انعطاف تاريخي في علاقات المغرب بقارته الأفريقية

الجمعة 2016/12/30

تعكس جولات العاهل المغربي الملك محمد السادس الأفريقية خلال السنوات الأخيرة تحولا استراتيجيا نوعيا في سياسة البلاد الخارجية وفي عمقها القارة الأفريقية. إذ لم تعد هذه السياسة محكومة بأجندات بعض الأحداث والمتغيرات السياسية التي لا تستقر على قرار، وإنما أصبحت سياسة مستقلة بذاتها، تحكمها ثوابت تستند إلى تصور استراتيجي متكامل حول دور القارة المستقبلي وحول فعل المغرب في تحديد توجهات هذا الدور وتفعيله في مختلف المحافل الإقليمية والدولية.

انطلاقا من هذه الاستراتيجية تتم محاكمة كل السياسات الصديقة والمناوئة للمغرب داخل أفريقيا. وهذا ما يفسر التحول الجوهري في السياسات المغربية المباشرة الرامية إلى تطبيق مبادئ استراتيجية المملكة، حيث يتم التعامل مع المستجدات الموضوعية بشكل ملموس مرن وصارم، في الوقت نفسه. أي دون أن يدفع ذلك إلى تغيير في العناصر التأسيسية للاستراتيجية المبنية على ما هو ثابت ولا يتأثر إلى درجة التقلب بتقلبات مواقف تفصيلية لدى هذه الدولة أو تلك.

عندما حسم المغرب موقفه حول التحرك المستمر في مختلف فضاءات أفريقيا بما فيها تلك التي تجد فيها الدعاية المناهضة لمصالحه الاقتصادية والسياسية ولوحدته الترابية صدى كبيرا، قد وازن بين المصالح العليا للقارة الأفريقية التي ينتمي إليها والمصالح المختلفة للقوى المشكّلة لهذا الفضاء، بما في ذلك تلك التي يجد نفسه في تعارض معها على هذا المستوى أو ذاك، انطلاقا من قناعته بأن الدبلوماسية الحقيقية ينبغي أن تكون ذات نفس طويل، كما تفترض عدم تجاهل أي عنصر من عناصر بناء الثقة بين الشركاء الأفارقة على المستويات الاقتصادية والسياسية.

وهذا يعني أن الانطلاق من حسن النية هو أساس بناء شيء جديد في علاقاته الأفريقية كما دلت على ذلك التجربة الملموسة خلال ما يقارب العشرين عاما الأخيرة، حيث تغيرت خارطة العلاقات المغربية الأفريقية رأسا على عقب.

ولم يكن ممكنا تصور حدوث هذا التغير لو تم الإصرار على سياسة المقعد الشاغر وما يترتب عليه من ترك المجال مفتوحا أمام أعداء الوحدة الترابية ليصولوا ويجولوا ويزوروا الحقائق، كما هو دأبهم منذ أكثر من أربعين عاما داخل أفريقيا وخارجها.

علاوة على عداوات كان يمكن التخفيف من وطأتها على المغرب إذا لم يكن تفاديها، بصورة نهائية، ممكنا، ما دام المغرب ليس الفاعل الوحيد والأوحد على الساحة الأفريقية خاصة أنه مدرك تماما أن أعداء وحدته الترابية كانوا قد اتبعوا سياسة العزل المنهجي ومناهضة وحدته الترابية مستفيدين من غياب صوته داخل عدد من المؤسسات الأفريقية منذ انسحابه في ظروف خاصة من منظمة الوحدة الأفريقية عام 1984 احتجاجا على منح العضوية للكيان الصحراوي الوهمي الذي ترعاه الجزائر داخل المنظمة القارية الأفريقية في سياق هجوم سياسي دبلوماسي وعسكري منسق في مواجهة المغرب.

لكن اعتماد سياسة إعادة بناء العلاقات مع أفريقيا بشكل مثابر ومنهجي في عهد الملك محمد السادس أدى مع مرور الزمن ومراكمة المكتسبات إلى تغيير مجمل المعادلات على هذا المستوى.

لقد تغير الوضع على مستوى تزايد عدد الدول الأفريقية التي سحبت اعترافها بالدولة الصحراوية الوهمية، وكذلك عدد تلك التي جمدت اعترافها بها وبجبهة البوليساريو الانفصالية.

الأمر الذي دفع بالمغرب إلى اتخاذ الخطوة الضرورية في مثل هذه الظروف وهي العودة إلى ممارسة دوره المركزي داخل المنظمة القارية الأفريقية ومواجهة أعداء الوحدة الترابية وجها لوجه، داخل الاتحاد الأفريقي ذاته بعد أن فرضت الضرورة ذلك لفترة ما قبل حسم أمر هذه الدودية الزائدة داخل الجسم الأفريقي بشكل نهائي عندما تجتمع لذلك كل الظروف المطلوبة.

لقد تغير الوضع جذريا على مستوى فعل المغرب السياسي والاقتصادي داخل القارة الأفريقية كما يدل على ذلك تواتر عقد اتفاقات الشراكة والتعاون والاستثمار وتبادل الخبرات بين المغرب وبين دول أفريقية كانت إلى الأمس القريب أشبه بالحديقة الخلفية لأشد خصوم وحدة المغرب الترابية نشاطا وتأثيرا على جميع المستويات لا سيما بعد تمكن العاهل المغربي من إنجاز زيارات ناجحة بكل المقاييس السياسية والمعنوية والاقتصادية إلى دول مثل إثيوبيا ونيجيريا بالنظر إلى مواقفهما التقليدية التي أقل ما يقال عنها أنها كانت غير ودية على جميع المستويات وعلى مستوى قضيته الوطنية ودوره في أفريقيا على وجه الخصوص.

إن هذا التحول الجوهري قد دفع بمن تبقى من الخصوم الكبار للمغرب وفي مقدمتهم الجزائر وجنوب أفريقيا إلى محاولة تنظيم هجوم سياسي ودبلوماسي معاكس لكبح اندفاع المغرب على الصعيد الأفريقي. وقد تم اختيار العمل على عرقلة استئناف المغرب لدوره الطبيعي داخل المؤسسات الأفريقية وداخل الاتحاد الأفريقي قاعدة مركزية لذلك الهجوم. وليس هناك شك في أن كل المناورات التي تم اعتمادها إلى حد الآن في هذا السياق دالة على هشاشة استراتيجية الخصوم، إذ لا مستقبل لها خصوصا مع إصرار المغرب على اقتحام كل مجالات التعاون مع مختلف الدول الأفريقية وعدم الوقوع في سياسات ردود الفعل غير القادرة على الصمود بوجه حملات الخصوم المتواصلة.

وقد جاءت زيارة الملك محمد السادس إلى دول شرق أفريقيا الأساسية لتؤكد أن المغرب المؤمن باستراتيجية توطيد العلاقات جنوب-جنوب على قاعدة رابح-رابح، لم تعد مسألة مبدئية ونظرية فحسب، بل إنها تجد لنفسها التجسيد الملموس في العديد من الاتفاقات الاستراتيجية مع الدول الأفريقية الأساسية كتلك التي تم عقدها مع إثيوبيا حول مسألة الفوسفات واتفاقية العصر مع نيجريا لإقامة أنبوب نقل غاز نيجيريا الطبيعي إلى المغرب فأوروبا مرورا بعدد من الدول الأفريقية التي ستستفيد جميعها من هذا المشروع الضخم.

وفي الواقع فإن هذا المشروع يستحق معالجة خاصة لإبراز مدى أهميته بمختلف أبعاده السياسية والاقتصادية وطبيعة ردود فعل دول أفريقية لم تستسغ توصل المغرب مع نيجيريا إلى هذا الاتفاق المفصلي الهام على جميع مستويات الإنجاز وأفق الاستثمار.

كاتب مغربي

6