انفجار مرفأ بيروت يقود ما بقي من اقتصاد لبنان إلى الانهيار

تدمير أكبر ميناء تجاري يهدد بقطع إمدادات الغذاء والدواء عن اللبنانيين.
الخميس 2020/08/06
سننهض من تحت الركام

هزت فاجعة انفجار مرفأ بيروت ما بقي من أركان اقتصاد لبنان المنهار حيث مثل ضربة قاصمة لأهم ممرات عبور السفن التجارية بين الشرق والغرب وما يعني ذلك من تهديد لقنوات مرور إمدادات السلع والغذاء والدواء إلى البلد الذي يعتمد بصفة كبيرة على استيراد احتياجاته.

بيروت - دق انفجار مرفأ بيروت مسمارا أخيرا في نعش الاقتصاد اللبناني الذي يكافح أزمة مالية خانقة قادت البلد إلى التخلف عن سداد دينه الخارجي منذ أشهر في ظل السقوط القياسي في قيمة الليرة ما أدى إلى إغراق نصف الشعب اللبناني في الفقر وارتفاع كبير في الأسعار.

بينما كان اللبنانيّون يتابعون بعجز انهيار الاقتصاد في بلدهم ويعيشون تبعات هذا الوضع الهش الذي أضيف إليه وباء كوفيد – 19، شهد البلد الأربعاء كارثة أخرى بانفجارين مدمرين أوديا بحياة كثيرين في مرفأ بيروت.

ويعد مرفأ بيروت أهم ميناء في لبنان، ومن أهم الموانئ في الحوض الشرقي للبحر الأبيض المتوسط. ونظرا لموقعه الاستراتيجي، كان يستخدم هذا المرفأ لاستيراد المواد الأساسية من دول العالم وتصديرها عبر الداخل اللبناني إلى دول الشرق الأوسط.

ويعتبر هذا المرفأ ركيزة أساسية للاقتصاد اللبناني، إذ أنّه يلعب دورا أساسيا في عملية الاستيراد والتصدير وبالتالي تحريك العجلة الاقتصادية اللبنانية.

جاسم عجاقة: لبنان يعوّل على المساعدات الدولية لتجاوز الأزمة
جاسم عجاقة: لبنان يعوّل على المساعدات الدولية لتجاوز الأزمة

ويتعامل مرفأ بيروت مع 300 مرفأ عالمي ويقدر عدد السفن التي ترسو فيه بنحو 3100 سفينة سنويا.

ويتألف المرفأ من 4 أحواض يصل عمقها إلى 24 مترا، إضافة إلى حوض خامس كان قيد الإنشاء. كما يضم 16 رصيفا والعديد من المستودعات وصوامع تخزين القمح التي تؤمن أفضل شروط التخزين.

وانجر عن هذا الانفجار في أضخم مرفأ اقتصادي وتجاري يؤمن للبلد قنوات التصدير والاستيراد خسائر كبيرة حيث قدّر مروان عبود محافظ العاصمة اللبنانية بيروت، قيمة الأضرار، بين 3 و5 مليارات دولار، كرقم أولي.

وتعادل قيمة الخسائر الأولية البالغة 5 مليارات دولار، نحو 9.36 في المئة من قيمة الناتج المحلي الإجمالي للبنان خلال 2019، والبالغة 53.37 مليار دولار.

كذلك، يعادل المبلغ أربعة أضعاف قيمة سندات يوروبوند (أدوات دين مقومة بالدولار) تخلف لبنان عن سدادها في مارس الماضي، البالغة 1.2 مليار دولار؛ كما تعادل الخسائر 25 في المئة من احتياطي النقد الأجنبي للبلاد البالغة 20 مليار دولار.

إلا أن المشكلة الأبرز لدى البلاد، هي توفير السيولة النقدية اللازمة لإعادة بناء المرفأ والمرافق التجارية والسكنية، وهي أزمة قد تطال شركات تأمين عاملة في السوق المحلية، ستكون في واجهة تعويضات بمئات الملايين من الدولارات.

ويأتي الانفجار، في وقت تعاني فيه البلاد من أزمات اقتصادية ومالية ونقدية معقدة، دفعت الحكومة لطلب مساعدة صندوق النقد الدولي والدول المانحة وأخرى خليجية، للخروج من الضائقة التي تواجهها.

وستكون حكومة حسان دياب، تحت ضغوط جديدة للمواءمة بين التزاماتها المالية والاقتصادية، وإعادة بناء المرفأ الذي تمر من خلاله 70 في المئة من حركة التجارة البحرية سنويا.

وقدر الخبير الاقتصادي جاسم عجاقة، حجم الدمار الحاصل في مرفأ بيروت، بنسبة 80 في المئة، مشيرا إلى أن “المرفأ يحوي مخازن سلع رئيسية.. يعني أننا سنواجه أزمة نقص بالمواد الأساسية، لاسيما الغذائية، في الأيام المقبلة”.

ونسبت وكالة الأناضول لعجاقة قوله إن “لبنان يعوّل على المساعدات الدولية وعند وقوع حدث إنساني، يجنِّب المجتمع الدولي الأمور السياسية”.

ويرى عجاقة، أنه في المدى المنظور، لن تستطيع المرافئ اللبنانية الأخرى أن تحل مكان مرفأ بيروت لسبب أنها غير مجهّزة، من حيث المخازن والأحواض والصوامع، ومنصات الشحن والتخليص.

ويحتوي لبنان على مجموعة من المرافئ على طول الخط الساحلي، كمرفأ طرابلس (شمالي لبنان)، ومرفأ صيدا وصور (جنوب لبنان). ولكن يرى عجاقة أنه من الصعب أن “نستبدل مرفأ بيروت بسهولة، لأن 70 في المئة من تبادل لبنان مع الخارج كان يتم من خلاله”.

وتابع “معظم المخازن في مرفأ بيروت، كانت تحتوي على مواد غذائية بشكل أساسي مع بعض الكماليات، وهذا ما سيؤدي حتما إلى أزمة غذاء في لبنان”.

وعن احتمالية الاستعانة بمرفأ طرابلس للاستيراد، يرى عجاقة أن حوض المرفأ قد يكون قادرا على استقبال السفن الكبرى، “لكن ما مدى جهوزرية هذا المرفأ لتفريغ السفن وتخزين محتوياتها”.

وبعد الحديث عن احتمالية حدوث أزمة نقص في القمح خلال الفترة المقبلة، طمأنت وزارة الاقتصاد اللبنانية الأربعاء، بتوفر كميات تكفي لمدة شهر واحد، إلا أن مصير بقية السلع الأخرى، ما يزال مجهولا إلا أن الشكوك تسيطر على الأوضاع.

وقال المدير العام لوزارة الاقتصاد محمد أبوحيدر، في تصريح تلفزيوني، إن بلاده ليست أمام أزمة طحين، “لدينا 35 ألف طن من الطحين في المطاحن تكفي لمدة شهر، لدينا 28 ألف طن في 4 بواخر وسننقلها إلى مرفأ طرابلس (شمالي لبنان)”.

5

مليارات دولار رقم أولي لقيمة الأضرار المالية التي خلفها الانفجار

ولكن تظهر بيانات رسمية، تراجع إيرادات مرفأ بيروت في 2019 إلى أقل من 200 مليون دولار، مقارنة مع 313 مليونا في 2018، مدفوعا بتراجع الطلب على الاستهلاك، نتيجة الأزمة الاقتصادية في البلاد.

وربما تبطئ الأزمة الاقتصادية والنقدية في البلاد، من حدوث أزمة في وفرة السلع الرئيسية، قبل تدارك الحكومة وقوعها بتجهيز بدائل أخرى من المرافئ وأبرزها مرفأ طرابلس الذي يأتي ثانيا من حيث الجهوزية.

من جانبه يرى المحلّل الاقتصادي باسل الخطيب أن “توقف المرفأ خسارة كبيرة حيث ستتوقف حركة الاستيراد والتصدير لفترة، عدا عن الخسائر التي لا يمكن تقدير حجمها في الوقت الحالي ولكن بالتأكيد ستكون ضخمة”.

وتابع “الخسارة ستشمل أيضا حركة الرسو للسفن، كما سيتأثر القطاع الجمركي “وكل يوم سنخسر رسوما جمركية”.

وفي محاولة سريعة من السلطات لتخفيف الخسائر، أوصى مجلس الدفاع الأعلى في لبنان الثلاثاء، بتجهيز مرفأ مدينة طرابلس (شمالي البلاد) لتأمين العمليات التجارية من استيراد وتصدير.

وكان وزير الاقتصاد راوول نعمة، أشار في تصريح صحافي نقلته الوكالة اللبنانية الرسمية، إلى أنه “لا يمكن استخدام القمح المخزّن في صوامع مرفأ بيروت لأنه بات ملوثا جراء الانفجار”.

في هذا السياق، يستبعد الخطي أن تحصل أزمة قمح وطحين في لبنان “لأنّ الدول الشقيقة بدأت بالإعلان عن استعدادها لمساعدة لبنان وإرسال مساعدات غذائية، منها فرنسا والكويت وتونس، وبالتالي لا بوادر أزمة طحين”.

ولفت الخطيب إلى أن الأفران تمتلك كميات من القمح والطحين تستطيع سد الحاجة “إلى حين استيراد كميات أخرى”.

ومنذ أشهر، يلجأ عدد متزايد من اللبنانيين الذين يعانون من جراء الانهيار الاقتصادي، إلى المنظمات الإنسانية التي كانت خدماتها مكرسة بشكل أساسي إلى نحو مليوني لاجئ سوري وفلسطيني يعيشون في لبنان.

وخلال الأشهر الأخيرة، تفاقمت الأزمة الاقتصادية في لبنان من دون أن تستثني أي طبقة اجتماعية. ويحذّر خبراء من أن الطبقة الوسطى الدنيا بدأت بالاختفاء، مع خسارة الليرة أكثر من ثمانين في المئة من قيمتها أمام الدولار في السوق السوداء، فيما السعر الرسمي مثبت على 1507 ليرات.

وانعكس تدهور قيمة الليرة على أسعار السلع كافة في بلد يعتمد على الاستيراد لتأمين الجزء الأكبر من احتياجاته. وخسر عشرات الآلاف وظائفهم أو أجزاء من رواتبهم.

وتخشى مايا ترو مؤسسة منظمة فود بلسد التي تعنى بتقديم مساعدات غذائية اليوم من تفاقم انعدام الأمن الغذائي كون المرفأ كان المدخل الأساسي للواردات.

وقالت إن “لبنان يستورد 80 في المئة من احتياجاته الغذائية تخيلت على الفور مع رفوف السوبرماكتات فارغة، والأسعار مرتفعة بسبب النقص”.

وبلغت نسبة تضخم أسعار المواد الغذائية الأساسية نحو 109 في المئة بين سبتمبر ومايو، بحسب برنامج الأغذية العالمي.

وبات نصف اللبنانيين تقريبا يعيشون تحت خط الفقر، ولامس معدل البطالة 35 في المئة من القوى العاملة.

11