسطنطينية إنها تأمل في الحفاظ على علاقاتها مع موسكو رغم قطع العلاقات.

والانقسامات ذات الخلفيات السياسية ليست أمرا جديدا، فقد انفصلت الكنيسة الأرثوذكسية القبطية عن الكنيسة الأرثوذكسية التوحيدية في إثيوبيا، إثر اعتراف هذه الأخيرة بالكنيسة الحديثة في إريتريا.

وقال المفكر والباحث القبطي كمال زاخر إن الخلاف بين الكنيسة الروسية وبطريركية القسطنطينية، يمكن توصيفه في إطار سياسي صرف يتعلق باعتراف باستقلال الكنيسة الأوكرانية عن موسكو، لكنه لا يتضمن أي جانب عقائدي لا يهدد الأرثوذكسية سواء في الشرق أو الغرب.

التنافس بين الكنيسة الروسية وبطريرك القسطنطينية كان سمة من سمات الأرثوذكسية الشرقية
التنافس بين الكنيسة الروسية وبطريرك القسطنطينية كان سمة من سمات الأرثوذكسية الشرقية

وأضاف في تصريح لـ“العرب”، أن البابا تواضروس الثاني بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، حاول خلال زيارته الأخيرة لكل من القسطنطينية وموسكو تقريب وجهات النظر بين الطرفين لكن المشكلة متشابكة لارتباطها بقضايا سياسية وليست دينية في المقام الأول، متوقعًا تدخل مجلس الكنائس العالمي الذي تنتمي إليه الكنيستين في الأزمة.

وأوضح أن قطع الكنيسة الروسية صلتها بالقسطنطينية لا يمثل مشكلة تهدد الأرثوذكسية التي شهدت على مدار التاريخ انقسامات بدأت منذ 451 ميلادية مع انعقاد مجمع «خلقيدونية» الذي يحمل اسم بلدة رومانية تتبع تركيا حاليًا، وأسفر عن التقسيم لفريقين اختلفا حول طبيعية المسيح أحدهما أيد نتائج الاجتماع وسموا «الخلقيدونيون» وضموا الكنيسة القسطنطينية والروسية، والرافضين سموا «غير الخلقيدونيين « ومن بينهم الكنيسة المصرية.

 وأشار إلى خلاف آخر نشب في القرن الحادي عشر الميلادي داخل المجموعة الخلقيدونية ذاتها أسفر عن ولادة المذهب الكاثوليكي، وبالتالي لم تؤدي تلك الانشقاقات لما يؤدي لخطوة على المذهب الأرثوذكسي حول العالم ولا يهدده من قريب أو من بعيد. 

12