انفعال اللحظة الراهنة خيار غير موفق للرد على الإساءة

عندما تشعر بالإساءة والإحباط بسبب تصرف غير مقبول من شخص ما، شيء ما يبقى في داخلك، تحتاج إلى أن تتحدث عنه ولكنك لا تعرف ماذا تقول، كيف ومتى ولمن، فإذا آثرت الصمت، فكيف سيكون شكل صمتك وما هو شكل العلاقة التي ستجمعك مع هذا الشخص، إذا تمسكت بالصمت وفضلت عدم الرد على سلوكه أو البوح بمشاعرك تجاهه؟ بالطبع، ليس هناك خيار مفضل على الآخر، فكلّ منهما يتمتع بسلبياته وإيجابياته، في حين تعتمد ردود أفعالنا على طبيعة الموقف وطبيعة تكوين شخصية الآخر ومدى أهمية استمرار علاقتنا معه، أو رغبتنا في إنهائها من دون الحاجة إلى إظهار أي رد فعل، باعتبارها خطوة غير ضرورية.
الأربعاء 2017/12/20
أنا غاضبة إذا أنا موجودة

يجب أن يؤخذ بعين الاعتبار أهمية منحك فرصة للتعبير عن مشاعرك تجاه شخص آخر أساء لك، أو على الأقل تبيان موقفك منه، فالإحباط الذي يسببه ضياع فرصة التئام الحوار ومواصلته والاحتفاظ بحق الرد الفوري، يمكن أن يسبب لنا أذى كبيراً قد يتجاوز الأذى الذي سببه السلوك غير المقبول من قبل الآخر. لكن كيف يمكن أن يكون هذا التعبير، أو بمعنى أوضح، التنفيس عن غضبك تجاه الآخر؟

ربما يمكن للجواب اللفظي المتسرع والآني، هو أكثر ردود الأفعال شيوعاً، أن يوفر لنا شعوراً داخلياً بالرضا والتفوق على الطرف الثاني المخطئ، فهو يمنحنا الشعور باسترداد ثقتنا واستعادة سيطرتنا على الموقف مرة أخرى، كما أنه ليس أكثر من تطبيق المنطق الصحيح والمشروع، من وجهة نظرنا طبعاً، في الاحتفاظ بحق الرد بصرف النظر عن شكل هذا الرد ومدى تقبّل الطرف الآخر لأفعال وكلمات قد تبدو عنيفة وعدوانية أيضاً، وعدا هذا، فإن الموقف برمّته هو وليد لحظته بانفعالاته وتصوراته، لكنه سرعان ما يتضح لنا سوء تصرفنا وفهمنا للأمر بعد مرور زمن قصير على ذلك.

يؤكد الدكتور ليون سلتزر؛ اختصاص علم النفس من جامعة ولاية كليفلاند الأميركية، على أن الغضب من المشاعر المغرية بشكل لا يصدق، خاصة في ما يتعلق بردود الأفعال الفورية في المواقف التي تستفز الإنسان، حيث يعمل الغضب كمهدئ ذاتي ويمنحك الفرصة لتبيان موقفك بطريقة حازمة تظهرك كطرف قوي في العلاقة مع الآخر.

لكن، يمكنك أن تصل إلى النهاية ذاتها حيث انتهى الطرف الأول؛ الإساءة إلى شخص من دون منحه الفرصة لتبيان وجهة نظره، إضافة إلى أن هدفك انحصر في هذه اللحظة على تولي قيادة الأمور واستخدام القوة واقتناص حقوقك كاملة، بدلاً من منح الآخر فرصة لسماع وجهة نظرك.

هذه المفارقة، يمكن أن تستدعي ردود أفعال متواصلة من الآخرين تتمثل في شحنتها الانفعالية العدوانية، أو محاولة الدفاع عن وجهة نظرهم بأي صورة كانت، والأغرب من هذا، قد يلجأ بعض الأشخاص إلى الابتعاد عن المكان والاكتفاء بالصمت والانسحاب في رد فعل يبدو في الظاهر سلمياً، إلا أنه في الحقيقة نوع آخر من العدوان؛ عدم المبالاة بالآخر وتعمد الاستهانة بما يقوله وترك المكان ببساطة.

ينصح علماء النفس بعدم التغاضي عن إساءة الآخرين، حتى إذا كانت بصيغة سخرية إذ أنها قد تترك آثاراً نفسية كبيرة

ومن خلال خبرته واختصاصه في مجالات إدارة الغضب، يرى سلتزر بأننا في نهاية موقف كهذا سنصبح أكثر إحباطاً من الأول، فبدلاً من أن يستمع الشخص المقابل لوجهة نظرك سيكون جل تركيزه منصباً على الكلمات الغاضبة التي تفوهت بها والعدوانية التي تختبئ خلفها، بمعنى أصح أنه سيأخذ لكنتك وطريقتك في الكلام وتشديدك على مخارج الحروف بل وتعبيراتك الجسدية التي تكشف كثيراً عن انفعالاتك وعدوانيتك، وهذا سيحدد بدوره طبيعة السلوك المقبل للشخص الآخر، أما رسالتك التي سعيت بقوة لإيصالها له فإنها تكون قد ضاعت حتماً وسط كم الكلمات الغاضبة التي تفوهت بها.

أما ما يخلق مفهوماً للتناقض في مثل هذه المواقف، هو أنك كل ما أبديت رغبة قوية في الجدال والإلحاح لأجل أن يستمع إليك الآخرون، كلما دفعهم هذا الأمر بعيداً عنك وهذه إحدى الطرق للدفاع عن النفس، حتى أن تعبيرك عن الإحباط من شأنه أو يولّد لديهم شعوراً بالتهديد، ومعه يصبح من المستحيل عليهم عملياً، التحقق من وجهة نظرك أو التعرف على مشاعرك التي سببها هذا الموقف.

وتكاد تكون هذه الظاهرة عالمية على نحو ما، إذ أنه من الصعب تقبّل وجهة نظر مخالفة لك إذا كان الطرف المقابل يقدمها بصيغة هجومية تنطوي بين ثناياها على مشاعر كره واحتقار للآخر، وبالطبع ستتضخم هذه المشاعر ويمكنها أن تمنع وصول وجهة النظر حتى لو كانت صحيحة.

يعبّر الشخص الغاضب عن شعوره بالضعف، بسبب تجاهله أو عدم تقديره من قبل الآخرين ولذلك تكون ردة فعله بصورة عدوانية كإجراء لحماية نفسه من تسلط هذه المشاعر، الغضب الذي يكون رد فعل وليس إجراءً استباقياً. فما الذي يتعيّن علينا القيام به للتعامل مع هذا الشخص أو كيف يمكنك ترويض غضبك إذا كنت أنت الشخص المعني في هذا الموقف؟

ينصح سلتزر بأهمية التعبير بوضوح عن رغباتنا واحتياجاتنا الخاصة، أفكارنا ومشاعرنا أمام الشخص المقابل، بطريقة هادئة لا تستدعي أن يقابلها بموقف متأزم تجعله في موضع الدفاع عن النفس. وهذا النوع من الرسائل، تقدمك بوضوح وبساطة إلى الآخرين، وتعرض الأمور التي تشعرك بالإحباط وأساليب التعامل التي لا تناسبك وستكون في صيغة طلب للتفهم بدلاً من كونها صيغة إنذار أو تهديد، وهي أن لم تستدع تغييراً جذرياً في سلوكهم اتجاهك، فهي على الأقل تضمن لك استيعابهم واحترامهم لرغباتك.

في حين، ينصح علماء النفس بعدم التغاضي عن إساءة الآخرين، حتى إذا كانت بصيغة سخرية إذ أنها قد تترك آثاراً نفسية كبيرة خاصة إذا طالت فترة الصمت وتمادى الشخص المقابل في تكرار إساءته.

ويتوجب أن يكون رد الإساءة ذكياً وفي اللحظة المناسبة، مع الحرص على عدم استخدام الأسلوب ذاته أو اللجوء إلى العنف، إذ أن هذا السلوك من شأنه أن يجعلنا على قدم المساواة مع الطرف المسيء وهذا ليس أفضل الخيارات.

هناك أيضا أسلوب السخرية في مقابلة الإساءة، لكنه بالطبع يتطلب سرعة بديهة وقدرة ذكية على الاستجابة السريعة مع ما يلائم الموقف، وهذا لا يتوفر للجميع، أما تجاهل الإساءة فهي طريقة سهلة وأكثر قوة في الواقع لمن يجيدها أو يتحملها؛ ففي الغالب يفقد الناس سيطرتهم على انفعالاتهم عندما يواجهون بإساءة من الآخرين، وقلة منهم من يستطيع التصرف بحكمة وأن يحاول تجاهل ما حدث.

21