انفجار فقاعة الأسواق الناشئة يربك آفاق الاقتصاد العالمي

الاثنين 2013/12/30
الليرة التركية فقد 17 بالمئة من قيمتها في 2013

لندن – لم تعد الدول الناشئة ارض الميعاد للاقتصاد العالمي بعد ما شهدته خلال عام 2013، بل باتت مصدر قلق مع تسجيلها تباطؤا في النمو وبلبلة في اسواقها المالية وأسعار عملاتها واضطرابات اجتماعية، رغم أن البعض يرى أن تلك المخاوف قد تكون مبالغا بها.

وكان الاقتصاد العالمي يراهن منذ سنوات على هذه الاسواق الناشئة الواعدة في البرازيل والهند وجنوب افريقيا وتركيا واندونيسيا وروسيا والصين غيرها.

وبدأ عام 2013 بقناعة راسخة بأن النمو القوي الذي تسجله الأسواق الناشئة يعوض عن الانكماش والركود في الدول المتطورة، وأن أسواقها الداخلية التي تشهد توسعا كبيرا تثير شهية الشركات الغربية الكبرى للعمل فيها.

كما أن تكلفة الانتاج المتدنية فيها تحفز التجارة العالمية، واحيتاطياتها من العملات الاجنبية تتيح لها تمويل الديون الغربية.

لكن العام 2013 عطل كل ذلك فخسرت هذه الاسواق بعض بريقها وبات ينظر اليها بمزيد من الواقعية.

وفي نوفمبر لخصت منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية الوضع فقالت إن النمو العالمي سيكون اضعف بسبب التباطؤ في الدول الناشئة و”قد تلعب البيئة الاقتصادية العالمية دورا في تضخيم ونشر الصدمات السلبية” القادمة من هذه الدول.

وقالت جينيفر بلانك رئيسة قسم الاقتصاد في المنتدى الاقتصادي العالمي ومقره لندن “كنا نترقب ذلك منذ فترة، لكنه ظهر بوضوح كبير” خلال العام 2013.

ويرى كريس ويفر الخبير الاقتصادي في شركة ماركو ادفايزوري للاستشارات ومقرها موسكو إن هذا “التغيير في الموقف حيال الدول الناشئة كان ضروريا منذ وقت طويل وتأخر كثيرا” نتيجة استثمارات مبنية على اوهام وأخرى مبنية على “التساهل”.

لكن المشكلة الرئيسية التي واجهها العديد من الدول الناشئة الكبرى تبقى التباطؤ الشديد في نموها، وهذا طاول روسيا وجنوب افريقيا وبصورة خاصة الصين، القوة الاولى بينها، مع العلم بان أي مشكلة في الصين تنعكس على الاقتصاد في جميع انحاء العـالم. ويرى البنك المركزي الاوروبي ان “اي تباطؤ شديد أو غير مضبوط في الاقتصادات الناشئة يتعين مراقبته عن كثب نظرا إلى مخاطر انعكاسه بشكل اقوى وأكثر دواما في منطقة اليورو”.

ويوضح كريس ويفر أن “المستثمرين افترضوا مسبقا ان الصين ستواصل النمو بمعدل 8 إلى 9 بالمئة في السنة وهذا أمر مستحيل على المدى البعيد”، في حين أن الهدف الرسمي الذي حددته بكين للنمو يبلغ 7.5 بالمئة للعام ، 2013 وق بلغ فعليا نحو 7.6 بالمئة. ولفتت جينيفر بلانكي إلى انه بالرغم من كل ذلك “فإننا مرتاحون لان البعض كان يتحدث عن تباطؤ شديد” قد يسجله الاقتصاد الصيني، وهذا ما كان تسبب بعواقب اكثر خطورة.

ولفتت المجموعة المصرفية السويسرية العملاقة “يو.بي.أس" في مذكرة حول افاق الاستثمارات في عام 2014 إلى أن “الاداء الاقتصادي لكثير من البلدان بات يتوقف” على النمو الصيني.

وتابعت المجموعة أن “نمو الاستثمارات الصينية غذى الطلب على المواد الاولية ودعم العديد من الاقتصادات مثل البرازيل واستراليا”.

وحذرت من أنه “لن يكون هناك – صين بعد الصين – بكلام آخر لن يكون هناك قوة عظمى تسجل نموا يفوق 10 بالمئة” قادرة على الحلول محل الصين في دور المحرك للاقتصاد العالمي.

ويضاف إلى هذا التباطؤ في النمو عامل خطر اخر هو انعدام الاستقرار المالي.

ويخشى المحللون اليوم من تأثير وقد تأثرت بورصات وعملات عدد من الدول الناشئة خلال الصيف جراء النزوح المفاجئ والكبير في رؤوس الأموال الناتج عن التلويح بتقليص السياسة النقدية البالغة السخاء التي يتبعها مجلس الاحتياطي الاتحادي الاميركي، والذي بدأ في مايو الماضي قبل وقت طويل من قيامه بخفض طفيف في ديسمبر. وقد أدى ذلك الى خسائر كبيرة في أسعار صرف العملات عملات وأسهم البلدان الناشئة، من الهند الى البرازيل وتركيا واندونيسيا وجنوب أفريقيا، وكانت الليرة التركيـة والروبيـة الهنديــة أكبر الخاسرين.

وكبد ذلك الشركات والمجموعات الأميركية والأوروبية العملاقة العاملة في تلك البلدان خسائر مالية فادحة نتيجة الفوارق في اسعار الصرف.

وتقول بلانكي إن الاضطرابات الاجتماعية تشكل عامل خطر آخر “وهو ما شهدناه مؤخرا في البرازيل وجنوب افريقيا حيث طالب الناس بحصة اكبر من الارباح لأنهم لا يرون تحسنا في مستواهم المعيشي بالسرعة التي يودونها”. كما أن الاضطرابات التي تحدث لأسباب سياسية مثل التي حدثت في تركيا تمثل خطرا هي الأخرى.

وتضيف بأنه “خطر كبير جدا واعتقد ان تلك الدول تعي ذلك” رغم انها اقرت بان العديد منها لم تغتنم كما ينبغي سنوات الازدهار لتحقق اصلاحات كافية.

وقالت الرئيسة البرازيلية ديلما روسيف في نهاية نوفمبر الماضي إن “على الحكومة ان تنصت لصوت الشارع… لا يمكن لحكومة ان تعزل نفسها وتنغلق على نفسها”.

لكن هذه الدول تبقى في نهاية المطاف المحرك الرئيسي للاقتصاد العالمي. لذلك يحذر المحللون من أنه مثلما استمر التفاؤل في نهاية العقد الماضي اطول مما ينبغي وابقى التطلعات بمستوى اعلى مما ينبغي، فإن التشاؤم يمكن أن يحبط الاقتصاد العالمي ويمضي أبعد مما ينبغي ايضا في الاتجاه المعاكس.

ولا يساور المراقبين كثير من الشك بأن البلدان الناشئة ستواصل النمو وأن طبقاتها الوسطى ستواصل التوسع لتشكل مصدرا كبيرا للطلب على الكثير من السلع والخدمات من الاقتصادات المتطورة.

وفي مطلق الاحوال حذرت من “انهم عامل خطر، لكنهم كذلك فرصتنا الوحيدة”.

10