انعدام الثقة يعرقل توحيد الجهود الأوروبية لمواجهة الإرهاب

الثلاثاء 2015/07/21
خلافات في طريق التعامل مع الخطر الإرهابي الذي يهدد التكتل الأوروبي

تبذل دول الاتحاد الأوروبي جهودا حثيثة لتقوية جبهتها الداخلية لمواجهة الإرهاب، باتّخاذ سياسات أمنية جديدة يتضمن بعضها تبادل المعلومات مع دول الشرق الأوسط. وتسعى المفوضية الأوروبية إلى تعزيز عملية جمع وتبادل المعلومات داخل الاتحاد الأوروبي لكنها تصطدم بتحفظات النواب، في ظل جو من عدم الثقة. وهو ما دفع المفوضية لكي تدرج مسألة تعزيز الدفاعات الأوروبية على جداول أعمال اجتماعات بروكسل لعدّة مرّات منذ مطلع العام 2015، دون التوصل إلى نتيجة ملموسة.

وأكدت المفوضية الأوروبية على معالجة التّهديدات باعتماد إجراءات أمنية داخلية، وتبني علاقات مع بلدان أخرى في المنطقة وأفريقيا وآسيا. كما أعلن رئيس المفوضية، جان كلود يونكر، عن عزمه اقتراح برنامج جديد لمكافحة الإرهاب على الدول الأعضاء في أعقاب حادثة صحيفة “شارلي إيبدو” في باريس، لكن الجهود مازالت فردية ولم تتسم بالجهد الجماعي.

وتوضّحت هذه التّوجهات الفردية باعتماد بعض دول أوروبا سياسات جديدة لمكافحة الإرهاب دون العمل على مزيد توحيد الجهود، حيث طرحت بريطانيا قانونا جديدا لمكافحة الإرهاب في 27 مايو 2015، قال المتحدّث الرسمي باسم الحكومة البريطانية إنّه يشمل تقييد ومنع الأشخاص الذين يعملون على التأثير على الشباب وتحويلهم إلى متطرّفين. ويسمح القانون الجديد بإغلاق المقرات والأماكن التي تستخدم للدعاية “الجهادية” ومنها الجمعيات “الإسلاموية”.

أمّا فرنسا فقد اعتمدت قانونا جديدا حول الاستخبارات قبل إقراره من مجلس الشيوخ، خلال شهر مايو من هذا العام 2015. ويسمح هذا القانون بتزويد أجهزة الاستخبارات الفرنسية الستة بوسائل إضافية تتلاءم مع التقنية الحديثة، وقادرة على مراقبة المتشددين المحتملين دون المرور بالقضاء، وقد اعتبرته الحكومة خطوة لتقليص الإجراءات القضائية.

بدورها اتخذت ألمانيا جملة تعديلات قضائية تمنح الاستخبارات الخارجية والداخلية صلاحيات الحد من الترويج إلى تنظيم داعش. وفرضت قوانين حضر الترويج إلى الجماعات الإرهابية عبر وسائل التواصل الاجتماعي أو المراكز “الإسلاموية”. ودفاعا عن هذه السياسة، نفى وزير العدل الألماني، هايكو ماس، أن تكون الإجراءات القانونية الجديدة أمرا مبالغا فيه، معتبرا أنها تقع ضمن إجراءات دولية لمكافحة الإرهاب.
أما هانز غيورغ ماسن، رئيس وكالة المخابرات الداخلية الألمانية فقد أعلن بدوره “أنّ ألمانيا بحاجة إلى ترابط على المستوى الدولي”. ويجرم القانون الألماني الجديد التخطيط للالتحاق بمقاتلين في الخارج أو جمع تبرعات لهم.

وتبنت بعض دول أوروبا سياسات جديدة وأخرى تدعو إلى تغير القوانين والسياسات القديمة، كونها أصبحت لا تتماشى مع حجم التهديدات وتقنيات الإرهاب الحديثة. فقد أعلنت السويد عن عزمها تغيير استراتيجيتها لمكافحة الإرهاب لعام 2015، بعد الكشف عن ارتباط مواطنين سويديين ولاجئين حصلوا على الإقامة بجماعات متطرفة في سوريا والعراق من بينهم عدد من الفتيات.

وقال وزير الداخلية السويدي، أندرش إيغمان، إن “حكومة بلاده تعتزم وضع استراتيجية جديدة لمنع الإرهاب ومكافحته في السويد”، مشيرا إلى أن” الاستراتيجية الوطنية الحالية لمكافحة الإرهاب التي أقرت عام 2012، قد مضى عليها الزمن”.

بدورها اعتمدت بعض الدول العربية قوانين جديدة لمكافحة الإرهاب أبرزها تونس ومصر، اللتان تواجهان تصعيدا في نسق العمليات الإرهابية. أما العراق وسوريا واليمن وليبيا ودول أخرى فمازالت تعاني من الفوضى وغياب الأمن وقصور استراتيجيات مكافحة الإرهاب.

وتضمنت جميع قوانين مكافحة الإرهاب الجديدة، سواء الأوروبية أو العربية، بنودا تشرع تبادل المعلومات والتعاون الاستخباري من أجل تتبع المطلوبين، وهو توجه يوصف بالجديد. وقال حيدر العبادي، رئيس الحكومة العراقية، خلال لقاء سابق جمعه بالمستشارة الألمانية أنغيلا ميركل في برلين، “إنّ التعاون مع جهاز الاستخبارات الخارجية لألمانيا جيد للغاية”، لافتا إلى “أنّ العراق يزوده بأرقام الهواتف التي يستخدمها الألمان الذين يقاتلون لحساب تنظيم داعش في الاتصال بألمانيا”.

وعلى الرغم من أنّ دول الاتحاد الأوروبي قد اكتشفت أنه من الصعب مواجهة الأخطار الإرهابية، سواء على الأرض أو في المجال الرقمي دون توحيد الجهود الاستخبارية والتنسيق المتقدّم، إلاّ أنّ فكرة تشكيل جهاز استخباراتي موحد داخل أوروبا على غرار الشرطة الأوروبية مازالت خيارا صعبا. وتكمن المشكلة في انعدام الثقة بين الدول الأوروبية، خاصة في ظل الاتهامات المتبادلة القائمة بينها بالتجسس. وما يزيد المسألة تعقيدا هو عقد دول أوروبا لاتفاقات أمنية وتبادل معلومات استخبارية ثنائية مع الولايات المتحدة ودول أخرى، وهذه الاتفاقات تعرقل جهود التعاون وتزعزع ثقة البلدان الأوروبية فيما بينها. وتعتبر ألمانيا مثالا على ذلك، حيث أنّ تعاونها الاستخباري مع وكالة الأمن القومي الأميركية، أحرجها أمام باقي دول الاتحاد الأوروبي التي اتهمتها بالتجسس لصالح أميركا.

وقد كشفت العديد من التقارير أنّ أجهزة الاستخبارات في الدول الأوروبية تتنصت على بعضها البعض، وهو ما يزيد من صعوبة تشكيل جهاز استخبارات أوروبي موحد.

باحث في قضايا الإرهاب والاستخبار

6