انفصام عربي

الغريب أيضا أن نلعن فرنسا وماضيها الاستعماري، ثم نبيت أمام قنصلياتها طمعا في تأشيرة، أو نلقي بأنفسنا إلى التهلكة لبلوغ سواحلها والعيش في كنفها.
الخميس 2018/07/19
ليس المال هو الذي يحدوهم، بل حب البلاد التي احتضنت آباءهم وأجدادهم

بعد انسحاب الفرق العربية مبكرا من كأس العالم، تعلق عشاق الكرة ومتابعو مبارياتها بفريق كرواتيا، وهذا من حقهم، وإن كان تعلقهم في الغالب ليس مرده إلى أداء الفريق ومهارة لاعبيه فحسب، وإنما مرده أساسا إلى رئيسة بلادهم الحسناء الشابة كوليندا غرابار- كيتاروفيتش. ولكن تعلقهم ذاك رافقه عداء غير مسبوق للفريق الفرنسي، ولكل ما يمت لفرنسا بصلة، يجهر به العوام والمثقفون على حدّ سواء. بل وجدنا من وصف لاعبيها بالمرتزقة، لكونهم في غالبيتهم من أصول أفريقية. والحال أن الارتزاق يخص وظيفة عسكرية أو شبه عسكرية تؤدى بمقابل، كما هو الشأن منذ غابر الأزمنة، سواء في بعض الحضارات القديمة مثل قرطاج، وقد صور فلوبير في روايته “صالامبو” أحسن تصوير وضع المرتزقة ثم ثورتهم في عهد القائد أميلكار، أو في الحضارة الغربية مثل أوروبا في القرن السابع عشر، ثم لدى أسماء مشهورة، إنكليزية وفرنسية وبلجيكية، بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، تتدخل لنصرة من يدفع أكثر.

ولو سلمنا جدلا بصواب استعمال هذا المصطلح في الرياضة، ولا سيما رياضة كرة القدم، للإشارة إلى لاعبين يمارسون رياضتهم فقط لأجل المال، ولا يهمهم الزي الذي يلبسونه أو الدولة التي يمثلونها، فهذا أيضا لا يستقيم؛ أولا لأن أغلب لاعبي المنتخب الفرنسي أثرياء يتقاضون الملايين من نواد عالمية كبرى كبرشلونة وريال مدريد وناديي منشستر وباريس، وقد صرحوا منذ البداية أنهم سيتبرعون بمكافآت اتحاد الكرة للجمعيات الخيرية. ثانيا، لأن فرنسا هي بلادهم وقد عبروا مرارا وتكرارا عن اعتزازهم بحمل رايتها، وأثبتوا ذلك على الميدان.

والغريب أن أصحاب ذلك الرأي يلتقون مع خطاب اليمين المتطرف، الذي ينكر على أبناء المهاجرين جنسيتهم الفرنسية، ويردهم دائما إلى أصولهم، والحال أنهم ولدوا ونشؤوا وتعلموا في هذه البلاد. والغريب أيضا أن نلعن فرنسا وماضيها الاستعماري، ثم نبيت أمام قنصلياتها طمعا في تأشيرة، أو نلقي بأنفسنا إلى التهلكة لبلوغ سواحلها والعيش في كنفها. والأغرب أن ننتقد فرنسا وسياستها وزعماءها، ونغض الطرف عن رئيسة أوكرانيا لما شاهدناه من “بساطتها” و”تواضعها”، و”تقبيلها” حتى الخصوم، وهي التي لم تقطع صلة شعبها بماضيه النازي، وجرائمه خلال الحرب العالمية الثانية، بل لا تزال تزور في المناسبات مقابر من تعدهم أبطالا وتترحم على أرواحهم.

يقول المؤلف التراجيدي الفرنسي كورناي: “الحب الحقيقي ليس ارتزاقا أبدا/ هو لم يلوَّث بأمل الأجر”. كذلك أولئك اللاعبون الذين رفعوا راية فرنسا، فليس المال هو الذي يحدوهم، بل حب البلاد التي احتضنت آباءهم وأجدادهم.

15