انعطافة قريبة في الاقتصاد التونسي

الاثنين 2014/06/16

عدت توا من زيارة الى تونس، وكان الانطباع الأول الذي صاحبني منذ الدقائق الأولى وحتى الدقيقة الأخيرة من الأيام الثمانية التي قضيتها هناك، هو أنني فوجئت بأن أوضاع البلاد أفضل بكثير مما كنت أخشاه بعد 3 سنوات من الاضطرابات والصراع السياسي وأعمال العنف.

حاول أصدقائي التونسيون وبعض الأصدقاء العرب المقيمين في تونس تصوير الأمور على أنها أسوأ بكثير مما تبدو لي في الانطباع الأول، لكنهم لم يتمكنوا من تغيير ذلك الانطباع بدرجة كبيرة.

هناك هبوط كبير في معنويات التونسيين وثقتهم بالحكومة وبمستقبل الاقتصاد، ولكن معظم لومهم يذهب الى بعض الأطراف السياسية وخاصة جماعات الاسلام السياسي وحركة النهضة تحديدا.

الانطباع الاول يظهر بوضوح أن بنية الأجهزة والمؤسسات الحكومية لا تزال في مكانها رغم ما تسلل إليها من الترهل والتسيب. كذلك العمود الفقري للنشاط الاقتصادي ولسيادة الدولة والأمن والخدمات العامة لا تزال مقبولة رغم الوهن والكسل المبرر الذي أصابها.

ما يعزز التفاؤل هو أن الأزمة السياسية شهدت انعطافة كبيرة بانسحاب حركة النهضة من الحكومة بعد أن تأكدت من رفض أغلبية كبيرة من التونسيين لسياساتها، إضافة لتداعيات الانعطافة الكبيرة التي حدثت في مصر وفي سياسات دول الخليج تجاه جماعات الإسلام السياسي.

تلك الانعطافة تمثل خروجا نوعيا من عنق الزجاجة تبدو ملامحه واضحة من خلال الهدوء النسبي الذي يسود البلاد منذ أشهر.

العامل الحاسم الذي يمكن أن يبدأ الخطوات النوعية لانطلاق النمو الاقتصادي هو تزايد ثقة المستثمرين الأجانب والمؤسسات المالية الدولية بأن البلاد تتجه للاستقرار السياسي والأمني، بما يسمح تدريجيا بضخ الأموال فيها دون الخشية من إمكانية ضياعها.

ويمكن أن نتخذ من مصر مثالا. فالانعطافة التي شهدتها مصر لم تكن تكفي لطمأنة المستثمرين العرب والأجانب، ولا حتى رأس المال المحلي، قبل عبور الخطوات الحاسمة في خارطة الطريق.

بل إن الكثير من المستثمرين المحليين والعرب والأجانب قد يواصلون الانتظار لحين اتمام الخطوة الأخيرة بإجراء الانتخابات البرلمانية وتشكيل حكومة دائمة في مصر للشعور باطمئنان أكبر لوضع أموالهم فيها.

لذلك فإن الاستثمارات الأجنبية والعربية والمساعدات الفنية والمالية من قبل الدول والمؤسسات المالية العالمية قد لا تبدأ بالتدفق على تونس أيضا لحين عبور الخطوات الانتقالية وإجراء انتخابات وقيام حكومة تملك الصلاحيات والإرادة السياسية لتقدم ضمانات للمستثمرين والمجتمع الدولي.

هناك امكانات واسعة في تونس وهي تمتد من مستوى التعليم وتوفر الأيدي العاملة واستقرار المجتمع المدني وصولا الى المقومات السياحية والصناعية والتجارية.

تجربة الثورة الاقتصادية التي يشهدها المغرب يمكن أيضا أن تقود بعض التوقعات في تونس، حيث أدى الاستقرار السياسي والإصلاحات الاقتصادية على مستوى التشريع الى تحويل البلاد خلال سنوات قليلة الى قبلة للاستثمارات الاقتصادية في كافة المجلات.

بل تحول المغرب الى محرك كبير للتنمية الاقتصادية في عدد كبير من دول قارة أفريقيا.

وهنا تأتي الدلالات الكبيرة لزيارة العاهل المغربي الملك محمد السادس الى تونس، والتي سارع إليها فور ظهور بوادر الاستقرار فيها، لأنه رأى الامكانات الواسعة التي يمكن تقدمها تجربة المغرب الاقتصادية لتونس، بسبب التشابه الكبير في المقومات الاقتصادية والاجتماعية بين البلدين.

تفاؤل الانطباع الأول الذي خرجت به من زيارة تونس تؤيده الكثير من الأنباء الصغيرة ذات الدلالات الكبيرة، التي تأتي من إعلان بعض الاستثمارات في عدد من القطاعات، بينها قطاع الطاقة، وتصريحات بعض الزعماء الخليجيين والغربيين والمؤسسات المالية الدولية.

وسيتعزز ذلك التفاؤل إذا ما قطعت تونس خطوات إضافية في مجال الانتقال السياسي الديمقراطي خلال الأشهر المقبلة لترتفع الثقة بمستقبل تونس الى مستويات تكفي لوضع الاستثمارات فيها.

11