انفتاح المرأة التونسية على المجتمعات الغربية أفرز ارتفاع نسب الطلاق

الأحد 2016/10/30
كسر القيود

كشف ارتفاع نسب الطلاق في الدول العربية النقاب عن حالات مثلت خطا أحمر في الكثير من العائلات لتدخل في خانة المسكوت عنه كالعلاقة الجنسية، إلا أنّ مواقع التواصل الاجتماعي والمسلسلات التركية والتلفزيون أعطت دعما ليتحرر كلا الطرفين وخصوصا المرأة العربية ويطالب بالطلاق.

وسجلت ظاهرة الطلاق في المجتمعات العربية ارتفاعا مستمرا، مما دفع البعض للاعتقاد بأن الدول العربية أصبحت تتسابق في تسجيل معدلات قياسية في حالات الطلاق.

وبحسب آخر الدراسات والإحصائيات فإن هذا التنافس أفرز احتلال دول عربية لمراكز متقدمة في نسب الطلاق، حيث تعتبر تونس الأولى عربيا والرابعة عالميا.

ويبدو في إقدام العربيات على الطلاق الكثير من التحدي للأعراف المجتمعية العربية التي لا تزال تحصر المطلقة في زاوية تعزلها عن المجتمع ويشار إليها بطرف البنان وكأنها ارتكبت جرما لا يغتفر.

فتح الباب على مصراعيه أمام بعض أسباب الطلاق المسكوت عنها والتي كانت لا تتجاوز الزوجين أصبحت اليوم من القضايا المطروحة على الشاشات العربية، حيث تناول التلفزيون التونسي مؤخرا قضية العلاقة الجنسية، التي تعدّ من بين الأسباب وراء حالات الطلاق في تونس في إطار حصة حاول من خلالها ضيوف البرنامج تباحث ما استجد في تونس من ارتفاع في نسب الطلاق.

كما تداولت صحف محلية تونسية نقلا عن طبيب نفسي تونسي أن من بين أسباب ارتفاع ظاهرة الطلاق في تونس برود وفتور العلاقة الجنسية ممّا يؤدي في البداية إلى انفصال جسدي يفضي فيما بعد إلى انفصال رسمي.

انفتاح كلا الزوجين على المسلسلات التركية والإنترنت والأجهزة الذكية كتب الفصل الأخير في أغلب الزيجات

ويمكن إرجاع ذلك إلى بعض التدخلات السلبية من الوسط العائلي، وإلى غياب طرح مثل هذه المسائل بين الزوجين فكبت الزوجة لرغباتها وآرائها يؤدي إلى تفاقم الوضع. وبحسب خبير معتمد لدى المحاكم التونسية في الصحة الجنسية والعلاقات الأسرية فإن 40 بالمئة من حالات الطلاق تعود لأسباب جنسية.

ووفقا لمركز الإحصاء الوطني التونسي فإن تونس تسجل 1000 حالة طلاق شهريا، أي نحو 4 حالات كل 3 ساعات.

وغالبا ما كانت المرأة ترجع أسباب طلاقها لأسباب اقتصادية واجتماعية أحالت حياتها الزوجية إلى جحيم، لا سيما إذا ما ارتبطت بالعنف المادي والمعنوي.

وفي السابق كانت المرأة العربية تنقاد طوعا وكراهية إلى تطبيق المثل التونسي “إلّي صبرت دارها عمرت”، لكنها اليوم تحررت من قيودها وتشبثت بحريتها غير آبهة بنظرة المجتمع لها وواجهت مصيرها.

ويعتبر كشف المرأة العربية لحقائق جديدة كمسألة الجنس تحديا صارخا لمجتمع دأب على تجريمها، حتى أنها تجاوزت قاعات المحاكم إلى مساحات تلفزيونية تفتح مجالا لمناقشة مثل هذه القضايا.

واستضاف التلفزيون التونسي العديد من الحالات ضمن برامج اجتماعية تحاول معالجة الخلافات الزوجية وغيرها من القضايا. وكشفت منصات هذه البرامج عن حالات صادمة كإصرار زوج على الاحتفاظ بزوجته واستئجار رحم امرأة أخرى وبيضتها لإنجاب طفل مع تشبث الزوجة بالطلاق.

كما أن الطلاق بسبب خيانة أحد الطرفين كان حاضرا بقوة ضمن حلقات هذه البرامج، بالإضافة إلى تسليم بعض الأزواج بفكرة وقوعهم تحت تأثير السحر والشعوذة.

ولم تكتف المرأة التونسية بالظهور التلفزيوني بل كانت الطرف المبادر في رفع قضايا الطلاق، خصوصا وأن القانون التونسي يجيز لها تطليق الرجل حسب ما نص عليه الفصل الـ31 من قانون الأحوال الشخصية “بناء على طلب أحد الزوجين بسبب ما حصل له من ضرر”.

تسجيل 1000 حالة طلاق شهريا، أي نحو 4 حالات كل 3 ساعات وفقا لمركز الإحصاء الوطني التونسي

ويرجّح أحد الباحثين الاجتماعيين أن انفتاح المرأة التونسية أكثر من أيّ وقت مضى على المجتمعات الغربية، وميلها إلى تحقيق استقلالها المادي والمعنوي سببا إفراز تحولات قيمية داخل المجتمع أدت إلى ارتفاع نسب الطلاق، مؤكدا أن المجتمع التونسي يشهد فجوة بين القوانين والعقليات، ففي الوقت الذي مكّن فيه المجتمع المرأة التونسية من قدر كبير من التحرر، قابل ذلك برفض ذكوري نسبي.

واللافت في المسألة أن حالات الطلاق لم تعد قصرا على مجتمعات عربية دون أخرى، حيث سجلت محاكم جلّ الدول العربية في السنوات الأخيرة أرقاما خيالية في قضايا الطلاق لأسباب بعضها بدا غريبا. وكانت إحدى محاكم دبي قد سجلت حالة طلاق أكدت من خلالها المرأة تحدّيها لمجتمعها، إذ تقدمت إلى المحكمة بطلب للطلاق من زوجها بعد أقل من أسبوع على عقد قرانها، بدعوى أنها تفضل لقب مطلّقة على عانس.

وأفادت هذه السيدة في تصريحاتها أنها قررت الموافقة على زوج لا تريده لتحقق لقبا اجتماعيا أخف وطأة عليها من صفة العنوسة.

ويرى علماء الاجتماع أن المجتمع الشرقي ينحاز للرجل ويتعاطف معه حتى في حالات زواجه مرّة أخرى، ويحّمل المرأة مسؤولية فشلها في الزواج، ويعيب عليها تفكيرها في الزواج ثانية. المجتمعات الشرقية تقزّم المطلقة رغم أن القانون في أغلب الدول العربية أجرى العديد من التعديلات لصالحها، إذ حاولت القوانين الجزائرية الجديدة توفير الكثير من الحقوق للمرأة الجزائرية، والتي تضمن لها التحرر من زوجها، وتفرض عليه توفير سكن لها ولأطفالها.

كما أن تونس تعمل على وضع تنقيحات لمجلة الأحوال الشخصية لتضمن حقوق المرأة التونسية سواء أكانت متزوجة أم مطلقة، لا سيما وأن القانون يعطي حق الحضانة والسكن للمرأة التونسية، بالإضافة إلى أنه كفيل بتعويضها في حال ضررها، إلى جانب إجبار زوجها على تطليقها، ودفع نفقتها.

إلا أن الدراسات الأخيرة كشفت أن انفتاح كلا الزوجين على المسلسلات التركية والإنترنت والأجهزة الذكية كتب الفصل الأخير في أغلب الزيجات.

كما كشفت دراسة مجتمعية أن ارتفاع نسب الطلاق في العراق، عائد إلى الصور التي تقدمها المسلسلات التركية حول حياة زوجية لا تمتّ بصلة لواقع أغلب العائلات التي تكافح الأوضاع الراهنة بالبلاد.

ويرجّح أن المرأة العربية اكتسبت قوة ودعما على المواجهة من خلال هذه الوسائل الحديثة، إذ ظهرت على مواقع التواصل الاجتماعي العديد من الهاشتغات المحرّضة للمرأة العربية على التخلص من الولاية وإبداء رأيها دون خوف. وانتشر عدد من الصفحات والغروبات على فايسبوك، والتي تجمع النساء العربيات من مختلف أنحاء العالم ليتبادلن تجاربهن ويستشرن بعضهن في مسائلهن الخاصة.

العالم الافتراضي فتح نوافذ على المنازل العربية وأعطى دفعا للمرأة العربية لتواجه مصيرها بعيدا عن النظرة الدونية للمجتمع الشرقي.

ويرى علماء الاجتماع أن الطلاق ليس جديدا، فالمسألة تتجاوز ظاهرة الطلاق إلى تغيير في شبكة العلاقات أفضت إلى ظهور جيل من الشباب أغلبه غير قادر على تحمّل تبعات الزواج ومسؤولياته، مع خروج كلا الطرفين جنبا إلى جنب إلى سوق العمل.

كاتبة من تونس

20