انفجار الاحتجاجات الشعبية الإيرانية ودوافعه

الخميس 2018/01/04

أغلب الظن، ومن خلال المؤشرات الفورية، سيكون تعامل السلطة الإيرانية مع الانتفاضة الشعبية، غليظا ومعطوفا على غرورها الذي يتبدى في مشروعاتها الإقليمية وخطاب الطنين والجموح الطائفي. كان ذلك طابع سلوكها المديد، بعد انتفاضة الطبقة الوسطى التي سُميت “الثورة الخضراء” في عام 2009 التي أخمدت بقمعها، لكي تعود هذه الطبقة للرهان على تطور النظام من داخله، بمفاعيل الإصلاحيين، لكن الرهان بدا خاسرا مع استمرار استنزاف مقدرات البلاد في الصرف على المشروعات الخارجية التي تعاند حقائق الديموغرافيا في المشرق العربي، وتتغاضى عن انسداد الأفق أمام التوسع الإيراني بصبغته الطائفية وميليشياته وأتباعه المسكونين بهواجس ماضوية.

سمع الإيرانيون في انتفاضتهم الراهنة، التهديدات السلطوية نفسها، التي تُذكر بالقمع الغليظ في عام 2009. فالحرس الثوري، الذي هو السبب الأول في تفاقم الأزمة الاقتصادية والاجتماعية، هدد باستخدام القبضة الحديدية، ولوّح وزير الداخلية عبدالرضا فضلي بأن المحتجين سيدفعون ثمنا غاليا. ذلك على الرغم من أن التظاهرات التي اندلعت ابتداء في مدينة مشهد، اختصت في بداية هجائها للسلطة، بحسن روحاني الذي جعل نفسه رمزا للإصلاحيين وفاز بأصواتهم، ثم تأكد في السنة الماضية أنه تخلى عن العباءة الإصلاحية وأصبح رديفا للجناح المتشدد. ولم يكن من المصادفة أن ينطلق الهجاء لروحاني من مشهد، بحكم أنها مدينة المرشح الرئاسي إبراهيم رئيسي، الذي فاز عليه روحاني.

ورئيسي هو مسؤول مرقد الإمام الرضا ثامن من يُسمون الأئمة الإثنا عشر. فقد كانت الشكاية من النتيجة الانتخابية، هي شرارة الهتاف تعبيرا عن الشكايات الاقتصادية الاجتماعية، بما فيها من فساد وبطالة وارتفاع في كلفة الحياة.

يصح النظر إلى الاتفاق النووي الذي أبرمته السلطة الإيرانية مع الغرب في العام 2015 باعتباره سببا في قناعة قطاع عريض من الإيرانيين ذوي التحفظات على سلوك السلطة؛ بأن اعتدال روحاني وإصلاحيته، يمكن أن يؤتي ثماره وأن يُرفع الحصار عن البلاد، لكن رئيس الجمهورية سرعان ما تناغم مع الخط المتنفذ المتشدد، وتبنى كل توجهاته الإقليمية، بينما الحال الاقتصادية ظلت كما هي وتفاقمت أكثر، وتبخرت وعود روحاني بتحسين الوضع المعيشي للشعب الإيراني.

غير أن سريان الاحتجاجات، كما تسري النار في الهشيم، ألقى بظلاله العميقة على مستقبل إيران، وفتح جرحا نازفا في الداخل الإيراني، معطوفا على مسارب النزف في ساحات أخرى في المشرق العربي. وسُمعت هتافات مشابهة لهتافات العام 1979 ضد الشاه إن لم تزد عليها في الحدة والجسارة.

ففي عام 2009 كان الاحتجاج منسوبا للمجتمع المدني وعموده الفقري الطبقة الوسطى، بل إن أسبابه كانت محصورة في تصعيد محمود أحمدي نجاد، على حساب منافسه الإصلاحي مير حسين موسوي. أما اليوم، فإن طبقة الفقراء والعاطلين عن العمل من الشباب والمقموعين أيديولوجيا، هي التي تُنسب إليها الاحتجاجات الشعبية، وهذه الطبقة، بحكم تكوينها وفئاتها العمرية، وأوضاعها التي لم تدع لها شيئا تخسره أو تحرص عليه هي التي استعادت هتافات العام 1979 مع تغيير في الأسماء المستهدفة. ففي ذلك العام كان الشاه هو الدكتاتور، واليوم أصبح المرشد الأعلى علي خامنئي، بل إن بعض الهتافات التي عارضها الإصلاحيون، كانت تنادي بعودة الحكم الشاهنشاهي.

ولعل من بين عناصر الاحتقان أن ممارسات الإقصاء طالت رموزا من المؤسسة الدينية نفسها، وبعض رجال الثورة الخمينية، كمهدي كروبي الرازح الآن تحت الإقامة الجبرية، رغم قربه سابقا من الإمام الخميني. وهذا الذي دعا تقي كروبي نجل مهدي كروبي، إلى التعبير عن خيبة الأمل من رئيس الجمهورية الذي انتخبه الإصلاحيون، وتقديم دحض مسبق لمحاولة النظام جعل الاحتجاجات من صنع جهات أجنبية. وصرح تقي كروبي أن على “المؤسسة أن تعترف بأن هناك قاعدة اجتماعية للاحتجاج في إيران”.

في هذا الخضم، يتحدث المعلقون عن عنصر مُحيّر بالنسبة للسلطات الأمنية الإيرانية، وهو أن الاحتجاجات الراهنة، ليست لها مرجعيات أو رموز، وليست منظمة، وبالتالي ليست لها عناوين أشخاص يمكن اعتقالهم لاحتواء الأحداث.

في هذا السياق، تعرضت الانتفاضة للتأويل الداخلي، فضلا عن التأويلات المتعلقة بتحريض جهات خارجية. فهناك من رآها من صنع أجنحة داخل مؤسسة الحكم، في عملية التنافس المستتر على خلافة علي أكبر خامنئي. ويستبعد معلقون آخرون أن يكون الأمر على هذا النحو، إذ لا يجرؤ أي جناح في الحكم على إخراج العفريت دون أن يكون قادرا على إعادته إلى القمقم. فالسبب الاقتصادي أكثر من كاف لتحريك الفقراء.

وعلى الأرجح، أن الأطراف الإقليمية فوجئت بالهبة الشعبية. ذلك علما بأن النظام الإيراني لم يقدر لدول الجوار العربية، استنكافها الدائم عن التدخل في شؤونها الداخلية، رغم وجود نحو ثمانية ملايين عربي يتعرضون للقمع والاضطهاد والحرمان من حقوقهم الثقافية وحتى من حقوق لغتهم.

ومع ذلك كله، لن تجد السلطة الإيرانية سوى التدخلات الخارجية لكي تعلل الاحتجاجات وتضربها بيد من حديد مثلما أعلن الحرس الثوري. أو كأن لا مشكلات اجتماعية واقتصادية في إيران، دفعت الناشئة إلى تداول صورة فتاة إيرانية نشرت صورتها بغير حجاب، في تحد لثقافة السلطة، نكاية فيها وليس نكاية في الثقافة، وبمعنى آخر، كأن الرئيس الأميركي دونالد ترامب هو النموذج الذي افتتن به الإيرانيون الغاضبون الذين طرحوا مطالبهم وليس مطالبه.

كاتب وسياسي فلسطيني

8