انفجاران داميان يقطعان فترة الهدوء في بغداد

أثقل حصيلة دموية في التفجيرين الانتحاريين منذ ثلاث سنوات.
الجمعة 2021/01/22
سوق الموت

بغداد - قطع تفجيران داميان داخل سوق لبيع الملابس المستعملة ببغداد، حالة الاستقرار النسبي التي تشهدها المدينة منذ سنة 2018، بسبب انقطاع هذا النوع من الهجمات الإرهابية بعد أن كان حدوثها أمرا متواترا خلال سنوات سابقة.

وكان لافتا حدوث التفجيرين في أول يوم لتولي جو بايدن الرئاسة الأميركية، وفي عاصمة العراق الذي تسيطر عليه الميليشيات التابعة لإيران، وذلك في رسالة ضمنية مفادها أن البديل عن إيران هو داعش وجرائمه.

وسلّط مقتل وجرح العشرات في هجومين انتحاريين في سوق البالة بساحة الطيران، مجدّدا الضوء على صعوبة بسط الأمن وإعادة الاستقرار بشكل كامل إلى العراق بعد الحرب التي شهدها ضدّ تنظيم داعش بين سنتي 2014 و2017، وانتهت بهزيمة التنظيم عسكريا واستعادة الأراضي الشاسعة التي كان قد سيطر عليها، لكنّها لم تنجح في اجتثاث التنظيم بالكامل والقضاء على فلوله وخلاياه النائمة.

ويعزو خبراء أمنيون ومحلّلون سياسيون تمكّن الإرهاب من العراق إلى قصور وتداخل في المقاربة الأمنية التي فتحت الباب لفوضى سلاح عارمة في البلاد، وأتاحت وجود أجسام شبه عسكرية موازية لأجهزة الدولة تتمثّل في العشرات من الميليشيات الشيعية المسلّحة التي تتوزّع ولاءاتها بين قادتها المحلّيين الذين تدين غالبيتهم بالولاء لإيران المجاورة.

كما يرجعون الظاهرة إلى قصور تنموي شديد وسّع من دائرة الفقر والتهميش وأوجد حواضن للتطرّف الديني، في ظلّ مناخ من الطائفية يساهم بقدر كبير في إذكاء الأحقاد داخل المجتمع.

وقتل الخميس ما لا يقلّ عن 32 شخصا وأصيب 110 آخرون بجروح في التفجيرين الانتحاريين، وذلك في أثقل حصيلة منذ ثلاث سنوات.

ووقع التفجيران في سوق البالة التي غالبا ما تعج بالمارة والتي شهدت قبل ثلاث سنوات تفجيرا انتحاريا أوقع 31 قتيلا.

وأوضح بيان لوزارة الداخلية العراقية أن انتحاريا أولَ فجّر نفسه في السوق "بعد أن ادّعى أنه مريض فتجمّع الناس حوله". وأضاف أن الانتحاري الثاني فجّر نفسه "بعد تجمع الناس لنقل الضحايا الذين أصيبوا في التفجير الأول".

وخلّفت حادثة سوق البالة ردود فعل كثيرة داخل العراق وخارجه. وقال الرئيس العراقي برهم صالح في تغريدة على حسابه على تويتر "الانفجاران الإرهابيان ضد المواطنين الآمنين في بغداد، وفي هذا التوقيت، يؤكدان سعي الجماعات الظلامية لاستهداف الاستحقاقات الوطنية الكبيرة وتطلعات شعبنا إلى مستقبل يسوده السلام"، وذلك في إشارة إلى الانتخابات البرلمانية المقرّر إجراؤها في أكتوبر القادم.

وترأس رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي اجتماعا طارئا للقيادات الأمنية والاستخباراتية، وأمر بفتح تحقيق لتحديد المسؤوليات عن الخرق الأمني، بإجراء تغييرات في الأجهزة المسؤولة.

وجاء في بيان صدر عن مكتب الكاظمي قوله "سنقوم بواجبنا لتصحيح أي حالة تهاون أو تراخ أو ضعف في صفوف القوات الأمنية التي أحبطت خلال الأشهر الماضية المئات من العمليات الإرهابية المماثلة"، مضيفا "لن نسمح بتشتت الجهد الاستخباري أو تعدّد مصادر القرار في القوى الأمنية"، ومؤكّدا قوله "سنعمل على تنفيذ تغييرات أمنية بحسب ما تقتضيه الضرورات الميدانية"، مشيرا إلى أن تلك التغييرات "لن تخضع للضغوط  والإرادات السياسية".

كما أعلن عن وضع "إمكانات الدولة وجهود القطاعات الأمنية والاستخبارية في حالة استنفار قصوى للاقتصاص من المخططين لهذا الهجوم الجبان وكل داعم" لمنفّذيه.

وأشار البيان إلى أن الكاظمي "طلب من الجيش تقديم الإسناد للقوات الأمنية الأخرى، وأن يضطلع بدوره في تهيئة الدعم الميداني والأمني".

حدوث التفجيرين في أول يوم لتولي جو بايدن الرئاسة الأميركية يتضمن رسالة بأن البديل عن إيران هو داعش وجرائمه

ووصفت بعثة الأمم المتحدة في العراق التفجيرين بالعمل المروع، مشيرة إلى أنهما "لن يوقفا مسيرة العراق نحو الاستقرار والازدهار".

وأعرب البابا فرنسيس عن حزنه العميق للتفجيرين واعتبرهما "عملا وحشيا عبثيا". وفي برقية إلى الرئيس العراقي قال البابا الذي ينوي زيارة العراق في مارس القادم إنه "واثق من أن الجميع سيسعى لتخطي العنف بأخوّة وتضامن وسلام".

وأعربت وزارة الخارجية السعودية في بيان عن إدانة المملكة "واستنكارها الشديدين" للتفجيرين، مشددة على تضامنها مع جمهورية العراق "ضد ما يهدد أمنها واستقرارها".

كما استنكرت دولة الإمارات "هذه الأعمال الإجرامية"، وأكدت "رفضها الدائم لجميع أشكال العنف والإرهاب الذي يستهدف زعزعة الأمن والاستقرار ويتنافى مع القيم والمبادئ الدينية والإنسانية"، كما ندّدت السفارة الأميركية في بغداد بالاعتداء.

وجاء الهجومان في وقت باشرت فيه الولايات المتحدة خفض عدد جنودها في العراق إلى 2500 عنصر، بعد أن كانت تلك القوات قد شاركت بفعالية في الحرب ضد داعش ضمن تحالف دولي واسع بقيادة أميركية.

لكن هذا الانسحاب جاء أيضا في ظل تصاعد التوتر في العراق بين مجموعات شيعية موالية لإيران وواشنطن منذ اغتيال قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني، ونائب قائد قوات الحشد الشعبي العراقي أبومهدي المهندس السّنة الماضية في ضربة جوية أميركية في مطار بغداد.

وتعرّضت مصالح أميركية وأجنبية في العراق طيلة الأشهر الماضية لهجمات، أحدثها هجومان بعبوتين ناسفتين تعرّضت لهما، الخميس، قافلتان تابعتان للتحالف الدولي أحدهما في قضاء أبوغريب قرب بغداد والثاني في محافظة المثنّى جنوبي العراق.

3