انغلاق النقد الأدبي وطلْسمة نصوصه

السبت 2015/03/07

ليس لأيّ نصّ نقديّ جدير بالانتماء إلى النّقد الأدبي التطبيقيّ إلّا أنْ يتأسّس على السّعي الجاد إلى اكتشاف ما يكتنزه النّص الإبداعيّ المنقود من سمات أسلوبية، وعوالم تخيلية، ومميزات بلاغية، وخصائص تكوينية جمالية، ورؤى استشرافية، ومعان ودلالات، ليضيئها جميعا أمام القارئ المتطلّع إلى قراءة نصّ نقديّ يحفّزه على قراءة نصّ إبداعيّ معيّن، أو يفتح أمام خطوه منافذ جديدة تأخذه لتجوال جديد مفعم بالثّراء في رحاب نصّ إبداعيّ كان قد قرأه من قبل، وذلك على نحو يضيء في مخيلته الرّائية مسارات هذا النّص ومساربه، ويستحثّ قواه المدركة على التقاط ما فيه من تميّز إبداعيّ وجمال فنيّ وثراء دلاليّ، وتعرّف ما يعتوره من خلل أو نقص أو قصور، على أيّ من مستويات التكوين الجماليّ والتشكيل الدّلالي وعلاقاتهما المتراكبة والمتواشجة في صيرورة مفتوحة على ما لا يتناهى من القراءات والتأويلات التي يقترحها أيّ عمل إبداعيّ أصيل.

فهل انغلق بعض النّقد الأدبيّ المتداول هذه الأيام على نفسه إذ طلْسم نصوصه، دراسات وبحوثا، أو سطّحها، مقالات صحافية ورقمية مبتسرة وشوهاء، بمصطلحات غير مؤصّلة، منقولة أو مستنسخة عن ثقافة مغايرة، وبمقولات أيديولوجية زائفة ولغة خرساء عمياء، فأغلق منافذها وكأنما هو يحاول أمرا غير نقد النّصوص الإبداعية الذي يزعم أنه ينقدها، أو يقاربها عبر كتابة نقدية لا تفارقها، متجاوزا في ذلك الانطباع الأوليّ والوصف الانفعالي المرتجل وتدفق الخواطر إلى التحليل والشرح والتفسير والاستقراء المؤسّسة جميعا على معرفة واسعة، وثراء منهجيّ، وبحث متقصّ، وموضوعية وحيدة، وتوافر كفاءة ومهارات تطبيقية وأدوات تحليل ولغة شارحة ذات مصطلحات مدقّقة؟

يبدو أنّ في واقع حال النقد الأدبي العربي الرّاهن، تنظيرا وممارسة، من المعطيات السّالبة ومواطن القصور والخلل، ما يجعل طرح هذا السؤال، على تعدّد عناصره التي تتضمّنها صيغته المقترحة هنا، أمرا جادّا، ضروريا وملحا، إن نحن أردنا لهذا النّقد أن ينهض بدوره في تأسيس حراك نقديّ خلاّق يتأسّس على ما فيه من مداخل نقدية متنوّعة ذات مبادئ تصورية واضحة وأساليب وأدوات تحليل نصيّ رسخت نجاعتها، ليفضي، تأسيسا على ذلك، إلى الارتقاء بالإبداع، والنّقد، ونقد النّقد، ويسهم في إنتاج معرفة جمالية مؤصّلة، فكريا وفلسفيا، تؤسّس لانبثاق علم جمال عربيّ جديد، ونظرية جديدة للأدب العربي الحديث، وذلك على نحو يغني الثقافة العربية التي تتطلّع إلى استعادة مكانتها والنهوض بدورها الفاعل في إغناء ثقافة الإنسان عبر ترسيخ وجودها المقدّر في رحاب العصر.

ليس لأي مسعى يتوخّى العثور على إجابات موضوعية دقيقة عن هذا السؤال المتشعب الذي اقترحناه للتوّ إلاّ أن يذهب، محكوما بمنهجية علمية صارمة لا يغادرها إدراك حقيقة أنّ النّقد الأدبي علم لا ينبغي له أن ينأى عن الإبداع الذي ينقده، صوب تفحّص جملة من الظواهر والقضايا ذات الصّلة بتشخيص واقع حال النّقد الأدبي العربي وتعرّف الأسباب الجذرية الكامنة وراء كبحه واحتجاز إمكانية تطوّره منذ زمن بعيد، وتبيّن الأسس والمقومات والمسارات الكفيلة بتمهيد طريقه صوب مآلاته المرجوّة في هذا العصر.

وبدهيّ أنّ واقع حال النقد الأدبي العربيّ المعلّق لا ينفصل، بأي توصيف تشخيصيّ أو حال، عن واقع حال العالم العربي المعلّق، وذلك على تعدّد بلدانه ومجتمعاته وتنوّع مجالات أنشطته الإنسانية، وفي صلب جوهرها النشاط الفلسفي والفكري والثقافي الذي، إن وجد وكان أصيلا ومتّسقا ومتماسكا ومنسّقا وحيويا، ينشئ الإطار الجامع للأنشطة المجتمعية الإنسانية الأخرى ويضفر سياقاتها ليقودها صوب غايتها ومقصدها الذي نريد، والذي يتلخّص في عبارة من كلمتين: النّهضة العربية،

وليس ثمة مهرب من طرح سؤال النّهضة من جديد، ومن الشروع في البحث المتقصّي، وفق منهجية علمية صارمة، عن إجابات موضوعية صادقة وعميقة ودقيقة عنه، إن نحن أردنا لهذه النّهضة المشتهاة أن تلامس النّور كي تشرع في تعميم النّور الذي تلامسه. فكيف يمكن للعرب أن يوقظوا تلك النّهضة الغافية منذ قرون في أقبيتهم؟ وكيف لهم أن يفكّوا طلاسم أقفال الأبواب العديدة المفضية إلى مرقدها، ومنه إلى رحابها الواسعة؟


ناقد من فلسطين مقيم في سلوفاكيا

16