انفجار مرفأ بيروت يفاقم أزمات الدراما اللبنانية

شلل أستوديوهات التصوير يدفع القطاع الفني إلى طريق مسدود.
الخميس 2020/09/03
أعمال رومانسية لا تتواءم مع وضع لبنان الصعب

انعكس انفجار مرفأ بيروت بشكل غير مسبوق على صناعة الدراما في لبنان، في وقت يُعاني فيه القطاع من أزمة اقتصادية خانقة تفاقمت بسبب وباء كورونا، لتضاعف كارثة 4 أغسطس الماضي من أزمة الإنتاج الدرامي بالبلد.

تعقيبا على بدء عرض مسلسلها “دانتيل” على منصة شاهد الرقمية قبل أيام قليلة، لم تُبد النجمة اللبنانية سيرين عبدالنور على صفحتها الشخصية على موقع تويتر أي احتفاء بهذه المناسبة كعادتها مع كل مسلسل جديد يعرض لها.

وصرّحت عبدالنور عبر صفحتها الشخصية أنها ليست في حال يسمح لها بالاحتفال أو الشعور بالفرح بعمل درامي جديد في ظل هذه الأجواء الحزينة التي يعيشها شعبها.

وأبدت الفنانة تفهّمها بالطبع كون منصة شاهد هي منصة عربية بالأساس وأن لديها التزامات خاصة بعرض الأعمال الدرامية، لكن هذا كله لا يعني أنها مؤهلة نفسيا للاحتفاء بأي عمل حتى لو كان من بطولتها، خاصة أنه عمل رومانسي لا يتناسب مع الوضع الصعب الذي يعيشه لبنان حاليا.

أعمال مؤجلة

مسلسل “دانتيل” كان من المقرّر عرضه في شهر رمضان الماضي لكنه تأجل بسبب وباء كورونا الذي حال دون استكمال تصويره. ويجمع العمل بين سيرين عبدالنور والفنان السوري محمود نصر للمرة الثانية بعد مسلسلهما “قناديل العشاق” الذي عرض قبل عامين، وتشارك في بطولته أيضا سارة أبي كنعان ونهلة عقل داوود وزينة مكي.

ويروي المسلسل قصة حب بين صاحب دار للأزياء وعاملة خياطة في الدار، وتسلط أحداثه الضوء على الفوارق الطبقية والاجتماعية بين اللبنانيين في إطار رومانسي اجتماعي، وهو مسلسل مقتبس عن عمل إسباني وتنتجه “إيجل فيلمز”، ومن المنتظر عرضه أيضا على عدد من المحطات العربية الأخرى قريبا.

سيرين عبدالنور لم تبد أي احتفاء بعرض مسلسلها الجديد "دانتيل" على منصة شاهد، بعد الانفجار الدامي لمرفأ بيروت

وخلافا لمسلسل “دانتيل”، أعلنت أخيرا شركة “الصباح إخوان” عن نيتها عرض المسلسل اللبناني “من الآخر” أواسط شهر سبتمبر الجاري، وهو من بطولة ريتا حايك ومعتصم النهار ومجموعة متنوعة من النجوم والنجمات اللبنانيات. كما أعلنت الشركة ذاتها عن نيتها عرض أعمالها التي تأجل عرضها بسبب وباء كورونا وتم فعليا الانتهاء من تصويرها، ومن بينها مسلسل “2020” و”الهيبة الرد”.

فهل يعني عرض هذه الأعمال أن الدراما اللبنانية مُقدمة على انفراجة إنتاجية بعد أزمة تفجير المرفأ؟ يبدو أن الأمور بكل أسف تشي بغير ذلك، فمعظم الأعمال التي تُعرض الآن أو التي أعلن عن عرضها قريبا كان قد تم الانتهاء منها قبل حادث الانفجار، بل إن بعضها كان على وشك الانتهاء قبل انتشار وباء كورونا، أما على صعيد الإنتاجات الجديدة فالأمور تبدو حاليا في حالة من التوقف التام، فأستوديوهات التصوير جميعها مُصابة بالشلل، وشركات الإنتاج تُعيد صوغ أوضاعها من جديد لتجاوز الأزمة الخانقة التي ألمّت بها.

فبعد انتهاء التظاهرات اللبنانية في 2019 التي جمّدت معظم النشاطات الفنية في البلد، بدأ النشاط يدبّ شيئا فشيئا في حركة الإنتاج الدرامي، وما إن بدأت الأمور في التحسن حتى جاء وباء كورونا في مطلع هذا العام، واضطرت العديد من شركات الإنتاج إلى إلغاء تصوير الأعمال.

كما أرجئت التعاقدات التي كانت قد أبرمت مع المحطات التلفزيونية، وأصيبت حركة الإنتاج بالشلل التام، لذا جاء الموسم الدرامي الرمضاني هذا العام مضطربا وشحيحا في إنتاجه، بعد أن خرجت العديد من الأعمال المنتظر عرضها من هذا السباق أو اكتفت بعدد الحلقات التي تم تصويرها كمسلسلي “الرسام” و”النحات” مثلا، نظرا لضيق الوقت وشروط التصوير القاسية التي فرضت على أطقم التصوير جميعها إجراءات احترازية مُشدّدة.

أزمة مضاعفة

مسلسل "من الآخر" من الأعمال التي تم الانتهاء منها قبل حادث الانفجار، وهو من بطولة ريتا حايك ومعتصم النهار
مسلسل "من الآخر" من الأعمال التي تم الانتهاء منها قبل حادث الانفجار، وهو من بطولة ريتا حايك ومعتصم النهار

قبل الانفجار كان اللبنانيون يستبشرون خيرا بعد أن بدأت الحياة تعود إلى طبيعتها مرة أخرى، واضطر الناس إلى التعايش مع الإجراءات الاحترازية التي فرضها انتشار وباء كورونا.

الكثير من شركات الإنتاج كانت تتجهّز لاستغلال فترة الصيف لإنتاج أعمال محلية ومشتركة قد تعوّض هذه الخسائر المتتالية. ووسط هذه الأجواء المتفائلة جاء تفجير مرفأ بيروت ليقضي على هذه الآمال المعقودة بانفراج الأزمة، ويلقي على المشهد بظلال ضبابية.

صرّحت بعض شركات الإنتاج أنها تواجه بالفعل أزمة في توفير السيولة اللازمة بعد عجز المصارف اللبنانية عن تلبية احتياجاتها، كغيرها من القطاعات الأخرى في لبنان. وإذا ما استمر الأمر على هذا الحال فسيؤثّر بالطبع على سير عملية الإنتاج برمتها، وسيلجأ المنتجون مثلا إلى تخفيض أجور الفنانين والأطقم الفنية.

ستجد الخبرات السورية في مجال الدراما صعوبة في العمل في ظل أجواء التقشف، ما سيقلّل من نسبة الأعمال الدرامية المشتركة التي تعادل نصف الإنتاج اللبناني تقريبا كل عام. أما قنوات البث التلفزيوني في لبنان فهي تعاني اليوم أكثر من أي وقت مضى جراء الأزمة المالية المتفاقمة وضعف المعلنين، وربما لن يكون بمقدور الكثير منها المجازفة بشراء أو التعاقد على أعمال جديدة لعرضها، وسيكتفي الكثير منها بإعادة عرض الأعمال القديمة.

وخلافا لذلك فثمة أزمة حقيقية في أماكن التصوير، بعد أن طال تفجير المرفأ العديد من المباني والأماكن الحيوية في بيروت، بما فيها مقار شركات الإنتاج وأستوديوهات التصوير التي أعلن بعضها عدم قدرته على استضافة تصوير أي أعمال فنية حتى تتم معالجة الأضرار الناجمة عن التفجير.

وخلافا لأستوديوهات التصوير، هناك العديد من المواقع الهامة والحيوية في بيروت قد أصابها الضرر، وكانت تمثل وجهة تقليدية للعديد من شركات الإنتاج، وبينها الأحياء والأماكن التراثية القديمة كالجميزة والأشرفية ووسط بيروت نفسها، الذي تغيّرت معالمه ويحتاج إلى وقت وجهد لإعادته إلى سابق عهده.

لا شك أن الأزمة الأخيرة ستلقي بظلالها على القطاع الفني والإنتاج الدرامي في لبنان إلى أجل غير مسمى، بعد أن حقّق خلال السنوات الماضية طفرة كبيرة، حتى باتت الأعمال اللبنانية منافسا قويا لمراكز صناعة الإنتاج الدرامي التقليدية في المنطقة العربية، واستطاعت فرض نفسها على شاشات العرض التلفزيونية في العالم العربي.

ويأمل أهل القطاع في أن تنهض الدراما اللبنانية من عثرتها وتعاود الحضور والمنافسة من جديد، نظرا لأن اللبنانيين يتميزون بقدرة واسعة على تجاوز المحن واستلهام القوة من مواطن الضعف.

16