انقراض المظاهرات المليونية

الاثنين 2014/12/08

دول عربية كثيرة خبرت خلال السنوات الماضية ما يعرف بالمظاهرات المليونية، حيث درج ملايين المواطنين على الخروج في الميادين الرئيسية، احتجاجا على حكامهم، منهم من نجحوا في تحقيق هدفهم، ومنهم من فشلوا، وفي الحالتين أثبتت المليونيات، حقيقة أو مجازا، دورا فاعلا في تحريك الشارع العربي، لكن يبدو أن هذه الظاهرة، التي ارتبطت بوجود حكام لم يكونوا موضع ترحيب من شعوبهم، قد تلاشت، ليس لانتهاء دورها، لكن لأن هناك متغيرات كثيرة طرأت على المشهد العام في معظم البلدان العربية، جعلتها تتوارى بصورة لافتة.

مصر، أكثر هذه الدول شيوعا وإسرافا ومبالغة، في استخدام “المليونيات”، حتى أن بعض المظاهرات لم تبلغ بضعة آلاف، كانت توصف في قاموس الثوار ومدّعي الثورة والملتحقين بها زورا وبهتانا، بهذا الوصف، إمعانا في تضخيمها، ولإرسال إيحاءات سياسية أنها ذات أهمية مؤثرة، وستهز الكرسي الجالس عليه الحاكم المصري، مهما كان اتجاهه السياسي.

اليوم، لم يعد هذا الوصف يطرب محبيه السابقين، كذلك لم يعد إطلاقه يدغدغ مشاعر الناس البسطاء، أو يجذب قطاعا منهم إليه، ويحرضهم على النزول إلى الشارع، حيث فقد بريقه، منذ سقوط حكم الإخوان، عقب ثورة 30 يونيو 2013، وربما كانت آخر مليونية حقيقية، هي التي خرج فيها المصريون يوم 26 يوليو من العام نفسه، أو ما يسمى بمليونية التفويض، التي خرج فيها ملايين المواطنين، لمنح الفريق أول عبدالفتاح السيسي وزير الدفاع آنذاك، تفويضا لمكافحة الإرهاب، بعدها بحّ صوت قيادات الإخوان، لتكرار مشاهد الحشود في الشوارع المصرية، لم يكن هناك مجيب على نطاق كبير من داخل صفوف الإخوان، ولا على نطاق صغير من خارجهم.

البراءة الجنائية التي حصل عليها الرئيس الأسبق حسني مبارك مؤخرا، استغلتها جماعة الإخوان، وبعض الحركات الشبابية، مثل 6 أبريل، لإعادة الزخم للمظاهرات المليونية، وحاولا معا توظيفها، لحشد الناس ضد النظام الحالي، بذريعة الاحتجاج على البراءة، لكن لم تكن هناك استجابة لافتة، إلا من بضع مئات من المواطنين، كأن زمن المليونيات اختفى في مصر، كما تلاشى في غيرها من الدول العربية، مع مراعاة الفوارق الجوهرية في الوصول إلى النتيجة النهائية.

في تقديري، أن اختفاء ظاهرة المليونيات في مصر، له أسبابه الموضوعية، والتي أدخلتها مرحلة التجميد وربما الانقراض، بعضها له علاقة بالجهات الداعية إليها، وما طرأ عليها من تغيرات محورية، وبعضها على صلة بالدوائر المستهدفة، حيث أدخلت تعديلات أساسية على تكتيكاتها، مكنتها من تفريغ أي دعوة من مضمونها، قبل أن تصل إلى الشارع، وبعضها وثيق الصلة بالعوامل المساعدة (الإعلام تحديدا)، والذي بدل معظمه قناعاته، وأصبح يقف في مربع المناهضين لأي مظاهرات، سواء كانت مليونية، أو “صفرية”، بمعنى أنه يرفض فكرة التظاهر في حد ذاتها.

على صعيد الجهات الداعية، حدث تحلل سياسي كبير في جسم الجهات التقليدية التي درجت على الدعوة إلى المظاهرات المليونية، فخلال الـ18 يوما الشهيرة التي أفضت إلى خلع الرئيس الأسبق حسني مبارك، كان هناك تماسك منقطع النظير، فغالبية القوى الحزبية والشبابية التفت حول هدف واحد، فكانت المليونيات متواصلة بصفة يومية، وحتى بعد رحيل مبارك استمرت الحشود، صعودا وهبوطا، ولم تكن حقيقة نوايا الإخوان الخبيثة قد ظهرت للمواطنين، والتي أدى انكشافها إلى تغير كبير في اتجاه الحشود، وأصبحت منصبّة ضد الجماعة، إلى أن رحلت عن الحكم، ورحلت معها المليونيات.

في هذه الأثناء، دبّت الانقسامات في جسد القوى الإسلامية والشبابية، التي كانت تلعب دورا مهما، في تجييش الناس، وحضهم على النزول إلى الشوارع والميادين، فالإخوان فقدوا قدرتهم على التحريض الإيجابي، بعد أن عرف المواطنون حقيقتهم، ولفظوهم في الحكم وخارجه، وقطاع كبير من السلفيين، انحاز إلى السلطة الجديدة، وخاصم المظاهرات، خشية اتهامه بالعمالة للإخوان، كما أن الحركات الشبابية، انقسمت على نفسها، بين مؤيد للنظام الجديد، ورافض له، وفي كل الأحوال فقدت العناصر المؤثرة فيها القدرة على الحشد.

على صعيد الدوائر المستهدفة، نجح النظام الحاكم في جذب قطاعات كبيرة من المواطنين إليه، والمدافعين عنه، وأفرغ المفاتيح الأساسية للمظاهرات من قدراتها، إما بالقوانين الرادعة (قانون تنظيم التظاهر) والرقابة الإلكترونية، أي مراقبة مواقع التواصل الاجتماعي، باعتبارها أحد المحركات الرئيسية، أو بالاستقطاب والإقناع أو التهميش، كما غير الجهاز الأمني من استراتيجيته، وتمكن من السيطرة على الميادين الرئيسية للمظاهرات، بالإغلاق تارة، أو بمظاهرات مؤيدة تارة أخرى، المهم أفضت الحصيلة النهائية إلى جملة من الخطوات والتحركات إلى تراجع فرص التظاهر.

على صعيد الإعلام، اختفت الأدوات الأساسية التي كانت تقوم بعملية تعبئة المواطنين، وحثهم على النزول إلى الشوارع، وانحاز هذا القطاع، عن اقتناع أو خداع، إلى عدم التظاهر، بالتالي فقدت القوى المختلفة التي تدعو إلى مظاهرات مليونية واحدة من أهم الأوراق، بل هذه الورقة، تحولت إلى عنصر كبح ضد التظاهر، ونجح بعض مقدمي البرامج في تشويه عدد من رموز المظاهرات، عبر إذاعة تسجيلات صوتية، تشي بتآمرهم على مصر، وتثبت أن لهم امتدادات عمالة مع جهات خارجية، وأنهم كانوا ورقة في أيدي الإخوان، لذلك أدى تشويه صورة بعض رموز المظاهرات إلى فقدان الثقة في جدواها.

على ضوء هذه المعطيات، من الطبيعي أن تنقرض المظاهرات المليونية المنظمة والموجهة، والتي عرفها المصريون خلال السنوات الماضية، لكن غير مضمون أن تنقرض المظاهرات العفوية الحاشدة، إذا تواصل تراكم الأزمات الاقتصادية والمشكلات الاجتماعية، ولم تتخل الحكومة المصرية الحالية عن أسلوب المسكنات، وتسرع في وضع الحلول الحاسمة والعاجلة.


كاتب مصري

9