انطلاق الاستفتاء الشعبي على الدستور الجزائري وسط مؤشرات مقاطعة واسعة

وسط دعوات الرفض التي أطلقها معارضو السلطة الجديدة في الجزائر توحي العديد من المؤشرات إلى تسجيل مقاطعة واسعة للاستفتاء خاصة في ظل استمرار حالة الاحتقان.
الجمعة 2020/10/30
الشارع يقابل الاستفتاء بلامبالاة 

افتتح الجزائريون في المناطق النائية والصحراء العميقة الاستفتاء على الدستور الجديد الذي تعول عليه السلطات للتأسيس لـ”الجمهورية الجديدة” وذلك بعد حملات وصفت بـ”الباهتة” رغم حشد السلطات لإمكانياتها من أجل إنجاح هذا الاستحقاق الذي يرفضه الإسلاميون.

الجزائر- انطلقت الخميس في الجزائر عملية الاقتراع في الاستفتاء الشعبي على الدستور الجديد الذي تريده السلطة أن يؤسس لـ”الجمهورية الجديدة” وذلك وسط تكهنات بمقاطعة واسعة.

وبدأت عملية الاقتراع من المناطق النائية والصحراء العميقة حيث حشدت الحكومة إمكانياتها البشرية واللوجيستية من أجل تمكين فئة البدو الرحل والسكان المعزولين من أداء واجبهم الانتخابي، على أن يكون الاقتراع الشامل الأحد في كامل تراب الجمهورية.

ودخلت الحملة الدعائية منذ مساء الأربعاء مرحلة الصمت الانتخابي، حيث كان وزير العدل بلقاسم زغماتي، وحزب التجمع الوطني الديمقراطي، آخر الملتقين بالشارع لحض الجزائريين على المشاركة القوية وعلى تزكية الدستور الجديد، بينما اضطر حزب جبهة التحرير الوطني الحاكم، لإلغاء تجمعه الأخير المزمع تنظيمه في القاعة البيضوية بالعاصمة، بسبب المخاوف من عدوى وباء كورونا، لاسيما بعد التحذيرات التي أطلقها رئيس الوزراء عبدالعزيز جراد، في بحر هذا الأسبوع.

ويجري الاستفتاء في أجواء استثنائية بسبب القلق المتزايد من تفشي الوباء، وغياب رئيس الدولة عبدالمجيد تبون، الذي نُقل إلى ألمانيا لإجراء فحوصات طبية، بعد شكوك في إصابته بفايروس كورونا، حسب ما ورد في بيان لرئاسة الجمهورية، فضلا عن هاجس المقاطعة الشعبية الذي يؤرق أنصار السلطة، خاصة في ظل استمرار الاحتجاجات السياسية في البلاد، رغم تعليق المظاهرات والمسيرات من طرف ناشطي الحراك الشعبي.

وكان وزير الصناعة فرحات آيت علي، المنحدر من منطقة تيزي وزو (عاصمة القبائل)، قد تعرض والوفد المرافق له إلى الطرد من طرف شبان محتجين الثلاثاء، رددوا على مسامعه شعارات ومطالب الحراك الشعبي، وهو ما اضطر الوزير إلى مغادرة المدينة.

 كما أظهرت صور وتسجيلات تداولتها شبكات التواصل الاجتماعي، قيام شبان آخرين في مدينة بجاية بإتلاف صناديق وأوراق الاقتراع، الأمر الذي يوحي بإمكانية تكرار سيناريو الانتخابات الرئاسية الأخيرة، لما سجلت منطقة القبائل برمتها نسبة مشاركة لم تصل إلى الواحد في المئة، مما خدش شرعية الرئيس، وقد يخدش شرعية الدستور القادم، ويجعل المنطقة برمتها خارج المؤسسات التي تنوي السلطة الجديدة في البلاد إرساءها.

منطقة القبائل برمتها سجلت نسبة مشاركة لم تصل إلى الواحد في المئة
منطقة القبائل برمتها سجلت نسبة مشاركة لم تصل إلى الواحد في المئة

وجندت السلطة منذ انطلاق الحملة الدعائية للدستور المذكور، كل أذرعها السياسية والإعلامية وتنظيمات المجتمع المدني، من أجل حشد الشارع خلف الاستحقاق، حيث سُجل نزول الأحزاب الموالية لها والشخصيات المقربة منها أو الرسمية، إلى جانب التنظيمات المدنية إلى الميدان، رغم الظروف الصحية وذلك بغية إقناع أنصارها وأتباعها بالانخراط القوي في المسار المذكور. 

ولكن في المقابل، اشتكت القوى السياسية التي عبرت عن رفضها للدستور المقترح، من “انتهاك” ما أسمته بـ”حقها في تنظيم حملة مضادة تشرح خلالها لأنصارها وللرأي العام أسباب وخلفيات دعوتها إلى التصويت بـ”لا” خلال الاستحقاق الذي انطلق نهار أمس الخميس في المناطق النائية والمعزولة.

وكان على رأس هؤلاء أكبر حزبين سياسيين في التيار الإخواني، وهما حركة مجتمع السلم وجبهة العدالة والتنمية، اللذان عبرا عن امتعاضهما من “استمرار السلط الإدارية في الإشراف وتنظيم الانتخابات، رغم وجود هيئة عليا مستقلة لتنظيم الانتخابات، وأن المستجدات أثبتت عدم جدواها بسبب هيمنة الإدارة والتوجيهات الخفية للمسار السياسي”. 

وشكل قائد أركان الجيش الجنرال سعيد شنقريحة، علامة فارقة في المشهد الجزائري، بعدما خاض حملة دعائية صريحة ومباشرة وسط مؤسسات وهياكل المؤسسة العسكرية، لحض المنتسبين على تزكية الدستور، الذي وصفه في أكثر من مرة بـ”المنعرج المصيري في مسار الجزائر”، رغم خطاب “الحياد وعدم الانجرار في التجاذبات السياسية الذي روجت لها قيادة الجيش في وقت سابق”. أما الحزب الحاكم، جبهة التحرير الوطني، فقد اعتبره “الآلية الوحيدة من أجل إرساء قواعد الجزائر الجديدة، وإقامة دولة الحق والعدل والقانون، وإحداث القطيعة مع نظام العصابة”، حسب ما ورد في أكثر من تصريح لأمينه العام أبوالفضل بعجي.

وفي ظل غياب مراكز سبر الآراء في البلاد، تبقى توجهات الرأي العام المحلي وموقفه من الدستور مجهولة لدى المتتبعين، ولو أن العديد من المؤشرات توحي إلى تسجيل مقاطعة واسعة للاستفتاء على غرار الانتخابات الرئاسية الأخيرة، خاصة في ظل استمرار حالة الاحتقان السياسي والاجتماعي في البلاد، وتوسع الهوة بين الشارع والسلطة.

ووسط دعوات الرفض التي أطلقها موالون سابقون للسلطة الجديدة بقيادة الرئيس عبدالمجيد تبون، يبدي الموالون تفاؤلا حول تزكية منتظرة للوثيقة، مستندين في ذلك إلى ثقل الإدارة التي ظلت لاعبا فاعلا في تحديد مخرجات الاستحقاقات الانتخابية، وإلى غياب تقاليد قلب الطاولة الانتخابي على مشاريع السلطة.

الاستفتاء  يجري في أجواء استثنائية بسبب القلق من تفشي الوباء، وغياب تبون، الذي نُقل لألمانيا لإجراء فحوصات طبية

وتعمدت السلطة اختيار الفاتح من نوفمبر لإجراء الاستحقاق، لشحذ تفاعل الجزائريين مع رمزية عيد ثورة التحرير الذي يصادف نفس اليوم، رغم الانتقادات التي وجهت لها من طرف المعارضة السياسية، بدعوى أن “الرصيد التاريخي هو ملك لكل الجزائريين وليس لفئة معينة”.

واعتبر حزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية، في بيان له، “اختيار عيد الثورة لتنظيم الاستفتاء، تجنيا على الذاكرة الجماعية، وتوظيفا سياسيا للذكرى بشكل يسيء للمخيال الجماعي للشعب، خاصة في ظل نية السلطة للمرور بقوة إلى ما بعد الدستور”، أما حزب العمال فقد وصفه بدوره على لسان أمينته العامة لويزة حنون، بـ”الخطر الجديد على البلاد”.

وبموازاة ذلك، انخرط تكتل “البديل الديمقراطي” المعارض، في خيار مقاطعة الاستفتاء، معتبرا إياه “أسوأ دستور سيمرر رغم إرادة الشعب من أجل استمرار النظام القائم في مواقعه”.

4