انعكاسات أزمة الثقة بين التونسي ورجل الأمن تتجاوز المواجهات في الشارع

الشعور بالنقمة ضد الشرطة يفاقم ظواهر الإرهاب والهجرة والجريمة المنظمة.
الأحد 2021/06/20
عنف وعنف مضاد

تتجاوز انعكاسات أزمة الثقة بين التونسي ورجال الأمن في البلاد صور المواجهات في الشارع، إذ باتت هذه الظاهرة سببا في تفاقم الإرهاب والهجرة والجريمة المنظمة لتتحول بذلك إلى آفة شائكة تؤرق الحكومات المتعاقبة في البلد.

تونس - تؤجّج الانتهاكات الأمنية والاعتداءات المتواصلة على الشباب في تونس، الشعور بالنقمة و”الظلم” لدى الفئات المضطهدة والتي تعاني من قسوة ظروف الحياة الاجتماعية المدفوعة بواقع البطالة والتهميش والإقصاء الذي كرسته مكونات المشهد السياسي، ما يجعلها لقمة سائغة للشبكات الإرهابية الساعية لاستقطابها.

ويجمع الخبراء والمختصون على أن تواتر الاعتداءات الأمنية على الشباب والقصّر خلق واقعا متوترا وصدّع العلاقة بين المدني والأمني، ما يفاقم ظواهر الإرهاب والهجرة والجريمة المنظمة التي عمّقت أزمات التونسيين.

وأفاد أستاذ علم الاجتماع مهدي مبروك، أن “الاعتداءات الأمنية على التونسيين مثل حادثة سيدي حسين بالعاصمة أين تم سحل وتعنيف شاب قاصر من قبل القوات الأمنية، تفقد الشباب الثقة في المؤسسة الأمنية، ويتحوّل الأمني إلى عدوّ ما يمثّل وترا حساسا تشتغل عليه الجماعات الإرهابية”.

وأضاف في تصريح لـ”العرب”، أن “التوتّر القائم الآن يولّد شعورا بالنقمة والسخط وبعدم الثقة في رجل الأمن، ما يعزّز إلى جانب مناخ الفقر والبطالة والتهميش، مظاهر الهجرة غير النظامية، والجريمة المنظمة وغيرهما”.

وشهدت العاصمة تونس مواجهات بين قوات الأمن والمئات من المحتجين، على خلفية حادثة وفاة أحد الشبّان بُعيد توقيفه، وسحل شاب قاصر وتجريده من ملابسه من قبل عناصر الأمن في ضاحية سيدي حسين بالعاصمة تونس.

وتواجه شبّان مع عناصر من الشرطة مساء السبت في ضواحي تونس العاصمة، بعد ساعات قليلة على خروج تظاهرة ضدّ الحكومة وعنف الشرطة في شارع الحبيب بورقيبة في قلب العاصمة، حيث طالب المحتجون باستقالة رئيس الحكومة هشام المشيشي.

 100 ألف تلميذ ينقطعون سنويا عن الدراسة ويكونون عرضة لمخاطر الشارع والإرهاب

وألقى العشرات من الشبّان مقذوفات ومفرقعات على الشرطة، التي أطلقت الغاز المسيل للدموع بالقرب من مركز للشرطة في منطقة سيدي حسين.

وأثار مقطع فيديو انتشر على مواقع التواصل الاجتماعي يظهر قاصرا أوقف الأربعاء، عاريا ويتعرّض للضرب، قبل أن يقتاده أشخاص يُعتقد أنّهم شرطيّون بثياب مدنيّة نحو سيّارة للشرطة، غضبا في الشارع التونسي.

وقالت الوزارة إنّ تحقيقا ثانيا فتح لتحديد المسؤوليّات عن “الانتهاكات المرتبطة” بهذه الواقعة، فيما حمّلت 43 منظمة من منظمات المجتمع المدني التونسي رئيس الحكومة في بيان لها “مسؤولية الانحراف بالمؤسسة الأمنية”.

واعتبرت شخصيات حقوقية، أن سياسة التهميش والإقصاء التي تنتهجها الدولة ضد الأحياء الشعبية، مع تفاقم مظاهر الفقر والبطالة من شأنها أن تجعل شبابها قنابل موقوتة قابلة للانفجار الاجتماعي في ظل الانتهاكات الأمنية ومضايقات بعض الأمنيين، وعرضة للاستقطاب بسهولة من الجماعات المتطرفة.

وأكّد رئيس الرابطة التونسية لحقوق الإنسان جمال مسلمي أنه “وقع مواكبة العديد من القضايا في علاقة بالتعاطي الأمني مع الاحتجاجات الاجتماعية وغيرها، وسجلنا جملة من الانتهاكات والتجاوزات”.

وقال في تصريح لـ”العرب”، “السياسة المنتهجة من الدولة بصدد إخفاء الانتهاكات المسجلة على غرار ما وقع مؤخرا في منطقة سيدي حسين وأظهر مقطع الفيديو المصور عكس ما جاء في بيان وزارة الداخلية”.

وتر حساس يغذي الإرهاب

فؤاد غربالي: الحركات الجهادية تستغل مشاعر الغضب وتسعى لأدلجتها دينيا
فؤاد غربالي: الحركات الجهادية تستغل مشاعر الغضب وتسعى لأدلجتها دينيا

تطرّق مسلمي إلى أنه “بقطع النظر عن التعاطي الأمني، وقع خلال شهر يناير الماضي توقيف قرابة ألفي شاب أعمارهم لا تتجاوز 18 سنة على خلفية الاحتجاجات الليلية، ما ولّد شعورا بانعدام ثقة لدى الشباب في الدولة، وبالتالي سيكونون عرضة للهجرة وشبكات المخدرات والإرهاب التي تستغلّ تردي الأوضاع النفسية للشبان”.

وأشار إلى أن الرابطة “نبّهت منذ مدة من أن الأحياء الشعبية بمثابة قنبلة موقوتة بسبب الفقر والبطالة والتهميش، حيث ينقطع 100 ألف تلميذ عن الدراسة سنويا ويكونون عرضة للاستقطاب من مخاطر الشارع والإرهاب والجريمة”.

ويرى علماء الاجتماع أن الاعتداءات الأمنية على الشباب من شأنها أن تؤجّج الشعور بالنقمة، وتعكّر صفو العلاقة بين المواطن والمؤسسة الأمنية، فضلا عن كونها تخلق مناخا متوترا وحالة من الارتباك والفوضى الاجتماعية، تسهّل عمل الشبكات الإرهابية في استقطاب الشباب، مع ارتفاع منسوب العنف والجريمة المنظمة والهجرة غير النظامية نحو أوروبا هروبا من الوضع المتردي.

وأفاد المتخصص في علم الاجتماع الدكتور فؤاد غربالي، أن “المعطيات الموجودة حاليا وتوتّر العلاقة بين المواطنين والأمن قد يغذّيان ظاهرة الإرهاب، حيث تستغل الحركات الجهادية مشاعر الغضب والكره وتسعى لأدلجتها وتحويلها إلى أدوات مضادة بمنطق ديني وأيديولوجي”.

وأضاف في تصريح لـ”العرب”، “أصبح هناك شعور بعدم الأمان لدى الشباب بمفهومه الاقتصادي والسياسي والاجتماعي، ما يدفع بكثير من الفئات إلى خيار الهجرة غير النظامية والجريمة المنظمة، والانخراط في شبكات إرهابية”.

وقال غربالي “الشخص الذي يهرب من الواقع التونسي وكأنه خرج من جحيم، ولكنه خرج من سجن ودخل آخر، وهو سجن البطالة والفقر والانتقام والهشاشة الاجتماعية، لأننا نعيش في ديمقراطية غير عادلة”.

وبدوره قال عادل الحاج رحومة، الباحث في علم الاجتماع والمتخصص في السلفية والحركات الجهادية، إن “هناك إمكانيات موضوعية لتنامي ظاهرتي الإرهاب والهجرة نحو أوروبا، نظرا لارتفاع منسوب خيبة الأمل والإحباط عند الشباب وانسداد الأفق أمامه”.

عادل الحاج رحومة: الشبكات المتطرفة تستثمر في البؤس والنقمة والعنف سيرتفع
عادل الحاج رحومة: الشبكات المتطرفة تستثمر في البؤس والنقمة والعنف سيرتفع

وبيّن في تصريح لـ”العرب”، أن “الإرهاب تراجع وانكشف سرّه بالنسبة إلى الشباب، لكن الشبكات المتطرفة تستثمر في البؤس والنقمة وحتى الجائحة الصحية، ومنسوب العنف سيرتفع تبعا لذلك”.

وتابع “العنف الذي نراه في الشارع والجرائم الفظيعة دليل على أن هذا المجتمع أضاع بوصلته، علاوة عن الأداء السيء لبعض الأمنيين الذي خلق فضاء متوتّرا”، قائلا “في تقديري حتى المنظومة الأمنية في حاجة إلى أن تتغذى أكثر بالقيم المدنية”، لافتا إلى أن “الشعور بالدونية والاحتقار أصبح حاضرا بقوة حتى في أغاني الراب المنطلقة أساسا من معاناة الشباب في الأحياء الشعبية”.

وبخصوص أساليب استغلال الحركات الجهادية للشباب، قال الباحث في علم الاجتماع، إن “التنظيمات الإرهابية تحاول أن تستثمر في الخطاب الديني، ولها قدرات مالية في شراء ذمم هؤلاء وتوظيف تلك النقمة في مافيات الإرهاب والمخدرات”.

واعتبر أن “الدولة برهنت في السنوات الأخيرة على فشلها في احتواء الأزمات ومعالجة الظواهر الخطيرة كالإرهاب والهجرة والجريمة”.

وساهمت ضبابية المشهد السياسي بكل عناصره وخطاباته “العنيفة” بطريقة أو بأخرى في إرساء “حواضن” للإرهاب فكرا وانتماء. ومنذ العام 2011 تعاقبت تسع حكومات على السلطة ولم يدم بعضها إلا لشهور قليلة بسبب التجاذبات والصراعات.

وكان المرصد السوري لحقوق الإنسان قد كشف في أغسطس الماضي عن “وصول 10 آلاف مقاتل إلى ليبيا، بينهم 2500 من حاملي الجنسية التونسية”.

ويكشف تقرير فريق خبراء الأمم المتّحدة حول استخدام المرتزقة، المنشور في يوليو 2015، عن وجود أكثر من 5000 تونسي في ساحات الحرب المختلفة.

وفي ما يتعلق بالهجرة غير النظامية، أظهرت بيانات وزارة الداخلية أن حوالي 13 ألف مهاجر هبطوا على سواحل إيطاليا منذ بداية 2021 وحتى العاشر من مايو الماضي، ما سجل ارتفاعا في أعداد المهاجرين بـ4184 قياسا مع نفس الفترة من العام الماضي.

كما أثار العنف الإجرامي وجرائم السطو المسلح والقتل والتعنيف جدلا واسعا في تونس، وكشفت هذه الظواهر كمية العنف التي تنخر المجتمع، وارتفع منسوب العنف الإجرامي في سنة 2020 بنسبة 63.3 في المئة مقارنة بما كان عليه في سنة 2019 ليتصدر خلال السنة المنقضية أبرز أنواع العنف بنسبة سنوية تبلغ 59.3 في المئة.

وحسب التقرير السنوي حول العنف لسنة 2020 الذي أعده المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية تصدر العنف الإجرامي أبرز أشكال العنف للمرة الثانية على التوالي يليه العنف الانفعالي بنسبة 11.2 في المئة فيما يحتل العنف الجنسي المرتبة الثالثة لأبرز أنواع العنف في سنة 2020 بنسبة 10.1 في المئة، حيث سجل منسوبه ارتفاعا بنحو 34.6 في المئة مقارنة بسنة 2019.

تصدير العنف السياسي إلى الشارع

Thumbnail

خلقت الأزمات الاجتماعية والسياسية التي تعيشها البلاد منذ فترة، مناخا غير مستقر تغذيه الصراعات والتجاذبات في أعلى هرم السلطة، حيث سرعان ما انعكست تداعياته على الفئات الشعبية، فضلا عن اصطدام الشباب بصعوبات معيشية ومطبات عدة سنحت بممارسة العنف.

وتبعا لذلك، ارتفعت نسب البطالة والفقر التي عسّرت معيشة التونسيين وأثرت على قدرتهم الشرائية.

وأسفرت الانتخابات التشريعية لعام 2019 في تونس عن برلمان منقسم. ولم يحرز البرلمان أي تقدم في إصلاح القوانين التي تنتهك حقوق الإنسان أو تهددها بل إنه لم يفكك ظاهرة استخدام القوة وإنفاذ القوانين في ما يتعلق بالمظاهرات والاحتجاجات.

كما لم يتم التوصل إلى اتفاق بشأن تعيين أعضاء المحكمة الدستورية لاسيما القضاة في المحكمة الدستورية، والتي يمكن أن تلعب دورا محوريا في ضمان توافق القوانين مع الحقوق المكفولة في دستور 2014. وجدد الرئيس قيس سعيد، حالة الطوارئ.

ويتعرّض التونسيون بصفة متواصلة حسب تقارير منظمات حقوق الإنسان إلى خطر الملاحقات الجنائية من حين لآخر بتهمة “التشهير” وجرائم أخرى متعلقة بالتعبير، كما يواجه المتظاهرون القوة المفرطة من قبل الشرطة.

وبالتالي تمثل ظاهرة العنف المفزعة وأزمة الثقة بين التونسي ورجل الأمن تحديا مؤرقا للحكومات نظرا لتوليدها لإشكاليات أكثر فظاعة.

وبلغ عدد العاطلين عن العمل 742.8 ألف شخص من إجمالي السكان النشطين الذين يفوق عددهم 4.1 مليون شخص، فيما ارتفعت نسبة البطالة إلى 17.8 في المئة خلال الثلاثي الأول من السنة الحالية وفق أرقام المعهد الوطني للإحصاء.

توتّر العلاقة بين المواطنين والأمن يغذّي ظاهرة الإرهاب، حيث تستغل الحركات الجهادية مشاعر الغضب والكره وتسعى لأدلجتها وتحويلها إلى أدوات مضادة بمنطق ديني وأيديولوجي

وتؤكد البيانات الرسمية لوزارة الشؤون الاجتماعية في تونس أنّ نسبة الفقر تُقدر حاليا بحوالي 15.2 في المئة.

ولدى تونس التزامات قانونية تجاه المجتمع الدولي ويخالف القمع المستمرّ ضد النشطاء والمتظاهرين وانتهاك حقوقهم الأساسية، منها حقّهم في الخصوصية والسلامة الجسدية وحرية التنقّل والتعبير، وتكوين الجمعيات، والتجمّع السلمي، بما في ذلك على الإنترنت، وحقّهم في عدم التمييز ضدّهم وفي الحماية بموجب دستور البلد والمعاهدات الدولية التي هي طرف فيها.

ويصون الفصل 37 من الدستور التونسي للعام 2014 الحقّ في “التظاهر والتجمّع السلميَين”، كما يحمي هذا الحقَّ “العهد الدولي الخاصّ بالحقوق المدنية والسياسية”، و”الميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب”، و”الميثاق العربي لحقوق الإنسان”، وتونس دولة طرف في هذه المعاهدات.

ويتيح الدستور حضور محامٍ خلال الاستجوابات ويستلزم مثول المعتقلين أمام النائب العام في غضون 48 ساعة وإطلاعهم فورا على سبب اعتقالهم، والسماح لهم بالاتصال بمحامٍ وفرد من أسرتهم. ويحظر الدستور أيضا “التعذيب المعنوي والمادي”.

ويعكس دستور تونس للعام 2014 أيضا الحقّ في الخصوصية وعدم التمييز، إذ يلزم الفصل 24 الحكومة على حماية حقوق الخصوصية وعدم انتهاك حرمة المسكن. كما ينصّ الفصل 21 على أنّ “المواطنين والمواطنات متساوون في الحقوق والواجبات، وهم سواء أمام القانون من غير تمييز”.

ولا تزال إساءة استخدام الشرطة وقوات الأمن للسلطة مشكلة خطيرة في تونس، لاسيما في ظل حالة طوارئ مستمرة منذ نوفمبر 2015، واتسمت هذه الفترة بالملاحقة القضائية لكاتبي الخطابات السلمية على شبكات الإنترنت وخارجها، بالإضافة إلى الاعتداءات على الصحافيين واعتقالات الشرطة التعسفية والعديد من الحالات الوحشية والتعذيب على أيدي الشرطة.

7