انفصاليو أوروبا يمتحنون صلابة الاتحاد الأوروبي

الأربعاء 2017/12/20
خطاب شعبوي يجد آذانا صاغية

لندن - أحدثت المطالب القومية الانفصالية في أوروبا رجّة كبيرة لدى زعماء القارة، الذين سارعوا إلى مواجهة هذه الأفكار ومحاصرتها في مهدها قبل أن تقوّض فكرة الوحدة الأوروبية التي كابدت القارة لعقود من أجل ترسيخها.

ويرى مراقبون أن الأشكال الجديدة التي تتخذها الحركات القومية الانفصالية تختبر متانة الاتحاد الأوروبي وفعاليته من الأزمة في كتالونيا، إضافة إلى زلزال بريكست في بريطانيا.

ومع أن مطالب الاستقلال في الإقليم الإسباني تبددت حتى الآن، لكنها ذكّرت بالتصدّعات التي تشهدها أوروبا مع مجموعات أو دول تطالب بالاستقلال عن سلطة مركزية تتهمها بشلّها.

وقال خبير السياسة في الجامعة الإسبانية للتعليم عن بعد إندريس دي بلاس غيريرو إنه في برشلونة، “كانت هناك فكرة بأن كتالونيا يمكن أن تكون منصة على غرار أميركا الشمالية وأن تؤمّن نموا إضافيا، وهذا ما حرّك النزعة الانفصالية”.

وإلى جانب العوامل الاقتصادية، برز الكلام عن هوية قومية مهددة بالهجرة ونبذ النُخب والتي تغذي الوجه الشعبوي للقومية كمواضيع أساسية.

وفي كتالونيا، تعود الحجج إلى عهد دكتاتورية فرانكو وأضيفت إليها مسببات اقتصادية لتبرير الانفصال عن إسبانيا التي اتُهمت بأنها تحول دون ازدهار هوية هذا الإقليم.

ولا تقتصر الحركات الانفصالية التي تواجهها حكومة مدريد على إقليم كتالونيا وحده، فهناك تيارات تطالب باستقلال أقاليمها في مناطق أخرى من إسبانيا، أكبرها في إقليم الباسك، شمال البلاد.

وتختلف مواقف أكبر الأحزاب القومية الباسكية بشأن مستقبل الشعب، وهو أحد أقدم شعوب القارة العجوز، إذ تطالب بعض هذه الأحزاب بتوسيع الحكم الذاتي داخل الدولة الإسبانية، فيما تسعى الأحزاب الأخرى الأكثر راديكالية إلى إقامة دولة باسكية مستقلة. وفي المملكة المتحدة كانت المطالب الانفصال عن بروكسل باسم السيادة ورفض تمويل منظمة من البيروقراطيين، تفرض قوانينها وتحول دون توسع نفوذ هذه البلاد في الخارج، بحسب ما يقول مؤيدو بريكست.

واستخدم مؤيدو بريكست حجة ذات بساطة خادعة تقول “فلنوظف الأموال التي نهبها للاتحاد الأوروبي في نظام الصحة العام”.

وقال محلل الشؤون الأوروبية لدى “فلينت غلوبال” في لندن رينو تيلاي، إن نجاح القومية مرتبط “بالفساد وبفقدان الثقة في الأحزاب التقليدية من جهة وبالتطلع إلى ديمقراطية أكثر قربا من جهة أخرى”.

وأشار تيلاي إلى أن الاتحاد الأوروبي يريد بأي ثمن تفادي تكاثر الدول ويبذل كل الجهود لإحباط التطلعات الانفصالية حتى لو كان السكان “يرون في البدء أن الاتحاد الأوروبي حليف محتمل إزاء الحكومات المركزية”. وحتى الآن، اجتاز الاتحاد الأوروبي الصدمة القوية التي أحدثها خروج المملكة المتحدثة إلا أنه لم يؤد إلى بلبلة مالية بما أن البلاد لم تكن في منطقة اليورو، حيث لم تشجع مفاوضات بريكست الشاقة الآخرين على خوض هذه التجربة.

وأضاف أن “الخطر لم يتبدّد بشكل تام سواء على الصعيد الإقليمي أو الوطني، إذ أن المعطيات الإقليمية لن تزول بسرعة وكذلك المدن الكبرى التي تدور حولها أنظمة اقتصادية تهدف نحو العولمة”.

وتابع “الدول التي ستعجز عن إيجاد حلول لهذه المطالب يمكن أن تشهد اضطرابات كبيرة على غرار ما يحصل في كتالونيا”.

ويرى خبير السياسة في جامعة كنت ماثيو غودوين أن “الأنظمة السياسية في أوروبا لم تكن أبدا متزعزعة بهذا القدر، مع تقلبات في التصويت وتراجع في دعم أحزاب قائمة، بينما بلغ الانقسام بين القوميين ومؤيدي العالمية قدرا كبيرا مثل الانقسام التقليدي بين اليمين واليسار”.

وستكون انتخابات، العام المقبل، في إيطاليا والمجر والسويد فرصة لاختبار مدى تجذر الأحزاب الشعبوية المعادية للنُخب ولأوروبا.

وقال المؤرخ برونو يمين إن “القوميين فهموا أنه لم يعد يكفي في المناطق المتطورة والمزدهرة التحدث عن أمة تتعرّض ثقافتها للقمع منذ زمن”، مضيفا “ليس هناك أي دولة تريد انتشار الانفصالية خصوصا وأن كل دولة أوروبية تقريبا فيها أقليات لبعض مسؤوليها تطلعات قومية”.

5