انغلاق أبواب العالم بوجه الفاسدين

الثلاثاء 2016/05/24

ستكون لقمة الفساد التي عقدت في لندن مؤخرا تبعات كثيرة على طبيعة العمل السياسي في بلدان العالم وخاصة بلدان الشرق الأوسط مثل العراق. فقد مهّدت القمة الطريق أمام إغلاق معظم أبواب العالم بوجه الساسة الفاسدين في المستقبل، حيث لن يكون بإمكانهم التمتع بالأموال المنهوبة مثلما كان يحصل في العقود الماضية.

فقد أدرك العالم وبالنص الحرفي لبيان القمة أن “الفساد هو أساس الكثير من المشاكل التي يواجهها العالم”، وينبغي التغلب عليه إذا أراد العالم أن يهزم الإرهاب والتطرف.

المنطق البسيط يثبت أن الفساد هو فعلا أخطر من الإرهاب لأن الأخير ما كان لينشأ لولا الفساد. والدليل أن معظم البلدان التي تفجّر فيها الإرهاب كانت مرتعا للفساد.

الزعماء والعديد من المسؤولين ورؤساء المؤسسات المالية العالمية، تعهّدوا بإنشاء مركز دولي لمكافحة الفساد وتبادل المعلومات حول ملكية الشركات وإجبار المشترين الأجانب على الكشف عن المصدر الأصلي للأموال التي اشتروا بها أي أصول.

هناك مؤشرات كثيرة صدرت عن معظم الدول الغربية وحتى الدول الخليجية مثل الإمارات، تؤكد أنها تملك سجلات ومعلومات عن جميع أموال الساسة الفاسدين، وأنها مستعدة للتعاون من أجل إعادتها في حال قيام حكومة شرعية مستقرة.

المثال الأكثر وضوحا للفساد في العالم هو العراق، بسبب الحجم الهائل للأموال التي تمت سرقتها على مدى أكثر من 13 عاما. يمكننا أن نتخيّل صعوبة التعامل مع أموال أولئك الفاسدين من قبل تلك البلدان، ما داموا في هرم السلطة. فمع أي سلطة ستتعامل تلك الدول الأجنبية للتحقيق وإثبات أنها مسروقة، وإلى أي سلطة سيعيدونها في ظل وجود المسؤولين الفاسدين في السلطة؟

لا بد إذن من الانتظار إلى حين قيام حكومة مستقرة تحظى بالثقة ولا تضم أولئك الفاسدين، كي تطلب رسميا من دول العالم التحقيق والبحث عن الأموال المنهوبة. على المدى القصير قد يؤدي انغلاق الأبواب أمام الفاسدين إلى تمسّكهم أكثر بالسلطة بسبب عدم وجود أي حياة بعدها. وقد يعقّد ذلك الأزمة السياسية الحالية ويبقيها في انسداد الأفق الحالي، لأن أولئك الساسة لا يملكون أي ملاذ آمن، وسوف يواصلون المواجهة حتى الموت.

يصعب أن نتخيل أين يمكن أن يلجأ الساسة العراقيون للعيش إذا ما خرجوا من السلطة وقامت حكومة مدنية مسؤولة، وبدأت بمراجعة السجلات التي تبخرت منها مئات المليارات من الدولارات.

لا يمكن أن نتخيل أي بلد يمكن أن يحمي أولئك السياسيين ويقاوم مطالب حكومة عراقية مدنية ومسؤولة ومستقرة ومدعومة من قبل المجتمع الدولي والمؤسسات المالية العالمية.

قد يقول البعض إن الساسة الفاسدين من الأحزاب الطائفية قد يلجأون إلى إيران، لكن مشكلتهم أن معظم غنائمهم وضعوها في أوروبا وأميركا وبيروت ودبي، بل إن إيران لن تستطيع مقاومة تسليمهم إذا كانت تريد التعامل مع دول العالم والمؤسسات المالية العالمية.

وهناك حادث شهير تداولته الأنباء عن أحد السياسيين العراقيين الفاسدين الذين منعتهم الإمارات من دخول البلاد، فكان يتوسل ويقول إن لديه استثمارات كبيرة فيها. وتؤكد الكثير من المؤشرات على أن الكثير من دول المنطقة والعالم تنتظر قيام سلطة شفافة ومستقرة للتعاون معها في إرجاع ما تثبت الحكومة العراقية أنه سرق بطريقة غير مشروعة.

خلاصة القول إن أبواب العالم بدأت تنغلق بوجه الفاسدين، وقد نصل في يوم قريب إلى أن الساسة لن يفكروا في السرقة بهذه الطرق الجشعة، لأنهم يعرفون مسبقا أنهم لن يستطيعوا إخفاء الأموال أو التنعّم بها في وقت لاحق.

ولو كان لدى أي سياسي يود مواصلة الحياة بعد أن تلفظه حلبة السياسة أيّ حكمة، فإن عليه أن يفكر اليوم بأن مكاشفة دولته وإرجاع جميع الأموال المنهوبة، هما السبيل الوحيد لكي يتمكن مستقبلا من مواصلة الحياة كمواطن عادي. وقد أعلنها صراحة وزير الخارجية الأميركي جون كيري حين قال إن قمة لندن ستكون “البداية لشيء مختلف وأنه لن يكون هناك ملاذ آمن للفاسدين بعد اليوم”.

11