انقسام بسبب فتوى صادمة تبيح الخيانة الزوجية

من بين سيل الفتاوى الغريبة أو غير المستساغة التي تخرج علينا بين حين وآخر من شيوخ الفضائيات، نالت فتوى أطلقها داعية إسلامي منذ أيام جدلا هائلا بعدما أكد عدم جواز محاسبة الأزواج لزوجاتهم على الخيانة.
الاثنين 2016/02/15
فتاوى تبرر خيانة الأزواج

قال داعية مصري في برنامج تلفزيوني إنه لا يوجد شيء اسمه “خيانة زوجية” لكن هناك “خيانة ربانية”، وهو ما أثار مخاوف البعض من أن تكون الفتوى مقدمة لتبرير الخيانة الزوجية، ومن ثم دعمها لتتوسع أكثر وأكثر، تحت ذريعة أن الخائن “حسابه عند ربنا، وليس عند البشر”.

أوضح الداعية “أنه لا يجوز للزوج محاسبة زوجته على خيانتها، لأن هذا ذنب بينها وبين الله”، بينما الخيانة الحقيقية من وجهة نظره “أن يأكل الزوج الكباب خارج المنزل، ويترك مصروفا لزوجته خمسة جنيهات فقط”.

الفتوى سببت حالة من الهلع عند الكثيرين، خاصة أن مصدرها داعية معروف يتمتع بشعبية كبيرة بسبب نزوله بلغة الخطاب الديني إلى مستوى يتلاءم مع طبقات اجتماعية مختلفة من خلال برنامجه “الموعظة الحسنة”.

وأشار البعض إلى أن الفتوى قد تنتج عنها تداعيات، كأن تخون الزوجة زوجها أو العكس، وعلى الأزواج أن يتغاضوا عن الخيانة لكي لا يهدموا حيواتهم العائلية وأسرهم.

مها البغل، استشاري العلاقات الأسرية بمصر، قالت لـ “العرب” لا أعتقد أن الفتوى سينتج عنها تفشي الخيانة، وإنما على العكس تراها مفيدة لحماية الأسرة من التفكك في حالة اكتشاف أحد الزوجين خيانة شريك حياته له. وأوضحت أن الفتوى جاءت متزامنة مع تزايد جرائم قتل الأزواج للزوجات بسبب خيانتهن، ومن ثم موت الأم وسجن الأب، بالإضافة إلى قضايا الخلع والطلاق الممتلئة بها محاكم الأسرة، بسبب اكتشاف خيانة الزوج.

مها البغل: فتوى واعية تهدف إلى الحد من جرائم قتل الزوجات وقضايا الخلع والطلاق وتشريد الأسر

هذا الأمر يستدعي وجود فتاوى مناسبة للحد من تزايد تلك الحالات، لعدم تدمير البيئة الحاضنة للأطفال وإصابتهم بتشوهات أخلاقية وانحرافات سلوكية. الفتوى كما وصفتها نوع من المهدئات النفسية للزوجين ودعوة جادة لكي يراجعوا أنفسهم ويتحكموا في مشاعرهم، إذا اكتشف أحدهما خيانة الآخر.

لكن محللين نفسيين أكدوا أن الماضي بتقاليده وسذاجته لم يعد مناسبا للحاضر بنزقه وطيشه، وبالتالي فتوى مبروك لا تتناسب والواقع الذي يعيشه الأزواج. محمد غانم أستاذ علم الاجتماع اعترض على الفتوى، موضحا عدم جدواها، وربما كانت تلقى آذانا صاغية في الماضي، بسبب البيئة المتحفظة بتقاليدها الصارمة التي كانت تردع المرأة عن طلب الطلاق أو الخيانة، فالعودة إلى أسرتها كانت أمرا مستهجنا في نظر العرف.

وأضاف لـ “العرب” أنه لذلك لم تظهر على سطح العلاقات الأسرية مشكلة الخيانة الزوجية، وكان من النادر أن نسمع عن حالات انفصال، فالزوج بالنسبة إلى الزوجة كان ولي نعمتها ولا ملجأ لها غيره.

وكشف غانم أن المرأة اليوم تختلف عن الماضي، بعد أن خرجت إلى سوق العمل وشاركت زوجها في الإنفاق على الأسرة ومطالبها أصبحت ليست نفس مطالب الأمس، وبالتالي ستختلف ردة فعلها تجاه خيانة الزوج عما كانت عليه من قبل.

متطلبات الحياة المتزايدة والضغوط المستمرة على الزوج تجعله دائما يتشاجر لأتفه الأسباب، علاوة على سيطرة النزعة الذكورية على تفكيره، ما يجعله يرفض بالطبع فتوى الداعية المصري، لأنه سيكون اعترافا منه بالتخلي عن رجولته.

ويرى أستاذ الاجتماع أنه كان يجب على الداعية الإسلامي أن يوضح ذلك، ويبين أن دخول طرف ثالث في المعادلة الزوجية معناه شرخ لخصوصيتها والرد سيكون تعسفيا، بين طلاق أو قتل، أو دخول في حرب لن تهدأ.

الداعية المصري قال للمشاهدين “عندما تجد المرأة زوجها يزني، عليها استحضار الشرع، فتأمره بالاستحمام، ثم الاستغفار والصلاة “. ووجه نصيحته لمن تطلب الطلاق “بأنها لن تجد مثل عمر بن الخطاب لكي تتزوجه وأن السوق سيء”.

وبالمثل الرجل “إن وجد زوجته مع آخر يأمرها بالاغتسال، وبعدها يطلقها إذا أراد، لكن لا يجب عليه أن ينساق وراء ما تفعله الأفلام فيقتلها مثلا، لأنه سيدخل السجن”، واتهم عطية الأفلام والمسلسلات بأنهما روجا لفكرة الخيانة الزوجية والقتل لتدمير الأسر.

الماضي بتقاليده وسذاجته لم يعد مناسبا للحاضر بنزقه وطيشه، وبالتالي فتوى مبروك لا تتناسب والواقع الذي يعيشه الأزواج

الغريب أن هناك من استقبلوا فتوى الداعية المصري بترحيب مؤكدين أن كل إنسان حر بمشاعره وعلاقاته الخاصة وميوله ورغباته، لكن دون أن يؤذي الآخرين أو يضرهم ماديا أو معنويا.

وأكد هؤلاء أنه لا يوجد شيء اسمه خيانة زوجية، فهو مصطلح هائم، وأن العلاقة الزوجية ليست تملكا، فالزوج لا يملك زوجته والعكس، وليست أيضا استعبادا واستغلالا جسديا أو عاطفيا، وأنه ما دام الزوج يقوم بكافة واجباته الأسرية، فلا مانع من أن تكون له علاقة خاصة خارج المنزل ونفس الشيء بالنسبة إلى الزوجة.

تصريحات الأزواج صدمت محمد رمضان أستاذ اللغويات، مؤكدا أن مبروك لا يقصد بالطبع إشاعة الفاحشة، بل يريد إيضاح أن العلاقات غير الشرعية للزوجين، تعد جريمة اقترفاها في حق نفسيهما فقط، والعقوبة عند الله، ولا يجب أن تكون بين البشر وإلا ستتحول البيوت إلى غابة يتعارك فيها الأزواج والجميع خاسر.

وأوضح لـ”العرب” أن الداعية الإسلامي حاول ضبط مصطلحات نستعملها بطريقة خاطئة، لكي لا يتم استبدالها بأخرى تحتمل حقا وباطلا، لكي نستطيع إنزال الأحكام على ما تتضمنه من معان. ويتفق رمضان مع الشيخ مبروك في أن مصطلح “الخيانة الزوجية” دخل إلى المجتمعات العربية من العالم الغربي، وليس في الشريعة الإسلامية مصطلح بهذا الاسم.

21