انفراجة في ملف الدراما المصرية تُمهّد لتنوّع المحتوى

الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية تقطع مع الاحتكار وتثري التعاون المشترك بمئة عمل جديد.
الخميس 2021/10/14
نجاح مسلسل "الاختيار" فتح الباب للمزيد من الأعمال ذات القصص العسكرية

سارعت الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية التي تسيطر على غالبية سوق الإعلام في مصر في خطواتها نحو إنهاء احتكارها للإنتاج الدرامي، فأفسحت المجال أمام مشاركة أكبر عدد من المنافسين في تقديم الأعمال المقرّر عرضها خلال الموسم الدرامي في رمضان القادم، وسط توقعات بأن يشهد هذا المجال انفراجة في عدد الشركات المساهمة بأعمال درامية جديدة قريبا.

القاهرة - تعتبر العديد من الجهات الرسمية في مصر أن الدراما باتت من أهم الأدوات الإعلامية لتقديم مضمون يعكس الدور الذي تقوم به الدولة في مجالات مختلفة، وإبراز التضحيات التي تقدّمها الأجهزة الأمنية لتحقيق الاستقرار في البلاد، وهو ما ظهر بوضوح في مسلسلي “الاختيار” و”كلبش” بأجزائهما المختلفة و”هجمة مرتدة”، ناهيك عن بعض الأفلام من نوعية “الممر”، وهناك تحضيرات لأعمال مماثلة.

وأشاد الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي ببعض الأعمال الدرامية التي تحتوي مضمونا سياسيا عميقا، وهو ما جعل دوائر حكومية تعمل على تعظيم الدور الإعلامي للفن، وتوسّع دائرة الاختيار أمام الأعمال التي ترسّخ الأهمية التي تلعبها الدراما.

وقالت الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية مؤخرا إنها استلمت أكثر من مئة عمل متنوّع من نحو أربعين شركة إنتاج فني منذ أن أتاحت فتح الباب لاستقبال رغبات الشركات المنتجة إلكترونيا، تمهيدا للتعاون المشترك بينها وشركات الإنتاج في الأعمال الفنية المختارة، ما يشير إلى طيّ صفحة احتكار الدراما لمشاركة الجهات العاملة في هذا المجال التي كانت شبه منبوذة الفترة الماضية، حيث أسندت غالبية الأعمال إلى شركة "سينرجي".

الاختيار للأفضل

فيلم ناجح

شكّلت الشركة المتحدة لجنة محايدة مكوّنة من ثلاثة عشر شخصا للمعالجة الفنية والحكم على الدراما التي يتمّ عرضها من جانب المنتجين لاختيار أفضل الأعمال وفقا لاستراتيجية وضعتها الشركة، وتستهدف بناء الوعي الإعلامي عبر الأعمال الفنية المقدّمة على أن تتوفّر فيها سمات ترتقي بجودة المحتوى المقدّم.

وهيمنت شركة “سينرجي” على غالبية الأعمال الفنية المقدّمة خلال السنوات الماضية قبل أن يشهد موسم رمضان الدرامي الماضي مشاركة ست شركات، وبعد إعادة الهيكلة التي شهدتها الشركة المتحدة للإعلام جرى التعاون مع ست عشرة شركة فنية قدّمت أعمالا مختلفة طيلة الأشهر الماضية، ما يقود إلى التخلي التدريجي عن حالة الاحتكار التي أثّرت سلبا على سوق الإعلام بوجه عام والدراما بوجه خاص.

الفضائيات المصرية قدّمت في المدة الأخيرة مجموعة من الأعمال الدرامية اقتربت من ملفات اجتماعية متعدّدة

وتعبّر هذه الخطوة عن انفراجة أولية على طريق فتح سوق الدراما من جديد بانتظار أن تكون هناك إتاحة كاملة لعرض المحتويات التي تقدّمها شركات الإنتاج وفقا للعرض والطلب، ما يشي بأن توجهات الحكومة المصرية نحو الانفتاح ستمرّ بمراحل عديدة وتخضع لتقييم دقيق بما يضمن عدم العودة إلى حالة الفوضى التي سيطرت على المحتويات الفنية والإعلامية المقدّمة منذ العام 2011 وحتى بدء إجراءات ضبط سوق الإعلام في بدايات العام 2015 التي قلّصت التنوّع في المضامين الدرامية.

وقال أستاذ الإعلام بجامعة القاهرة حسن عماد مكاوي إن الخطوات الأخيرة تمنح العاملين في سوق الإعلام المزيد من التفاؤل حول تحسّن أوضاعهم بعد أن أضرّ الاحتكار بصورة العاملين فيها، ويبقى هناك أمل مشروع في أن يكون تنوّع الأفكار وتعدّد المبدعين عبر منافستهم في ظهور سوق مفتوحة يتراجع فيها الاحتكار الذي مارسته جهات أو هيئات كان وجودها يعدّ وصاية على ما يقدّم في وسائل الإعلام.

وأضاف في تصريح لـ”العرب” أن ليس هناك مبرّرا لوجود شكل من أشكال التضييق على شركات الإنتاج الفني، وأن تطوّرات الأوضاع في الداخل المصري على نحو إيجابي في مجالات مختلفة لا بد أن تنعكس على وسائل الإعلام والدراما وتصبح التنافسية وإتاحة حرية الرأي والتعبير حاضرة بقوة في المشهد.

ويأمل خبراء إعلام في مصر أن يجري تفعيل أدوار واختصاصات الهيئات الإعلامية المنصوص عليها في الدستور، وترتبط تحديدا بمنع الممارسات الاحتكارية في سوق الإعلام بما يفتح المجال أمام ظهور قنوات فضائية غير مملوكة لأجهزة حكومية، وإتاحة المجال لتكرار تجارب فضائيات مثل “القاهرة والناس” و”النهار” على نطاق أوسع، وفقا لآليات مختلفة تُتيح الاستثمار في مجال الإعلام التقليدي بعد أن توجهت غالبية رؤوس الأموال إلى مواقع التواصل الاجتماعي أو ما يُعرف بالإعلام البديل.

وبحسب هؤلاء الخبراء فإن التوجه نحو تحقيق انفراجة في مجال الدراما من دون أن يوازيها انفتاح إعلامي لن يؤدّي الغرض منه، لأن مشاركة عدد كبير من الشركات بحاجة إلى المزيد من الفضائيات التي تتّجه إليها لتسويق أعمالها، فتحقيق عوائد مالية نظير هذه الأعمال هدف رئيسي لأصحاب الشركات الفنية، وفي ظل انكماش سوق الإعلام لن تكون هناك فرص استثمارية واعدة على مستوى الإنتاج الفني.

وأكّد الخبراء أن امتلاك الشركة المتحدة للعدد الأكبر من القنوات الفضائية يجعل هناك تفاؤلا بشأن انعكاس الانفراجة الفنية على المحتوى الإعلامي بوجه عام، وجذب الجمهور للفضائيات المصرية مرة أخرى هدف بالنسبة إلى الشركة ما يتطلب المزيد من خطوات فتح المجال العام، بما يدعم نجاح خطواتها نحو استيعاب المزيد من الأعمال الدرامية التي تعالج قضايا حيوية من وجهات نظر مختلفة.

وتشير بعض الممارسات الإعلامية لبرامج "التوك شو" على الفضائيات المصرية إلى أن هناك جهودا لإنهاء الخطاب الواحد الذي ظل مهيمنا على غالبية المحتويات المقدّمة لصالح إثراء نقاشات مجتمعية وسياسية على نحو لم يكن حاضرا في السابق، فالأمر يحتاج إلى انفتاح مباشر وتغيير كبير على مستوى الخطاب الإعلامي.

وما يجعل هناك قدرا من التفاؤل أن الحكومة تنظر إلى الدراما باعتبارها المؤثر الأول في عقول المواطنين وتعوّل عليها لتحقيق نجاحات في معركة الوعي التي تخوضها وتتعرّض فيها لتعثرات مختلفة، بالتالي فإنها ستكون حريصة على تهيئة الأجواء التي تضمن نجاح الدراما في الوصول إلى الجمهور من خلال الإعلام، ما يحقّق لها هدفا آخر يرتبط بجذب شرائح مختلفة من الناس إلى الفضائيات المصرية مرة أخرى.

ثراء في الدراما

دراما ثرية

قال وكيل الهيئة الوطنية للإعلام سابقا جمال الشاعر إن توجه الشركة المتحدة مهم للغاية لإثراء الدراما، وإن كان قد تأخّر قليلا، والخطوات الأخيرة سوف تكون لها تأثيرات إيجابية على مستوى الاستفادة من خبرات المبدعين في مجال الإنتاج الدرامي الذي يحتاج إلى تنوّع وحرية. 

​​​​جمال الشاعر: التوجهات الجديدة تساعد على تقديم خطاب درامي يحاكي تطلعات الشباب
جمال الشاعر: التوجهات الجديدة تساعد على تقديم خطاب درامي يحاكي تطلعات الشباب

وأضاف ثمة اقتناع لدى دوائر سياسية وحكومية عديدة بأن الإنتاج الإبداعي لن يكون بالأمر المباشر ويحتاج إلى اقتناع المنتجين أنفسهم بأن هناك أجواء يمكن أن تساعد على توصيل أفكارهم بنجاح.

ولفت الشاعر في تصريح لـ”العرب” إلى أن توجهات الشركة المتحدة تفتح المجال نحو تقديم خطاب إعلامي ودرامي يتجه نحو الشباب بدلا من الاستغراق في إنتاج أعمال تخاطب كبار السن، وتركّز بشكل أكبر على العنف والبلطجة ولا تراعي التحوّلات الحاصلة على مستوى الطبقة المتوسطة، وأن فتح المجال أمام تجريب عدد كبير من الشركات يقود بالطبع إلى وجود أفكار مختلفة عن تلك التي جرى تسليط الضوء عليها سابقا.

وأوضح أن استفادة وسائل الإعلام من الخطوات الأخيرة يتطلب وضع استراتيجية شاملة لتطوير الإعلام يشرف على تنفيذها طرف واحد ليس أكثر، ويجري تطبيق رؤية الشركة المتحدة على مختلف القنوات الحكومية والخاصة ولا تكون المسألة مقتصرة على قنواتها فقط، مع إتاحة الفرصة لتقديم خطاب إعلامي إبداعي ينعكس بصورة صحية على فتح المجال العام مع وجوب تنفيذ القوانين بحق أي طرف يثبت تجاوزه.

وقدّمت الفضائيات المصرية مجموعة من الأعمال الدرامية مؤخرا اقتربت من ملفات اجتماعية متعدّدة، وشاركت في إنتاجها شركات عانت من التهميش في السنوات الماضية، وهي إشارة إلى رفع الفيتو الذي صاحب انخراطها في الأعمال الدرامية، والاتجاه نحو بداية جديدة تستوعب عددا كبيرا من الشركات العاملة في هذا المجال.

15