انقراض الحيوانات البرية يدق جرس فناء الإنسان

انحسار الثروة الحيوانية يطال الكوكب برمته وتشتدّ وطأته على أغلب القارات بفعل أعمال الإنسان الجائرة على الطبيعة إثر التوسع الزراعي لإطعام عدد سكان العالم المتنامي، ما دفع الكثير من الأنظمة البيئية إلى حافة الانهيار.
الأربعاء 2018/10/31
الحيوانات تغادر ومعها التوازن البيئي

باريس - أعلن الصندوق العالمي للطبيعة، أنّ البشر على مدار 44 عاما مضت قضوا على 60 بالمئة من الحيوانات على كوكب الأرض.

وعلى مدى السنوات الخمسين الماضية، أدى التوسع في النشاط الزراعي والاستغلال المفرط للموارد الطبيعية لإطعام سكان العالم المتنامي، وخاصة الطبقة الوسطى المزدهرة، إلى دفع الكثير من الأنظمة البيئية إلى حافة الانهيار.

وذكر تقرير الصندوق الذي شارك في إعداده 59 عالما، أن 60 بالمئة من تعداد الثديات والزواحف والأسماك والطيور، تناقصت أعدادها بسبب الأعمال الجائرة للبشر بحق الطبيعة.

وفي ذات السياق، نشر موقع “انترستنتغ إنجينيرينغ” قبل أيام تقريرا، تحدث فيه عن اقتراب كوكب الأرض من الانقراض الجماعي السادس في تاريخه، الذي سيؤدي إلى موت جميع الثدييات الكبرى مثل الفيلة وفرس النهر، وكل الحيوانات التي ترتبط بها بشكل وثيق في السلسلة الغذائية.

وبيّن الموقع، أن كوكب الأرض عانى بالفعل من خمسة أحداث انقراض جماعية في عصور ما قبل التاريخ.

وتجدر الإشارة إلى أنّ دراسة أخرى نشرت في وقت قريب، تبين أنّ الحضارة البشرية منذ أول ظهور لها على سطح الأرض إلى يومنا هذا، قضت على 83 بالمئة من الثديات ونصف النباتات. وأوضحت الدراسة إلى أنّ البشر لو أوقفوا اليوم تدميرهم للطبيعة، فإن كوكب الأرض يحتاج لما بين
5 و7 ملايين سنة لإعادة ترميم نفسه من جديد.

وهذه التقارير تكشف عن أزمة غير مسبوقة في حياة الكائنات الطبيعة، تهدد بتدمير الاقتصاد العالمي، وتعرض الإنسانية للخطر، كما يقول مايك باريت أحد المسؤولين في الصندوق العالمي للطبيعة، “نمشي متخبطين باتجاه الهاوية، لو شهدت البشرية انحسارا في 60 بالمئة من أعداد الحيوانات على كوكب الأرض، فهذا يعني فراغ قارات أميركا الشمالية والجنوبية وأفريقيا وأوروبا وأستراليا بالإضافة إلى الصين تماما من السكان، ما تقترفه أيدينا يؤدي إلى هذا الأمر”.

ويرى عالم البيئة دافيد ستين، أنه “من المحزن حقا أن كائنات كثيرة قد اختفت بشكل نهائي ولم يعد من الممكن رؤيتها مجددا”، داعيا إلى التعامل مع الأمر بمثابة فقدان لأنواع في الطبيعية لا مجرد أرقام.

الحيوانات البرية تنقرض بسبب تدمير مكان معيشتها
الحيوانات البرية تنقرض بسبب تدمير مكان معيشتها

وذكر تقرير الصندوق العالمي للطبيعة، وهو منظمة دولية غير حكومية تعمل على المسائل المتعلقة بالحفاظ والبحث واستعادة البيئة، أن الأعمال البشرية، فضلا عن فقدان الموائل الطبيعية والإفراط في استغلال الحياة البرية، تشكل أكبر تهديد للحيوانات، ويشير البروفيسور كين نوريس إلى أن “الإحصائيات مخيفة، ولكن الأمل لم يفقد بعد”.

ويطال انحسار الثروة الحيوانية الكوكب برمته وتشتد وطأته في بعض المناطق، كتلك المدارية، بحسب ما جاء في النسخة الثانية عشرة من تقرير الصندوق تحت عنوان “كوكب حيّ” التي نشرت الثلاثاء.

وقال مدير الصندوق ماركو لامبرتيني، إن “الحفاظ على الطبيعة لا يعني حماية النمور وحيوانات الباندا والحيتان التي نحبها، فالمسألة أوسع نطاقا بكثير، إذ لا مستقبل سليما ومزدهرا للإنسان على كوكب اختلّ مناخه واستنزفت محيطاته وتدهورت أراضيه وأفرغت غاباته، على كوكب جُرِّد بكلّ بساطة من تنوعه الحيوي”.

وقال لامبرتيني، في وقت سابق، “تختفي الحياة البرية في زمننا بمعدل لم يسبق له مثيل”، مضيفا، “يشكل التنوع البيولوجي أساس سلامة الغابات والأنهار والمحيطات”. وأوضح تقرير الصندوق، أن الزيادة في أعداد البشر تمثل تهديدا للحياة البرية من خلال إزالة الغابات لإقامة مزارع ومدن.

وبحسب دراسة حديثة، فإن موجة الانقراض الجماعي للحيوانات البرية بدأت بالفعل على الأرض خلال العقود الأخيرة، وهي السادسة في تاريخ الكوكب.

ورصد العلماء خلال هذه الدراسة التي نشرتها الأكاديمية الوطنية للعلوم في واشنطن، انقراض العشرات من الأنواع الشائعة والنادرة، حيث اكتشفوا فقدان الملايين منها بسبب التوسع العمراني واستنزاف موارد البيئة، في “كارثة أشد وطأة مما كان يُخشى من قبل”.

وفي فترة ما في التاريخ، عاصر الإنسان الكائنات العملاقة، على غرار القنادس، وحيوانات المدرع، والأيائل العملاقة، لكن من المؤسف أن عالمنا في الوقت الحاضر بات يفتقر لوجود أنواع الثدييات البرية الضخمة، ولم يبق منها سوى الفيلة ووحيد القرن، وهما معرضان بدورهما لخطر الانقراض بشكل سريع. وسيؤدي ذلك إلى تغيير شكل كوكبنا، وجعله غير قابل للعيش تقريبا، ليعجل فناء البشرية في حال لم نتخذ إجراءَات رادعة في الوقت الحالي.

ووجد العلماء في دراستهم، أن ثلث الأنواع الموجودة على كوكب الأرض تخسر أعدادا كبيرة، ورغم ذلك لا يتم حصرها بين الكائنات المهددة بالانقراض.

كما كشفت الدراسة أن ما يصل إلى نصف الحيوانات التي تعيش على الأرض قد فقد خلال العقود الأخيرة، وأن نصف ثدييات الكوكب تقريبا خسر 80 بالمئة من تعداده خلال القرن الماضي.

وأوضح العلماء أن المليارات من الثدييات والطيور والزواحف والبرمائيات قُضيَ عليها في العقود الأخيرة، مما دفعهم للتحذير من “موجة انقراض جماعي” سادسة بدأت بالفعل.

وشهدت الأرض 5 موجات انقراض جماعي سابقة، أولاها كانت قبل 443 مليون عام، آخرها قبل 65 مليون عام.

واتضح أن الحيوانات البرية تنقرض أيضا بسبب تدمير مكان معيشتها والصيد المبالغ فيه والتلوث الناجم عن الكيمياويات السامة وغزو حيوانات أخرى لمناطق معيشتها والتغيرات المناخية، بيد أن السبب الرئيسي لكل ذلك هو “كثافة البشرية ونموها الزائد والاستهلاك الزائد، وخاصة من قبل الأغنياء”، وذلك بحسب باحثين من بينهم بول إيرليخ من جامعة ستانفورد الأميركية.

ويقول إيرليخ إن “الحضارة مرتبطة بشكل مطلق بالنباتات والكائنات الحية والكائنات الحية الدقيقة على سطح الكرة الأرضية، والتي توفر النظام البيئي الحيوي، بدءا من حماية المحاصيل، وتزويد الغذاء والحفاظ على المناخ الذي يمكن البقاء فيه على قيد الحياة”.

ويرى الباحثون أنه ستكون للانقراض البيولوجي أبعاد بيئية واقتصادية واجتماعية خطيرة، وستدفع البشرية في نهاية المطاف ثمنا باهظا جدا.

ودعا صندوق العالمي للطبيعة، العالم إلى التحرك في مهلة أقصاها 2020 “وهي مهلة مفصلية في التاريخ.. وهامش تحرّك لا مثيل له قد يضمحّل بسرعة”.

وقال ماركو لامبرتيني “لا بدّ من أن نتحوّل على وجه السرعة إلى مجتمع خال من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون لنقلب المعادلة من خلال اقتصاد مراع للبيئة ومصادر طاقة نظيفة ونهج مختلف للصناعات الغذائية.. قلة من الناس تسنى لها إحداث فرق حقيقي. فهذه فرصتنا للتغيير”.

20