انفتاح أردني حذر تجاه مساعي حماس لترميم العلاقات

تفرض التطورات الجارية في الملف الفلسطيني على الأردن إعادة النظر في طريقة تعاطيه مع هذا الشأن، وهو ما يفسر انفتاح عمان النسبي على حركة حماس، وإبداء دعمها لجهود المصالحة الفلسطينية التي ترعاها القاهرة.
الخميس 2017/10/26
مع مقاربة مختلفة للملف الفلسطيني

عمان - عكس الاتصال الهاتفي بين العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني ورئيس المكتب السياسي لحركة حماس إسماعيل هنية بطلب من الأخير، رغبة حماس في ترميم جسور التواصل مع عمان، التي تصدعت بفعل سلسلة من الأخطاء اقترفتها الحركة بحق المملكة.

وأتى هذا الاتصال الذي جرى الأربعاء في ظل معلومات عن جهود يقودها رئيس المكتب السياسي السابق خالد مشعل لتفعيل العلاقة بين الطرفين، وإعادة فتح مكتب للحركة في عمان أسوة بما حصل في القاهرة، وسط استبعاد مراقبين أن تقبل السلطة الأردنية بهذه الخطوة خاصة في الظرف الحالي.

وتقول أوساط سياسية أردنية إن المتغيرات الجارية بالملف الفلسطيني وخاصة على صعيد المصالحة بين حركتي فتح وحماس، تدفع عمان إلى إعادة مراجعة طريقة تعاطيها مع الشأن الفلسطيني وهو ما يفسر هذا الانفتاح الحذر من المملكة تجاه حماس، والذي ترجمه الاتصال الذي تم بين العاهل الأردني ورئيس المكتب السياسي لحماس.

ويؤكد المحلل الأردني عمر الرداد لـ”العرب”، “ليس غريبا أن يكون هناك اتصال بين القيادة الأردنية وقيادة حماس في هذه المرحلة، خاصة بعد التحولات التي أبدتها الحركة، وتحديدا خطوتها نحو المصالحة مع حركة فتح”.

ويشدد الرداد على أن “الأردن معني بالكامل بالملف الفلسطيني ارتباطا بمصالحه العليا، أما الموقف من حماس، فليس سرا أن الأردن لم يكن حليفا لها ولا عدوا، وأظن أن المرحلة التي كانت فيها الحركة تستهدف الأردن قد ولت، وأن التطورات التي تجري تتطلب انفتاحا بين الطرفين”.

وبحث الملك عبدالله مع إسماعيل هنية خلال الاتصال الأول من نوعه بين الجانبين منذ تولي الأخير منصبه على رأس الحركة تطورات المصالحة الفلسطينية التي أكد الملك دعمه لها.

ونقل بيان لحركة حماس عن العاهل الأردني، عقب اللقاء “ضرورة بذل كل الجهود لاستعادة الأولوية للقضية الفلسطينية ومواجهة التحديات الراهنة”. وشدد الملك عبدالله على “مواصلة الأردن مواقفه بدعم كل الفلسطينيين خاصة أمام التحديات الراهنة”.

وذكر البيان أن هنية شدد على أن حماس “جادة وماضية في التطبيق الأمين للاتفاقات حيث أصبح الانقسام خلف ظهورنا خاصة أن هذه المرحلة تتطلب الوحدة الفلسطينية”.

وأكد رئيس المكتب السياسي لحماس أهمية الدور الأردني في إنجاح المصالحة، مشيرا إلى “العلاقات الفلسطينية الأردنية الوثيقة والروابط التاريخية بين الشعبين”.

ومعلوم أن الأردن قد حصر على مدى السنوات الماضية التعاطي في الشأن الفلسطيني مع السلطة التي يرأسها محمود عباس دون سواها.

وحرص هنية خلال هذا الاتصال على تبديد مخاوف الأردن إزاء تداعيات ملف المصالحة على أمنه القومي.

ويتردد أن لعمان موقفا متحفظا نسبيا على المصالحة وما ستفرزه من مشاركة لحركة حماس في السلطة الفلسطينية مستقبلا وفق ما نص عليه الاتفاق الذي رعته القاهرة من إجراء لانتخابات تشريعية ورئاسية قد تنتهي بعودة قوية للحركة إلى الضفة الغربية.

وهذا بالطبع يثير مخاوف الأردن لجهة تقوية عضد جماعة الإخوان المسلمين في المملكة، التي تربطها علاقات قوية مع حماس.

وتعتبر شريحة مهمة من الأردنيين أن لحماس دورا في محاولة إثارة القلاقل في الأردن في العام 2012 في ما بات يعرف بثورات الربيع العربي، عبر تحريضها لجماعة الإخوان الأردنية على تصدر موجة الاحتجاجات ضد النظام هناك.

وتعززت هذه الشكوك مع زيارة لافتة لخالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحماس في تلك الفترة لعمان ولقائه بالملك عبدالله الثاني بعد قطيعة بين الحركة والأردن استمرت 13 عاما.

عمر الرداد: التطورات الجارية في الملف الفلسطيني تتطلب انفتاحا بين حماس والأردن

وبعد أشهر من ذلك اللقاء الشهير، عاد الفتور يخيم على العلاقة بين الطرفين مجددا، وسط شن الحكومة الأردنية هجمة مضادة على جماعة الإخوان وكان من أهم خطواتها إعلان الجماعة الأم التي تشرف عليها قيادة محسوبة على الصقور ولها علاقات قوية بحماس تنظيما غير قانوني، ومنح الجناح المعتدل الذي قاده عبدالمجيد ذنيبات ترخيصا ليكون البديل عن الجماعة التاريخية.

وقال هنية للملك عبدالله إن حركته حريصة على الأردن وأمنه، منبها إلى أن “أمن الأردن هو من أمننا، والأمن القومي الأردني محفوظ ومحمي، وحريصون على أن يكون حاضره ومستقبله قويين ومؤمنين”.

كما أعرب هنية عن تقدير حماس واحترامها للولاية الأردنية على المقدسات في مدينة القدس ورفض أي مساس بالقدس والمقدسات الإسلامية والمسيحية.

والقلق الأردني لا ينحصر في الصعود المنتظر لحماس إلى السلطة، بل أيضا في ما قد يمهد له اتفاق المصالحة من تسوية نهائية للنزاع الفلسطيني، وسط عودة الحديث عن الوطن البديل للفلسطينيين.

ومؤخرا جرى مؤتمر مثير شاركت فيه شخصيات معارضة أردنية تحت عنوان “الخيار الأردني.. الأردن هي فلسطين”، نظمه المركز الدولي اليهودي للحوار، وأثار هذا المؤتمر حفيظة شريحة واسعة من الأردنيين الذين اعتبروه استهدافا للمملكة.

وشدد رئيس المكتب السياسي لحماس على رفض الحركة لكل مؤامرات وطروحات الوطن البديل، مؤكدا أن “فلسطين هي فلسطين والأردن هو الأردن، ولن نسمح لأي نظريات حول الوطن البديل بأن تمرر في الأردن، فهو بلد عربي أصيل له سيادته وتاريخه وشعبه”.

ويقول مراقبون إن الأردن وإن كانت له ملاحظات على ما ورد في بنود المصالحة، فإنه بالتأكيد لن يقف حائلا دون إنجاحها، خاصة وأنه معني بالدرجة الأولى بتسريع وجود حل نهائي للقضية الفلسطينية وهذا لن ينجح دون توحيد الجسد الفلسطيني.

ويوضح المحلل عمر الرداد أن الأردن مع أي جهود من شأنها توحيد الصف الفلسطيني، وصولا إلى تحقيق أهدافه، وجوهرها قيام دولته المستقلة على أرضه، ويدرك الأردن أن أهم مخرجات المصالحة الفلسطينية سيكون توجه الفلسطينيين ومعهم العرب للعالم والقوى الكبرى بموقف أقوى يلغي حجج إسرائيل بأنه ليس هناك شريك فلسطيني.

ويشدد الرداد على أنه من المبكر الحديث عن إعادة فتح مكاتب لحماس في الأردن، خاصة وأن قرارا بهذا المستوى يخضع لحسابات دقيقة أمنية وسياسية، وربما مثل هذه المكاتب تفقد قيمتها بعد المصالحة، وربما يعطي قرار فتح مكاتب للحركة في ظل وجود سفارة فلسطينية في عمان إشارات خاطئة.

وكان العاهل الأردني استقبل الأحد الرئيس الفلسطيني محمود عباس وبحث معه اتفاق المصالحة الفلسطينية.

ووقعت حركة فتح التي يقودها الرئيس الفلسطيني وحماس التي تدير قطاع غزة، اتفاق مصالحة برعاية مصرية في القاهرة في 12 أكتوبر الحالي، تستعيد بموجبه السلطة الفلسطينية السيطرة على قطاع غزة بحلول الأول من ديسمبر.

وسيبدأ الطرفان الشهر القادم محادثات تهدف إلى تشكيل حكومة وحدة بينما يمكن لحماس أن تنضم في نهاية المطاف إلى منظمة التحرير الفلسطينية-الشريك التفاوضي الرئيسي لإسرائيل في محادثات السلام.

وستقوم حكومة الوحدة المنتظرة بتنظيم الانتخابات التشريعية والرئاسية المقبلة، التي ستشارك فيها حماس. وتتواتر أنباء على أن مشعل سيكون مرشح الحركة للانتخابات الرئاسية المنتظرة إقامتها وفق اتفاق المصالحة مع فتح، وبالتالي يحاول مشعل إعادة ربط علاقات مع الدول الإقليمية خاصة تلك المتحفظة على شخصه، ومنها الأردن.

2