انفتاح الشباب العرب ينتهي على عتبة مؤسسة الزواج

يتأرجح الشباب بين الانفتاح والنظرة العصرية للواقع ومتطلبات الحياة وبين طبيعة المجتمع المحافظة والدينية، فتنشأ الازدواجية الثقافية التي تتحول لاحقا إلى معكر لصفو أسرهم في المستقبل، بعد أن يستفيقوا من كبوة “الليبرالية”، وفق تعبير البعض.
الأحد 2018/02/04
تباين ثقافي ومجتمعي

لندن – “الطريق نحو التغيير يبدو ضبابيا أمامنا، والوضع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي في بلادنا غير مستقر بتاتا، وترافقنا كلمة انفتاح كما لو أنها وصمة عار في ظل نفاق اجتماعي لا ينتهي عند حدود العادات والتقاليد”، هذا حال الكثير من الشباب العرب وبشكل خاص الفتيات باعتبارهن العنصر الأضعف الذي تسدد باتجاهه سهام المحظورات والقيود المجتمعية.

غالبا ما يرتبط الحديث عن الانفتاح لدى الشباب بالتخلي عن القيم والأعراف الاجتماعية، بداية من اللباس والمظهر العام والسلوك ليصل إلى التحرر الجنسي، التابوه الأكثر اصطداما مع المجتمع.

ولا تعتبر الظاهرة جديدة إذ بدأ علماء الاجتماع العرب يدقون ناقوس الخطر مع دخول العالم لعصر المعلومات والاتصالات، وانتقال الثقافات المختلفة وتخطيها حاجز القيم والعادات، حيث أصبحت الثقافة الأميركية المصدرة إلى مصر، لسان حال الشباب سواء في الملبس أو حتى في التصرفات، وفق ما تقول سامية قدري أستاذة علم الاجتماع السياسي بجامعة عين شمس.

وأضافت أن ذلك الغزو الثقافي سيستمر في المستقبل ومن الصعب القضاء عليه أو التحكم في تعرض المواطنين لوسائل الإعلام التي تصدر الصورة الذهنية الأميركية الوهمية إلى الشعب المصري.

مظاهر انفتاح فقط

لكن المشكلة تكمن في دائرة النفاق الاجتماعي التي ينخرط بها الشباب أنفسهم إذ يرفضون علنا ما يمارسونه خفاء، وتقول رهف العلي الطالبة في كلية الاقتصاد بجامعة دمشق، إن ما نراه من ظاهرة الانفتاح والتحرر الشكلي ما هي إلا مظاهر فقط ولا تعني الفكر الحر، وما هي إلا رغبة لدى الكثيرين في ركوب الموجة واللحاق بالنمط الغربي ليس إلا.

وتتوافق وجهة النظر هذه مع ما يرى أشرف محمود، الصيدلي الثلاثيني بحي عين شمس شمال شرق القاهرة، فيقول إن ميزة انفتاح الشباب العربي بشكل عام أنه وقتي، أي أن له فترة صلاحية محددة تنتهي عند وصول الشاب إلى عمر معيّن، وتتغير ظروفه المعيشية والأسرية، لأن هناك فترات أخرى لا تقبل ولن تنجح إذا استمر مؤمنا بضرورة تطبيق ثقافات انفتاحية على حياته الجديدة الأسرية.

المشكلة تكمن في دائرة النفاق الاجتماعي التي ينخرط بها الشباب أنفسهم إذ يرفضون علنا ما يمارسونه خفاء

وأضاف في تصريحات لـ”العرب”، “أنا شخصيا كنت أؤمن بحرية المرأة في اللباس وأعتبر أن ذلك نوع من التقدم والتمرد على تقاليد المجتمع المتخلفة، لكن أدركت بعد زواجي أن القيام بذلك مع زوجتي سيتم توصيفه بكلمات مشينة، على شاكلة أني زوج لا أغير ولا أمتلك الشهامة، حتى زوجتي نفسها رفضت خلع الحجاب”.

ويبتسم أشرف ويتذكر فترة تمرده على كل العادات والتقاليد قبل زواجه، “أي شاب لا بد وأن يعيش فترتين في حياته، الأولى بالتمرد على كل شيء ثم بعد تولي مسؤولية تكوين أسرة من زوجة وأبناء، يصب كل اهتمامه ليجعلهم الأفضل والأكثر التزاما ولا يريد أن يراهم متمردين مثله عندما كان شابا، وهنا المسؤولية الأسرية هي كلمة السر في تغيير سلوك الشباب من الانفتاح والتمرد إلى الالتزام والرضوخ لما يفرضه المجتمع من عادات تكون بمثابة قوانين صارمة”.

استفاقة من "الطيش"

وبنفس الطريقة يفكّر باسم سعيد، وهو شاب تزوّج قبل بضعة أشهر من ابنة عمه، في القاهرة، ويعتبر أن انفتاح الشباب إذا استمر مصاحبا حياتهم حتى بعد تكوين أسرة أو على الأقل الزواج، فإن ذلك مقدمة لتدمير حياتهم الأسرية، لأن فترة “طيش الشباب” شيء، وتحملهم المسؤولية شيء مغاير تماما، فهو كان دائم السهر والتغيب عن المنزل وإقامة صداقات مع فتيات، لكن مسار حياته تغيّر بشكل اضطراري بعد الزواج.

ويؤكد باسم لـ”العرب” أنه كان دائما يحلم بالعيش في مجتمع منفتح ومتحرر، ورفض كل نصائح والديه بالسير وفق توجهات وتقاليد المجتمع، لكنه مع التقدم في السن والترتيب لخطوة الزواج، أدرك قيمة التخلي عن أفكاره المنفتحة التي لا تتناسب مع المجتمع الصغير المحيط به، بعدما تم رفضه من أكثر من فتاة لأنها شعرت بأنه ليس الشخص المناسب لها الذي سوف تثق أسرتها فيه لطبيعته المتمردة وأفكاره التي لا تتواءم مع أسرتها.

ويعود باسم بذاكرته لسنوات، حينما تقدم لخطبة 3 فتيات، وفي كل مرة كان يحكي لكل واحدة منهن عن رفضه الالتزام بكل ما يتعلق بالعادات والتقاليد، باعتباره تعلم في الجامعة الأميركية واقترب من الأفكار والثقافات الغربية، لكن الفتيات الثلاث رفضن الخطبة لأنه شخص متحرر “زيادة عن اللزوم” والحياة معه قد يشوبها بعض الشذوذ الفكري وعدم تحمل المسؤولية.

ويقر الشاب أن الازدواجية الثقافية عند الشباب مطلوبة لأنها تعني استفاقته من غفوة التحرر والليبرالية إلى السير وفق ضوابط المجتمع، الأمر الذي يعكس أنه شخص سوي يعيش كل فترة وفق مقتضياتها وظروفها الفكرية والاجتماعية والثقافية، ولا يمكن لأي شاب أن يستمر طوال حياته يقدس الانفتاح، لأن التمرد الكلي على العادات والتقاليد سوف يقوده إلى الدمار الأسري.

مطاردة المؤثرات الاجتماعية

لكن إسراء محمود، وهي فتاة عشرينية تعيش في محافظة الجيزة القريبة من القاهرة، تعتبر أن تمسك الشباب بالأفكار المنفتحة الليبرالية يرتبط بإصرارهم على أن يكونوا مستقلين فكريا وثقافيا عن أي مؤثرات مجتمعية تطاردهم وتسعى لانغماسهم في العادات والتقاليد والأفكار البالية، لأن من يستسلم للعادات يمكنه الاستسلام أمام كل شيء.

طرق متعددة للتمرد

وتقول إسراء لـ”العرب” إنها طالما حلمت بالزواج من شاب لا يعير العادات والتقاليد اهتماما، لكن ذلك نادر الحدوث، فهي عندما تقدم لخطبتها شاب أبلغته أنها تهوى السهر مع أصدقائها والعودة إلى المنزل في وقت متأخر، وعليه أن يفعل ذلك، لكنه رفض بشدة فاضطرت لعدم الارتباط به.

وتضيف إسراء “التمسك بالعادات والتقاليد بعد الزواج يعكس الازدواجية القبيحة لأي شاب، ويعني أنه من السهل أن يستسلم لأي متغيرات، لكن لن أتزوج من هذه الفئة، فأنا أهوى التحرر والاستقلال بحياتي، وأكثر الشباب حاليا نراهم يفضلون المرأة الصديقة دون حجاب لكنهم يصرون على حجاب زوجاتهم بدعوى نظرة المجتمع وتجنب الحديث عنهم من أقاربهم بأنهم بلا نخوة”.

وحسب هذه الفتاة التي تصر على الزواج من شاب منفتح وأفكاره متحررة، فإن الازدواجية الثقافية عند بعض الشباب أصبحت معكرا لصفو أسرهم في المستقبل، لأنهم سوف يربون أبناءهم على التمسك بالعادات والتقاليد منذ الصغر وحرمانهم من العيش في كنف ذواتهم، إذ يشعرون بأن ما كانوا يفعلونه في الماضي خطأ جسيم، وبالتالي سوف ينظرون إلى تكرار نفس الفعل المبني على أفكار منفتحة من أبنائهم وهو أيضا خطأ، وهنا يكمن الصراع بين الأجيال الذي قد يدمر الأسر.

ولا تختلف وجهات النظر كثيرا بين الشباب العرب حتى من يعيشون في الدول الأوروبية، ويقول فراس كريم الصحافي السوري المقيم في السويد، إن الشباب العرب بشكل عام لديهم ازدواجية كبيرة في الثقافة، إذ ننشأ على تربية دينية واجتماعية محافظة لنكتشف لاحقا الأخطاء التي ارتكبت بحقنا ومدى الاختلاف مع الواقع والعصر الراهن، ما خلق شرخا كبيرا لدينا انعكس على نظرتنا للعادات والتقاليد.

ويضيف “أنا رجل شرقي وهذا لا يخلق لي مشكلة فكل مجتمع لديه خصوصيته وعاداته وتقاليده، ورغم أنني أعيش في مجتمع آخر له قوانينه وعاداته المختلفة تماما عنا، إلا أنني أتماشى وأنسجم معه ولا يشكل لي هذا حاجزا في الاندماج”.

ويرى فراس أن المرأة الأوروبية لعبت دورا مختلفا نتيجة الثورة الصناعية والحاجة لها، في حين أن المرأة العربية مارست منذ القديم دورها وكانت طبيبة وفارسة وتاجرة، إلا أن العادات الاجتماعية التي جاءت في عصور الانحطاط ساهمت بتراجع دورها ودخلت مفاهيم متخلفة وبالية أساءت لمكانتها.

وتابع المشكلة أن الكثير من الشباب الذين يدعون الانفتاح، يفرضون قيودا مضاعفة على المرأة إن كانت زوجة أو أختا، نتيجة التصادم بين التربية والواقع.

وأضاف أنه عند إدراك هذه الحقيقة يمكن الالتقاء عند نقطة معينة والتصالح مع الذات والهوية، دون أن يكون الانفتاح مشكلة، كما أن من الغباء الاعتقاد بأنه يمكن فرض القيود على المرأة في هذا العصر.

فراس كريم: اكتشفنا لاحقا أخطاء التربية التي نشأنا عليها ومدى الاختلاف مع الواقع والعصر الراهن، ما خلق شرخا كبيرا لدينا انعكس على نظرتنا للعادات والتقاليد

ضغط الثقافة الغربية

وتُطرح مسألة الهويّة بقوة في ظل تأثير التصاعد الإعلامي وفق ما تشير يسرى بن الهذيلي الباحثة في علم الاجتماع في كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية في تونس، وتقول إن تحدي العولمة وضع ثقافات العالم النامي “تحت ضغط الثقافة الغربية”، وفرض عليها الدفاع عن نفسها “باسم الهويّة”، وطرحت قضية الشباب في واقع عربي هش “يعيش تجاذبات ثقافية الغلبة فيها للأقوى”.

وفي ظل هذه الثقافة المزدوجة “تضيع الهويات والقيم التي لم تعد تقوى على الصمود أكثر في ظل طوفان العولمة، خاصة على وقع انتكاسة عربية وضعف واهن مسّ جميع المستويات الحياتية”. وتضيف في دراسة بعنوان “الشباب العربي والثقافة المزدوجة: مراوحة بين الوافد والمحلي”، أن أزمة الهويّة تعاني منها خاصة فئة الشباب “الباحث عن هويّة هي أصلا متأرجحة بين الانبناء والتفكك في ظل ثورات إعلامية تعمل على تشكيل الوعي الجماعي للمجتمع والتنشئة الاجتماعية للشباب”.

وتابعت أنّ الشاب “الذي تستهدفه العولمة الإعلامية غير قادر على مواجهة هذا الغزو الإعلامي، وعلى أن يحصن ذاته، فيكون موقفه تبعا لذلك استهلاكيا وسلبيا، ممّا قد يدفع به إلى الاستكانة وربما إلى تغيير أنماط سلوكه بما يتلاءم مع خصائص المضامين الإعلامية المستهلكة”.

كما أكدت الباحثة من جهة أخرى على أهمّ تبعات العوامل المنبثقة عن العولمة المتمثلة في انفتاح الشباب على الآخر والتطلع إلى ممارسة “الحياة بليبرالية محافظة، تجمع بين الحداثة والأصالة”، دون التنكر لحالة “القلق والفوضى” التي أدخلتها منظومة الاتصال الجديدة على مستوى العلاقات الاجتماعية، وتحديدا العلاقات الأسرية، سواء بين الزوجين أو بين الآباء والأبناء، وخاصّة داخل فئة الشباب.

وانتقلت الباحثة إلى الحديث عن الشارع بصفته "نسيجاً من العلامات والدلالات التي نتحرك فيها يومياً، فتخترقنا لكن دون أن ندرك منطقها. فالشارع، كما تقول، "ليس فضاء ساكناً أبداً، بل هو حي متبدل بتبدل الأنماط والناس، وحسب الظروف السياسية والاجتماعية والثقافية".

19