انقسام السياسة النقدية اليمنية يرفع أسعار التحويلات

حرب الحوثيين الاقتصادية تتسبب في تضارب أسعار العملة المحلية.
الخميس 2020/12/10
تجاوزات الحوثيين تدمر العملة

انعكست السياسة المالية والنقدية المزدوجة بين الحكومة اليمنية الشرعية ومناطق سيطرة الحوثيين على ارتفاع أسعار رسوم التحويلات الداخلية نتيجة تضارب أسعار العملة المحلية الريال، ليس مع العملات الأجنبية فقط وإنما بين مناطق الحكومة ومناطق نفوذ الحوثيين نتيجة إجراءات حوثية احترازية، ما يعمق تأزم الوضع الاقتصادي وانخرام المنظومة المالية.

عدن (اليمن) - شهدت رسوم التحويلات المالية من المناطق التي تسيطر عليها الحكومة اليمنية المعترف بها دوليا إلى المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، ارتفاعا حادا وصفه محللون ماليّون بأنه انعكاس مباشر لحالة الانقسام الحادة بين المؤسسات النقدية التابعة للحكومة والأخرى الموازية التي تسيطر عليها الميليشيات الحوثية في صنعاء.

وأكدت مصادر متطابقة في عدن لـ”العرب”، أن رسوم التحويل المالي من عدن إلى صنعاء ارتفعت بنسبة 51 في المئة من قيمة المبالغ المحولة، وهو ما اعتبره ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي سرقة منظمة لأموال المواطنين، وتعميقا للمعاناة الاقتصادية والمعيشية التي يمر بها السكان منذ بدء الحرب قبل ست سنوات.

عبدالسلام الأثوري: وحذر الأثوري: الطبعة النقدية الجديدة الموجودة في مناطق الشرعية ستستمر بالانحدار
عبدالسلام الأثوري: الطبعة النقدية الجديدة الموجودة في مناطق الشرعية ستستمر بالانحدار 

وأرجع المحلل الاقتصادي والمالي اليمني عبدالسلام الأثوري في تصريح لـ”العرب”، الأسباب الكامنة خلف ارتفاع رسوم التحويل الداخلي بين مناطق الشرعية والحوثيين إلى “قدرة الميليشيات الحوثية على عزل طبعات النقد الجديدة للريال ومنع تداولها في مناطق نفوذها”.

وأضاف أن “ميليشيات الحوثي فرضت إجراءات احترازية شديدة لمنع المضاربات على العملة القديمة في مناطق نفوذها من خلال السيطرة علي الكتلة النقدية، ما جعل الطبعة الجديدة تتركز بمناطق الشرعية لتتحول الكتلة الجديدة التي كانت تتواجد في مناطق الميليشيات إلى مناطق الشرعية للمضاربة على العملات الأجنبية”.

وتسبب هذا الأمر في “تزايد أسعار الصرف على حساب قيمة العملة ذات الطبعة الجديدة، وأصبح الريال اليمني في طبعته الجديدة يفقد قيمته حتى وصل إلى 900 ريال للدولار”، حسب الأثوري.

وحذر الأثوري من أن “الطبعة النقدية الجديدة الموجودة في مناطق الشرعية ستستمر بالانحدار والتراجع وقد تصل إلى ألف ريال مقابل الدولار الأميركي خلال الأسابيع القادمة”.

ويمثل هذا الوضع كارثة اقتصادية على المجتمع الذي يخضع للتعامل بالطبعة الجديدة، حيث سيمثل ذلك زيادة في ارتفاع أسعار الخدمات والسلع، وسيفقد الناس القدرة الشرائية لمواجهة متطلبات الحياة اليومية وغيرها.

وعن السبب المباشر لارتفاع سعر التحويلات المالية بين مناطق الشرعية والحوثيين، أشار الأثوري إلى أن “كل المعطيات السابقة خلقت عملتين للريال وبقيمة مختلفة، وأصبحت التحويلات بين العملتين محكومة يوميا بنسبة الزيادة والنقصان في سعر العملة، فيما يظل دخل المواطن محكوما بالفوضى والانقطاعات”.

وأوضح الأثوري أن “ذلك يضاعف من المشكلة في حال تحويل الأموال من مناطق الشرعية إلى مناطق الميليشيات، حيث يتم التحويل بفارق كبير وهو فارق سعر الصرف زائدا قيمة خدمة التحويل”.

فاروق مقبل الكمالي: أصل الإشكال يكمن في سعرين مختلفين للعملة المحلية للبلد
فاروق مقبل الكمالي: أصل الإشكال يكمن في سعرين مختلفين للعملة المحلية للبلد

واعتبر الأثوري أن هذه الإشكالية يصعب استيعابها عند الكثير من الناس، باعتبار أن الزيادة التي تؤخذ على تحويل الأموال من مناطق الشرعية إلى مناطق الميليشيات تمثل فارق صرف عملة وليس قيمة تحويل كما يحاول أن يدعي الصرافون.

وأضاف “المشكلة ليست في التحويل من مناطق الشرعية إلى مناطق الميليشيات، بل هي في التحويل من مناطق الميليشيات إلى مناطق الشرعية، حيث تتم سرقة الناس من قبل الصرافين، فالعملة في الطبعتين يتم حسابها بسعر واحد، فمثلا عندما يتم تحويل مئة ألف ريال من عدن إلى صنعاء، تُؤخذ ستون ألف ريال بالطبعة القديمة”.

وتابع “عند تحويل مئة ألف من صنعاء إلى عدن أو تعز أو غيرها من مناطق الجمهورية الخاضعة للشرعية يتم تسليم مئة ألف ريال من الطبعة الجديدة، وهنا تتم سرقة الناس بشكل أكبر، فالمئة ألف ريال من الطبعة القديمة تساوي 160 دولارا، بينما المئة ألف ريال من الطبعة الجديدة تساوي 113 دولارا وهذا الفارق يسرقه الصرافون”.

ومن جهته، أكد الصحافي اليمني المتخصص بالشأن الاقتصادي، فاروق مقبل الكمالي، أن “ارتفاع رسوم التحويل من مناطق الشرعية إلى مناطق سيطرة الحوثيين إلى أكثر من 50 في المئة، عائد لعدة أسباب، أولها أن الأمر ليس متعلقا بنسبة رسم التحويل من عدن إلى صنعاء أو التحويل من مناطق الشرعية إلى مناطق الحوثيين بالمفهوم السياسي، لأن المواطن اليمني في صنعاء وفي عدن وفي حضرموت وفي تعز هو من يتحمل هذه التبعات والنتائج الكارثية وليس الحكومات”.

ولفت الكمالي إلى أن “المشكلة لا تكمن في وجود سعرين مختلفين للعملات الخارجية الأجنبية والعربية، وإنما في وجود سعرين مختلفين للعملة الوطنية التي هي عملة البلد، نتيجة الحرب الاقتصادية بين طرفي الصراع، فكل طرف أباح لنفسه الوسائل التي يستخدمها في حربه ضد الطرف الآخر بغض النظر عن مآلاتها الكارثية وعن أخلاقية استخدام تلك الوسائل أصلا”.

51

في المئة رسوم التحويل من إجمالي قيمة المبالغ المحولة

وأضاف الكمالي “الكارثة ليست في نسبة الرسم على الحوالة، فالرسم هو تحصيل حاصل أو هو الصورة التي تعكس كارثية ما يجري في الخفاء، ففي عدن تريد الحكومة تجريد الحوثيين من مصدر قوتهم المالية، الدولار”.

وأوضح “الحكومة لديها السيولة الكافية من النقد المطبوع وهدفها سحب الدولار والريال السعودي والعملات الأجنبية من صنعاء، فخلقت بذلك سوقا للتجارة بالعملات وتضخمت أرباح مهولة لشخصيات معدودة تتاجر بالعملة، حيث يتم شراء الدولار من صنعاء بـ600 ريال وبيعه في عدن بـ900 ريال، كما يتم شراء الريال السعودي من صنعاء بـ160 ريالا وبيعه في عدن بـ224 ريالا”.

وكشف الكمالي أن عملية البيع والشراء والمضاربة بالعملة الأجنبية على حساب العملة المحلية تتم داخل القطاع المصرفي نفسه وليس خارجه، حيث يتم شراء الدولار من شركات الصرافة في صنعاء وبسعر منخفض، ثم يباع لنفس هذا القطاع المصرفي في عدن والمحافظات الأخرى بسعر مرتفع.

وأضاف “من أجل تلافي الخسارة، بل ومن أجل تلافي الإفلاس، لجأت شركات الصرافة إلى حيلة رفع رسوم الحوالات بحسب ارتفاع سعر الصرف، لتأخذ الفارق، وكلما ارتفع سعر الدولار والريال السعودي، كلما زادت نسبة العمولة”.

وأكد الكمالي أن حرب الاستنزاف الاقتصادي دفعت الحوثيين إلى منع تداول الطبعة الجديدة من العملة الوطنية، الأمر الذي تسبب في تكدسها في عدن والمحافظات الخاضعة لسلطة الحكومة الشرعية.

وأشار إلى أن الحوثيين باتوا يدركون استحالة تدارك الخطأ الذي وقعت فيه الحكومة الشرعية، حين قامت بطباعة الورق المالي الجديد بحجم مختلف عن الحجم القديم وبأشكال مختلفة، وإلا لكان من المستحيل عليها استخدام هذا السلاح، فيما تمتلك الحكومة الشرعية فرصة واحدة للنجاح بإبطال مفعول الإجراء الذي اتخذه الحوثيون من خلال صرف رواتب الموظفين في كل محافظات اليمن، حينها سيكون لازما عليها أن تضمن أولا عبر الأمم المتحدة توزيع الكتلة النقدية بين مختلف فروع البنك في كل المحافظات.

10