انقسام جديد يطل في لبنان من باب قانون الانتخابات البرلمانية

رغم اقتراب موعد إجراء الانتخابات البرلمانية في لبنان المقرر إجراؤها قبل نهاية ولاية المجلس الحالي في يونيو 2017، إلا أن القوى السياسية في لبنان مازالت غير متفقة حول صيغة قانون انتخابي يسمح بإجراء هذه الانتخابات في موعدها، ويرضي في نفس الوقت طموحات مختلف القوى السياسية. ويؤكد عبدو سعد، مدير مركز بيروت للأبحاث والمعلومات، في لقاء مع “العرب” أن الظروف المستجدة بعد انتخاب الرئيس عون لا تسمح بالإبقاء على قانون الستين، أو إقامة الانتخابات على أساس قانون هجين، وأن جميع الأطراف ستركن في نهاية المطاف إلى خيار النسبية المدعوم من رئيس الجمهورية، وحزب الله، وحركة أمل، ويرفضه أساسا تيار المستقبل والحزب التقدمي الاشتراكي.
الاثنين 2017/02/06
اللبنانيون متفقون على ألا يتفقوا

بيروت – يقرأ عبدو سعد، مدير مركز بيروت للأبحاث والمعلومات، في لقاء مع “العرب”، واقع القوانين الانتخابية المطروحة. يفصّل آثارها وتداعياتها على القوى السياسية الفاعلة والمؤثرة على الساحة اللبنانية، ويشرح الأسباب الكامنة وراء دعم بعض القوى لقانون معين والرفض المطلق لقانون آخر.

ويعرض وجهة نظره حول ما يسميه الانتفاخ الانتخابي الذي يمثل واقع توزيع النواب على القوى الكبرى، الذي يقوم على أساس قوانين انتخابية سابقة لا تعكس الحجم الفعلي لهذه القوى. ويدافع عن قانون النسبية بوصفه القانون الأمثل الذي يعطي كل مكون سياسي حجمه الفعلي، ويتيح ظهور شخصيات وتيارات من قلب التكتلات الكبرى، ويسمح بإعادة إنتاج الأحجام داخل كل طائفة أو تيار، ويمنع استئثار أي مكون كبير على كامل حصة طائفة معينة.

جدل المختلط والنسبي

يشرح مدير مركز بيروت للأبحاث أنه كان هناك تداول في القانون المختلط، ثم بعد أن سقطت الصيغة القديمة، ظهرت صيغة جديدة لم تلبث أن سقطت كذلك، لذا يمكن أن نعتبر أن القانون المختلط قد مات.

ويعلن تأييده النسبية الكاملة ضمن لبنان دائرة واحدة ويكشف عن صيغة للمختلط كان قد طرحها على القوى السياسية تقوم على تقسيم لبنان إلى 26 دائرة انتخابية، وكل دائرة يكون فيها عدد الناخبين من طائفة معينة يفوق الـ50 بالمئة، تذهب مقاعدها على أساس الأكثري مع التصويت لمرشح واحد فقط وباقي المقاعد في الدائرة أي الأقليات تحال إلى النسبية مع الدائرة الواحدة.

ويعطي عبدو سعد مثالا على التوزيع الذي يقترحه من خلال التوزيع المقترح في منطقتي عكار وبعلبك-الهرمل، ففي عكار هناك 3 مقاعد سنة 3 مسيحيين و1 علوي، الأكثرية هي السنة لذلك تنتخب المقاعد السنية على أساس الأكثري مع إعطاء الحق للناخب للتصويت لمرشح واحد فقط، والمقاعد الـ4 الباقية تنتخب وفق النسبية على أساس الدائرة الواحدة.

ويعطي مثالا آخر عبر التوزيع المقترح لمنطقة بعلبك/الهرمل التي تضم 10 مقاعد الأكثرية هم الشيعة لذلك تحال المقاعد الشيعية الستة إلى الأكثرية مع إمكانية التصويت لمرشح واحد، وهناك مقعدان سنيـان ومقـعـدان مسيحيان تحال للـنسبية.

الكتل النيابية القائمة حاليا لا تعكس الحجم الفعلي للقوى السياسية الكبرى والسلاح يكون فعالا أكثر في حال تم إقرار قانون أكثري

وقام التيار الوطني الحر بالتعديل التالي، حيث أنه لن يقبل أحد بالصوت الواحد في الأكثري بل سيكون الصوت جماعيا، بدل لبنان دائرة واحدة اعتمد المحافظة وبدل نسبة الـ50 بالمئة اعتمد الـ65 بالمئة. هذا المشروع كان له معيار واحد حين طرح أمام اللجنة الرباعية، ثم تعددت المعايير لإرضاء البعض، حيث أحيل المقعد الدرزي في بيروت على القانون الأكثري بدلا من أن يكون على أساس النسبية، وأدى هذا المنطق إلى تعدد المعايير، وتاليا تم نسف القانون ولم تعد له أي قيمة.

ويشير عبدو سعد إلى عودة النسبية إلى تصدر واجهة المشهد، معتبرا أن المرحلة القادمة ستشهد عودة النقاش حول اعتماد قانون يعتمد النسبية الكاملة على أساس المحافظة انطلاقا من مرحلة أولى هي التأهيل عبر القضاء. وتتم العملية بطريقة يؤهل فيها المسلمون المرشحين المسلمين ويؤهل المسيحيون المرشحين المسيحيين.

وكان الاقتراح الذي طرحه التيار الوطني الحر وتيار المستقبل مبنيا على صيغة تفرض أن يتأهل شخصان عن كل مقعد بمعنى أن الأول والثاني عن كل مقعد يتأهلان، لكن رفض حزب الله هذا المنطق، الذي أراد تأهيل أول ثلاثة لكن الآخرين لم يوافقوا.

ونسبة التأهيل المطروحة الآن هي نسبة موصوفة، وتقضي بتأهل كل مرشح يحصل على نسبة 10 بالمئة للمرحلة الأخيرة أي النسبية على أساس الدائرة الواحدة.

ويؤكد عبدو أنه في حال لم يتم التوصل إلى نتيجة حول الصيغ المطروحة من قانون النسبية، فإن التوجه العام سيفرض إعادة طرح موضوع النسبية الشاملة على أساس المشروع الذي تم التوافق عليه في حكومة الرئيس نجيب ميقاتي ضمن 13 دائرة.

ولا يرى فرصة للاتفاق سوى على أساس النسبية، فالمختلط سقط، والأكثري انتهى ولم يعد ممكنا اعتماده، لأن رئيس الجمهورية أعلن أنه ضد قانون الستين، وأعلن أنه غير مستعد للدخول في انتخابات على أساس قانون الستين.

وقانون الستين هو في الأساس تقسيمات انتخابية، ولا اعتراض عليه من هذه الناحية بل الاعتراض يأتي من ناحية كونه أكثريا. الرئيس عون هو ضد الأكثري والمسيحيون هم ضد الأكثري، تاليا، وفق عبدو، لا إمكانية للعودة إلى الأكثري.

تعبر قوى سياسية وازنة وأبرزها تيار المستقبل والحزب التقدمي الاشتراكي عن رفضها التام لطرح قانون النسبية لأسباب مختلفة. يخشى النائب وليد جنبلاط من فقدانه التحكم التام بالتمثيل الدرزي في البرلمان. وينطلق تيار المستقبل من رفضه النسبية من منطق يعبر عن تخوف واضح من اعتماد النسبية في ظل وجود السلاح.

يرد عبدو على هذه الطروحات ويشرح طبيعة القانون النسبي الذي يحسم النقاش حول عناوين صحة التمثيل وعدالة التمثيل. وتقوم عدالة التمثيل كما يبرزها هذا القانون على أن يأخذ كل طرف سياسي حجمه الطبيعي، أي أن الحزب الذي يملك 10 بالمئة من أصوات اللبنانيين يحصل على 10 بالمئة من المقاعد.

عبدو سعد: في حال لم يتم التوصل إلى نتيجة فإن التوجه العام سيفرض إعادة طرح موضوع النسبية الشاملة على أساس المشروع الذي تم التوافق عليه في حكومة الرئيس نجيب ميقاتي

الخوف من النسبية

اليوم وليد جنبلاط في منطقتي الشوف وعاليه يأخذ أكثر بكثير من الحجم الانتخابي لحزبه، ولديه حاليا كل المقاعد في هاتين المنطقتين، لكن عند تطبيق النسبية لن يحصل على جميع المقاعد، ولأجل ذلك هو يعترض على هذا الطرح كذلك الأمر بالنسبة إلى تيار المستقبل.

ويرد على خطاب تيار المستقبل الذي يربط بين عدم جدوى اعتماد النسبية في ظل السلاح، معتبرا أن هذا الخطاب مجرد ديماغوجية، وتيار المستقبل يعتمد كلاما غير صحيح لتهييج الشارع. حصلت انتخابات في 2009، وفي زحلة كان متوسط الفارق بين اللائحة الفائزة واللائحة الخاسرة 5000 صوت، وفي المتن كان الفارق 2000 صوت، وفي كسروان كان أقل من 1000 صوت. إذا جمعنا هذه الأرقام تكون حوالي 10000 صوت، هذه الأصوات لـ20 مقعدا.

اليوم السلاح يتقدم إذا استخدم عبر إقرار أي قانون أكثري، لأن بالنسبية تفرض عدد أصوات يناهز حوالي 17000 صوت للمقعد الواحد.

ويعرض عبدو لتفاوت التأثير على الانتخابات بين الأكثري والنسبي، مؤكدا أن 17000 صوت عبرالأكثري تؤمن لمن يحصل عليها حوالي 20 مقعدا نيابيا ولكنها عبرالقانون النسبي ليست لها قيمة، حيث تحتاج أي قوة سياسية إلى حوالي 100000 صوت للحصول على ستة أو سبعة مقاعد.

لقد استهلكت هذه المقولة ولم تعد لها أي قيمة، إذا كان فعلا يراد استعمال السلاح فإنه يكون أكثر فعالية بكثير عبر الأكثري في حين يقلص النسبي إلى حد كبير إمكانية توظيفه، لذا فإن هذه المقولة باطلة وغير مقبولة.

انتشرت في الآونة الاخيرة تحليلات تفيد بأن تأثير النسبية سيطال كل الكتل البرلمانية التي تمثل مختلف الطوائف باستثناء الطائفة الشيعية. ويستشهد أصحاب هذه التحليلات بتماسك الطائفة الشيعية الذي يصعب عملية اختراق سيطرة ثنائية حزب الله وأمل عليها في مقابل تشتت الساحات الطائفية الأخرى السنية والدرزية والمسيحية، ووجود قوى مؤثرة داخلها تمتلك قدرة على التأثير على وصاية التيارات الكبرى بشكل لا يتوفر إطلاقا في الساحة الشيعية.

تأثير النسبية على الكتلة الشيعية

يفند مدير مركز بيروت للأبحاث والمعلومات هذا المنطق، ويؤكد أنه، وعلى العكس مما تذهب إليه معظم التحليلات، فإن سيطرة الثنائية الشيعية على التمثيل الشيعي لا يمكن أن تتفكك إلا من خلال النسبية، في حين أنها تتعزز وتتمكن عبر القوانين الأخرى.

تتأثر الكتلة الشيعية وفق عبدو بالقانون النسبي، حيث أن 52 بالمئة من الشيعة انتخبوا المرة السابقة أي أن هناك 48 بالمئة لم يصوتوا. وهناك سبب جزئي هو أن البعض مغترب، والجزء الأكبر لم يذهب إلى صناديق الاقتراع لأنه يعتبر أن صوته سوف يذهب هدرا، وأنه ليست له أي قيمة.

وتمنح النسبية المرشحين إمكانية الاختراق، وتعطي لكل صوت انتخابي قيمة وفعالية. ويمكن أن يحصل المرشحون الجدد على نسبة أصوات تسمح لهم بتحصيل بعض المقاعد. ولا توجد طريقة أخرى يمكن أن تخسر من خلالها الثئائية الشيعية أي مقعد نيابي سوى هذه الطريقة.

ويعتبر عبدو أن أي كتلة سياسية يمكنها أن تخترق عبر النسبية إذا كانت تمتلك حيثية شعبية، وإذا فشلت كتلة سياسية من قبيل الكتلة اليسارية في الوصول إلى البرلمان فهذا يعني أنها لا تملك حيثية شعبية. ويطالب بأن يصبح لبنان دائرة واحدة لإعطاء الفرصة للأحزاب المنتشرة على جميع الأراضي اللبنانية. وينبه إلى كون الدوائر الصغيرة بالنسبية سيئة للمستقلين، لأنها لا تعطي صحة تمثيل، ولكن تطبيق النسبية الكاملة يمنح المرشحين إمكانية الحصول على مقعد نيابي من خلال عدد أقل من الأصوات. ويتجلى هذا الوضع خصوصا في الجنوب حيث يمثل أكبر كتلة ناخبة، وإذا انفتح القانون الانتخابي على مستوى لبنان كله فإن الأكثريات الساحقة ستذوب وتخف مفاعيلها.

الخيارات المطروحة حاليا هي بين إقرار قانون انتخابي جديد بغض النظر عن طبيعته، أو الدخول في مرحلة فراغ على مستوى التمثيل النيابي

ويقول إن مشروع قانون نسبي على أساس اعتبار لبنان دائرة انتخابية واحدة من شأنه إضعاف إحكام سيطرة الثنائية الشيعية.

ويستبعد مدير مركز بيروت للأبحاث والمعلومات الوصول إلى اتفاق على القانون النسبي على أساس الدائرة الواحدة، على الرغم من أنه يحظى بدعم حزب الله وحركة أمل والتيار الوطني الحر.

تكمن المشكلة في الصيغ الانتخابية السابقة أنها تسببت هناك بانتفاخ تمثيلي عند كل الأطراف، فجميع الكتل الكبرى تمتلك عددا من النواب يفوق بكثير حجمها الفعلي، والنسبية ستتسبب بالتقليل من أحجام هذه الكتل، وعودة كل فريق إلى حجمه الطبيعي والفعلي.

ويلفت عبدو إلى أن الجميع سوف يذهبون مرغمين إلى القبول بالنسبية أو سنذهب إلى الفراغ، لأن هذه الطبقة السياسية لا تقبل أن تكون خارج السلطة، وسوف يجبر الجميع على الذهاب إلى قانون انتخابي جديد، لأن لا أحد لديه القدرة على مواجهة رئيس الجمهورية ولا الدستور. وهذا القانون لن يكون بالتأكيد قانونا أكثريا، والرئيس ميشال عون لن يقبل إطلاقا بتمرير قانون أكثري.

ويختم عبدو حديثه قائلا إن المشكلة في النسبية لا تكمن عند الطوائف بل عند التيارات السياسية، فالنسبية لا تنتقص من حقوق الدروز أو السنة بل من كتلة تيار المستقبل والاشتراكي.

ويؤكد أن الخيارات المطروحة حاليا هي بين إقرار قانون انتخابي جديد بغض النظر عن طبيعته، أو الدخول في مرحلة فراغ على مستوى التمثيل النيابي.

كاتب من لبنان

7