انفجار مرفأ بيروت يرهن الأمن الغذائي للبنانيين بتلويث القمح

تزايد مخاوف المواطنين من انقطاع الخبز بعد ارتفاع سعره.
السبت 2020/08/08
المساعدات ستنتهي

رهن انفجار مرفأ بيروت الأمن الغذائي للبنانيين نظرا لتلوث أطنان النفط والذرة المخزنة مع الأتربة والركام الأمر الذي أثار مخاوف انقطاع مواد أساسية كالخبز في بلد يعاني أصلا غلاء الأسعار وانقطاع الكهرباء.

بيروت - هدد خطر الجوع اللبنانيين بعد حادثة انفجار مرفأ بيروت تبعا لإتلاف أطنان من القمح ما ضاعف حدة الأزمة الاقتصادية والاجتماعية في البلد وأنذر بخطر انقطاع الخبز والجوع.

تسبب الانفجار في مرفأ بيروت في امتزاج أطنان من القمح والذرة المخزّنة في الإهراءات مع الأتربة والركام بعدما دمّر الانفجار الضخم جزءا منها، ما أثار خشية اللبنانيين من انقطاع الخبز في وقت يرى فيه خبراء أنه لا حل للبلد إلا عبر المساعدات من الدوائر المانحة.

ويُعقّد الانفجار الضخم وصول المواد الغذائية إلى بلد يستورد أكثر من 85 في المئة منها، لاسيما القمح لإنتاج الخبز، في وقت ارتفع فيه سعر كيس الخبز جراء الأزمة الاقتصادية خلال الأسابيع الماضية من 1500 إلى ألفي ليرة لبنانية.

ونسبت وكالة الصحافة الفرنسية لرئيس مجلس إدارة أفران “وودن بايكري” غسان أبوحبيب قوله “عندما رأينا الصوامع، أصبنا بالذعر”.

وتناثرت 15 ألف طن من القمح والذرة والشعير من إهراءات مرفأ بيروت التي تضررت مع الطاحونة القريبة منها بشكل كبير وانهارت أجزاء كبيرة منها.

ويفاقم تضرر الإهراءات التي تتسع لـ120 ألف طن من الحبوب، مخاوف اللبنانيين الذين يخشون منذ أشهر انقطاع القمح أو ارتفاع سعره أكثر في ظل الأزمة الحادة في السيولة، باعتبار أن هذه المادة الأساسية مدعومة من الدولة.

وبينما كانوا يتابعون بعجز انهيار الاقتصاد في بلدهم ويعيشون تبعات هذا الوضع الهش وتفاقمه مع تفشي وباء كوفيد – 19، أتى انفجار مرفأ بيروت، الذي أسفر عن مقتل 154 شخصا على الأقل وإصابة أكثر من خمسة آلاف آخرين، ليشكل أكبر كارثة عرفها اللبنانيون.

ويتخبّط لبنان في أسوأ أزمة اقتصادية في تاريخه الحديث، وخسر عشرات الآلاف من اللبنانيين وظائفهم أو جزءا من رواتبهم وتآكلت قدرتهم الشرائية، فيما ينضب احتياطي الدولار لدى مصرف لبنان لاستيراد مواد حيوية مدعومة كالقمح والأدوية والوقود.

كما فرضت المصارف قيودا على سحب الدولار ومنعت عمليات تحويله إلى الخارج، ما عقد العمليات التجارية.

وتراجعت حركة حاويات البضائع بنسبة 45 في المئة في النصف الأول من العام 2020 مقارنة مع العام الماضي، وفق تقرير صادر عن “بلوم إنفست”، في وقت تدهورت فيه قيمة الليرة اللبنانية بنسبة 80 في المئة بارتفاع حاد في أسعار المواد الغذائية تخطى سبعين في المئة.

كريستالينا جورجييفا: صندوق النقد يبحث كل السبل الممكنة لدعم شعب لبنان
كريستالينا جورجييفا: صندوق النقد يبحث كل السبل الممكنة لدعم شعب لبنان

ويقول أبوحبيب “منذ ما قبل الانفجار، نواجه صعوبات بالنسبة إلى القمح والطحين، إذ ليست لدى المطاحن كميات كافية، كما ليس لديها المازوت” الضروري للتشغيل.

وتحتاج أفران “وودن بايكري” التي توزع منتجاتها في المناطق كافة، إلى ما بين 60 و70 طنا من الطحين يوميا، غير أنه لم يكن بمقدورها الحصول خلال الفترة الماضية إلا على سبعين في المئة من حاجاتها.

ويقول أبوحبيب “مطبخنا الرئيسي غير قادر على تلبية الطلبات الضرورية لتعبئة الرفوف”.

وغداة الانفجار، توافد المئات من الزبائن إلى فرن الكبوشية الصغير في شارع الحمراء في بيروت خشية انقطاع الخبز في السوق.

ويقول أحد عاملي الفرن حيدر الموسوي “انتهى المخزون لدينا جراء التهافت على الخبز والطحين”، مشيرا إلى أن الشخص الواحد كان يشتري خمسة أكياس من الخبز إثر وقوع الانفجار.

ويضيف “الخبز هو الشيء الوحيد الذي يشبع الفقير. فنحن لا نجلس في مطاعم مار مخايل لنأكل اللحمة بالشوكة والسكين”.

وسارع مسؤولون غداة الانفجار إلى التخفيف من وطأة المخاوف، وطمأنوا إلى وجود مخزون من القمح يكفي لشهر كما أن شحنات جديدة ستصل إلى مرفأي طرابلس شمالا وصيدا جنوبا.

ولكن المرفأين غير مجهزين مثل مرفأ بيروت المدمر ولا توجد فيهما إهراءات للتخزين، وفق ما يقول مدير إهراءات بيروت السابق موسى خوري.

ويوضح “لا مثيل لمرفأ بيروت. كانت عمليات إفراغ البواخر ونقل الحمولة إلى الصوامع أو تفريغ الصوامع لإرسال الحبوب إلى المطاحن تتواصل على مدى 24 ساعة في اليوم”.

ومن المرجّح ألا تشهد أفران ومتاجر لبنان نقصا في الخبز سريعا، لكن “المشاكل الكبيرة” ستظهر خلال الأشهر المقبلة.

ويقول “موانئ طرابلس وصيدا أصغر حجما، وبالتالي ستحتاج عملية تفريغ الحبوب ونقلها وقتا أطول وسيرتفع سعرها”.

أمام الواقع الجديد، سارع أصحاب المطاحن إلى تقدير كلفة نقل القمح من طرابلس، التي تبعد 80 كيلومترا عن بيروت، فاتضح أنها ستكلفهم ستة دولارات إضافية للطن الواحد، وفق ما يقول مدير مطاحن منطقة الدورة رسلان سنو.

ويتساءل سنو “من سيدفع ثمنها؟ نحن”، مشيرا إلى أن كميات القمح القليلة التي كانت موجودة في إهراءات بيروت كما في المطاحن كانت مرتبطة بتأخر المصرف المركزي في دفع المستحقات للمزودين.

ودقت الأمم المتحدة أيضا ناقوس الخطر، إذ حذر برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة من أن يؤدي الانفجار إلى “تفاقم الوضع الاقتصادي والغذائي المتردي بالفعل في لبنان” و”ارتفاع أسعار المواد الغذائية لتكون بعيدة عن متناول الكثيرين”.

ومنذ أشهر، يلجأ عدد متزايد من اللبنانيين إلى المنظمات الإنسانية مثل “بنك الطعام في لبنان”، والتي كانت خدماتها مكرسة بشكل أساسي لمساعدة نحو مليوني لاجئ سوري وفلسطيني في لبنان.

ودأبت المنظمة على وضع أكياس من الخبز في سلّتها الغذائية من تبرعات أفران ومطاحن.

ومنذ وقوع التفجير، يوزع متطوعو المنظمة السندويشات والوجبات الخفيفة على السكان الذين طالت الأضرار منازلهم.

وتقول المديرة التنفيذية للمنظمة سهى زعيتر “ليس لديهم وقت للطبخ لأنهم ينظفون منازلهم”.

وتلقت المنظمة حتى الآن تبرعات على موقعها الإلكتروني من أكثر من عشرة آلاف شخص، وأرسل آخرون مبالغ نقدية أو مساهمات عينية.

الانفجار يعمق أزمة الغذاء، لاسيما القمح لإنتاج الخبز، في وقت ارتفع فيه سعر كيس الخبز إلى ألفي ليرة

وتخشى زعيتر ألا تتمكن منظمتها من تقديم ما يكفي، إذ أن أحد الأفران، الذي كان يتبرع بـ500 كيس خبز، أبلغها بأنه لن يستطيع زيادة الكمية خشية من نقص في القمح.

وتقول زعيتر “كنا نواجه أساسا وباء كوفيد – 19 والأزمة الاقتصادية، ثم وقعت هذه الحادثة الكارثية لتزيد الطين بلّة”.

وبعد هذه الأزمة غير الاقتصادية والإنسانية قال صندوق النقد الدولي، إنه يدرس وسائل لدعم لبنان بعد انفجار مرفأ بيروت الذي أوقع الآلاف من القتلى والجرحى وأحدث دمارا هائلا.

وقالت المديرة العامة للصندوق كريستالينا جورجييفا، في بيان، “يبحث صندوق النقد الدولي كل السبل الممكنة لدعم شعب لبنان“.

وبدأ لبنان منتصف مايو مفاوضات مع صندوق النقد الدولي بهدف الحصول على تمويل خطة وضعتها الحكومة لإنقاذ اقتصاد البلاد من أسوأ أزمة يواجهها منذ عقود.

لكن المفاوضات تعثرت إلى أن علقت في 3 يوليو لخلافات داخلية لبنانية بشأن إصلاحات وضعها صندوق النقد كشرط لدعم خطة الحكومة.

وقالت جورجييفا في بيانها الجمعة “من الضروري التغلب على الجمود في المناقشات حول الإصلاحات الحاسمة، ووضع برنامج هادف لتغيير الاقتصاد وبناء المساءلة والثقة في مستقبل البلاد”.

ودعت الأطراف السياسية اللبنانية إلى نبذ الخلافات لمواجهة تداعيات انفجار مرفأ بيروت قائلة “عقب المأساة الرهيبة في لبنان، حان الوقت للوحدة الوطنية للتغلب على الكارثة، وكذلك لمعالجة الأزمة الاقتصادية والاجتماعية العميقة التي لا تزال البلاد تواجهها”.

وزادت “لقد حان الوقت أيضا لأن يتقدم المجتمع الدولي وأصدقاء لبنان لمساعدة البلاد في هذه اللحظة التي تشتد الحاجة إليها”.

ودمر الانفجار 80 في المئة من مرفأ بيروت الذي تمر عبره 70 في المئة من تجارة لبنان الخارجية.

وقدرت الأضرار الناجمة عن الانفجار بمليارات الدولارات، ما يفاقم أزمة اقتصادية حادة يواجهها لبنان الذي يئن تحت مديونية تزيد عن 92 مليار دولار أو ما يعادل 170 في المئة من إجمالي الناتج المحلي.

وزادت من معاناة اللبنانيين أزمة سيولة دولارية وانهيار العملة المحلية إلى مستويات غير مسبوقة.

وتوقف لبنان عن سداد ديونه الدولية اعتبارا من مارس.

11