انصراف القراء عن قراءة القصص يهز عرش القصة القصيرة

البعض يعتقد أن خفوت نجم المجموعات القصصية على مستوى مصر وبعض البلدان العربية يرجع في الأساس لموجة كساد كبيرة تجتاح سوق الكتب.
الجمعة 2019/07/19
القصة جنس أدبي مختلف مهدد بالتلاشي (لوحة للفنانة غلناز فتحي)

يقول الكاتب الأميركي جيمس بالدوين، أشهر من كتبوا في القصة القصيرة، “إن لكل مجال قلب، وقلب الأدب هو المجموعات القصصية”. ولكن ربما بات للجمهور في البلدان العربية رأي آخر لاسيما مع التراجع الواضح لمبيعات المجموعة القصصية إلى درجة جعلت الناشرين يرفضون الأعمال القصصية غير الروائية لعدم تحقيقها للرابح المادي الكافي.

القاهرة – بات فن القصة القصيرة في مصر مستبعدا من النشر لدى معظم الدور الخاصة نتيجة انصراف القراء.

وواجه كثير من القُصّاص الشباب مشكلة كبيرة في إصدار مجموعاتهم القصصية، بسبب رفض كافة الدور قبول مجموعات قصصية خلال الشهور الماضية، ما أثار لديهم شعورا بوجود ظاهرة رفض مُتعمّد لنشر المجموعات القصصية.

وبرر ناشرون مصريون الظاهرة باستشعارهم انصراف جمهور القراءة عن شراء واقتناء المجموعات القصصية في الآونة الأخيرة، حتى إن كانت لكبار الكتاب.

خفوت القصة

يحكى القاص الشاب عبدالوهاب مقلد لـ”العرب” أنه انتهى من كتابة مجموعة من القصص القصيرة وعرضها على كثير من النقاد والأدباء وحازت إعجابهم ورضاهم، غير أن ثلاث دور نشر شهيرة رفضت قبولها تحت لافتة عدم نشر المجموعات القصصية.

وذكر مقلد أن بعض دور النشر الصغيرة تقبل إصدار المجموعات القصصية، لكن مع تحمّل المؤلف التكلفة لوجود قناعة سائدة بأن المجموعات القصصية لا توزع جيدا.

ويكشف قصاص آخر، يعتذر عن نشر اسمه، أنه دار على مدى عدة شهور على كثير من دور النشر المهتمة بالأدب، وفوجىء باعتذار مُتكرر مفاده أن القصص القصيرة لم تعد مفضلة لدى جمهور الأدب.

ويقول لـ”العرب” إن المنفذ الوحيد المتاح في الوقت الحالي لنشر أي مجموعات قصصية هو تقديمها لهيئة قصور الثقافة وهي جهة حكومية تتطلب وساطات وعلاقات، وحتى مع ذلك، فإنها تتعطل لعدة سنوات نتيجة طول طابور المتقدمين، والروتين الحكومي.

 التطور السريع لوسائل التواصل التكنولوجية انعكس بصورة واضحة على فن القصة القصيرة

ويعتقد بعض الناشرين أن هناك موجات من الظواهر الأدبية تجتاح جمهور القراءة كل حين على مستوى مختلف بلدان العالم دون أسباب واضحة، ما يشير إلى أن هناك جماعات مصالح قد تستغل وسائل التواصل الاجتماعي في الترويج للون معيّن من الأدب أو الكتابات.

ويقول شريف الليثي مدير دار “تويا” للنشر لـ”العرب”، إن مجموعات القصص القصيرة تواجه منذ عدة شهور موجة عالية من الانحسار، وهو ما لا يوجد له تفسير واضح.

ويرى أن الأمر قد يتعلق بشكل رئيسي بمجموعات مؤثرة من الأشخاص على شبكات التواصل الاجتماعي وعلى موقع “غودريدز” والذين يعملون على توجيه سوق القراءة في العالم العربي لصالح ألوان معينة، وضد ألوان أخرى. لذا لم يكن غريبا أن معظم المجموعات القصصية التي صدرت في السنوات الثلاث الأخيرة لم تتجاوز مبيعات أفضلها في مصر 200 نسخة.

وذكر الليثي أنه قدم مبادرة قبل شهور لنشر مجموعات قصصية كنوع من مقاومة الظاهرة، وبالفعل أصدر خلال معرض الكتاب الأخير في يناير الماضي مجموعة قصصية لإحدى الكاتبات الواعدات، لكن النتائج لم تكن مرضية.

ولم تسلم كتابات كبار الكتاب من ظاهرة انصراف الجمهور عن القصة القصيرة، إذ شهدت مجموعات قصصية معروفة لنجيب محفوظ صدرت عن دار الشروق تراجعا ملحوظا.

كذلك فإن مجموعات قصصية لكتاب آخرين مثل يوسف إدريس ومحمد المخزنجي، وسعيد الكفراوي وإبراهيم عيسى، لم تجد رواجا مماثلا لما كان معتادا لأعمالهم.

ويعتقد البعض أن خفوت نجم المجموعات القصصية على مستوى مصر وبعض البلدان العربية يرجع في الأساس لموجة كساد كبيرة تجتاح سوق الكتب، وتؤثر على بعض صنوف الكتاب، نتيجة ارتفاع تكلفة النشر، بعد زيادة أسعار الورق والأحبار.

يؤكد أحمد عبدالمجيد، الروائي ومستشار النشر في دار الرواق إن سوق القراءة في القاهرة تراجع في الآونة الأخيرة بشكل واضح بسبب عدة متغيرات كان أبرزها الحالة الاقتصادية.

ويقول لـ”العرب” إن الجمهور وجه معظم مشترياته إلى الروايات والكتب التاريخية وكتب التنمية البشرية والتجارب الشخصية، وأن ذلك صاحبه ابتعاد واضح عن دواوين الشعر والمجموعات القصصية والمسرحيات.

ويذكر أنه صار من الصعب لأي دار نشر المغامرة بقبول مجموعة قصصية، خاصة لو كانت لكاتب جديد لم ينل بعد حظه من الشهرة، حتى لو كان مستوى الكاتب جيدا.

الرواية وأسباب أخرى

هناك نضوبا واضحا لدى جمهور الإبداع في ما يخص المبدعين
هناك نضوبا واضحا لدى جمهور الإبداع في ما يخص المبدعين

يلفت البعض النظر إلى أن التطور السريع لوسائل التواصل التكنولوجية انعكس بصورة واضحة على فن القصة القصيرة، والتي أدى نشرها عبر الفيسبوك بهدف الترويج لأصحابها إلى نتائج عكسية.

ورأوا أن استسهال قراءة القصص القصيرة دفع كثير من الجمهور إلى تفضيل قراءتها منشورة على صفحات مخصصة للأدب على الفيسبوك بدلا من شرائها منشورة في كتاب.

ويرى آخرون أن الظاهرة تمثل انعكاسا واضحا لسمات زمانية طغت فيها ظروف معينة على أذواق القراء ووجهت اهتماماتهم.

ويحلل الناقد الأدبي والروائي مصطفى بيومي ذلك، موضحا أن خفوت لمعان القصة القصيرة تم وتطور لصالح الرواية باعتبارها فنا يعتقد النقاد أنه أقوى وأكثر تأثيرا.

ويقول بيومي لـ”العرب” إن هذا الأمر لا يقتصر على مصر أو العالم العربي فحسب، مشيرا إلى أن العالم كله يشهد ميلا أكبر من جمهور القراء نحو الروايات. يضيف أنه لا يذكر لأحد الأدباء العالميين الذين ترجمت أعمالهم مؤخرا إلى العربية أن أحدثت أي من مجموعاتهم القصصية رواجا يماثل ما حققته الروايات، وحتى الأديب العالمي غابريال غارسيا ماركيز نفسه فلا يمكن مقارنة مبيعات مجموعاته القصصية بمبيعات أي من رواياته.

ويرى بيومي أن إيقاع الزمن، ينتصر للرواية على حساب القصة القصيرة لأن الرواية تتسم بالإشباع والقدرة على إثارة الدهشة والمتعة بشكل يفوق ما تحققه القصة من حيث تعدد الشخصيات، تنوع المحاورات، عمق التناول، وحجم المعلومات المقدم إلى القارئ.

أما القصة فهي لحظة خاطفة، مكثفة، تعتمد في الغالب على شخصية واحدة، والحوار فيها ليس أساسيا، ما يجعلها أصعب إلى الهضم لدى جمهور القراءة خاصة الحدثاء منهم.

وهناك سبب آخر يرتبط بايقاع العصر، إذ يؤدي انشغال المجتمعات بالعمل لفترات أطول مما هو معتاد، إلى الحاجة إلى فترة راحة كل مدة زمنية تتجاوز الغفوات القصيرة، وتمثل استراحة أشبه باستراحة المحارب، وهنا فإن الرواية هي الأنسب للقراءة خلال استراحة المحارب، وليست القصة القصيرة.

ويتابع بيومي قائلا “إن شحنة الخيال في الرواية أضعاف الموجود في القصة بحكم الشكل والتنوع والقدرة على اقتحام كافة القضايا”.

كذلك فإن هناك نضوبا واضحا لدى جمهور الإبداع في ما يخص المبدعين الأكثر إدهاشا في مجال القصة القصيرة، والتي صنعت مجدها الأول في العالم العربي، اعتمادا على مبدعين عظام مثل يوسف إدريس وزكريا تامر وغيرهما.

ويقول الناقد مصطفى بيومي إن هناك بالفعل بعض الأسماء العظيمة التي مازالت باقية في سماء القصة القصيرة مثل سعيد الكفراوي، وحسن عبدالموجود، وغيرهما لكن هؤلاء وحدهم لا يشكلون عنصر إبهار وتأثيرا كبيرا لدى جمهور القراءة، خاصة الشباب منهم.

ويخلص إلى أنه من الصعب جدا توقع مستقبل القصة القصيرة في العالم العربي، غير أنه يمكن أن يعاود هذا الفن انتعاشه مرة أخرى إذا نجح كتّاب جدد في تقديم قصص مكثفة أشبه بومضات، تجمع بين العمق والبساطة والتكثيف، وهي كتابة صعبة جدا لكنّها مبهرة متى تحققت.

15