انقسام في المواقف العربية تجاه التدخل الروسي في سوريا

اتخذت مصر مسارا مغايرا عن معظم الدول العربية (التي فضلت الصمت) حينما أعلنت صراحة أنها تؤيد العمليات الروسية في سوريا، هذا الموقف وإن لن يعجب بعض الدول لا سيما المملكة العربية السعودية إلا أنه لن يؤثر، وفق المحللين، على العلاقات معها أو مع باقي الدول الخليجية التي تربطها مصالح مشتركة.
الجمعة 2015/10/09
قوات الأسد تطلق قذائف هاون على مواقع للمعارضة غرب سوريا

دمشق - تلتزم معظم الدول العربية الصمت حيال التدخل الروسي في سوريا، والذي دخل فصلا جديدا بدعمه الجوي للعملية البرية التي يقوم بها نظام الأسد في حماة وسط سوريا.

ولا يعني هذا الصمت أن هناك توافقا عربيا حيال الأمر، بل على العكس، فالتباين بين الدول العربية حيال الأزمة السورية كان موجودا منذ البداية وانعكس في إبقاء عدد من الدول لسفرائها في دمشق فيما سحب آخرون ممثليهم، كما رفضت بعض الدول حصول الائتلاف المعارض على مقعد سوريا في الجامعة العربية.

هذا الانقسام العربي ازداد عمقا مع طول أمد الصراع وسيطرة تنظيم الدولة الإسلامية وبعض الجماعات المتطرفة على غرار جبهة النصرة (فرع تنظيم القاعدة في سوريا) على أجزاء كبيرة من الأراضي السورية.

وبدخول روسيا على مسرح الأحداث مباشرة، تكرس هذا التباين في المواقف العربية، حيال الأزمة التي جاوزت الأربع سنوات، مخلفة أكثر من ربع مليون ضحية من المدنيين.

فالجزائر وعدد من الدول الأخرى “الصامتة” هي في حقيقة الأمر تبارك هذا التدخل لأنها منذ البداية لم تكن تتبنى خلف الكواليس إسقاط الأسد، وهي تتماهى والرؤية الروسية القائلة بأن جميع من يقاتل النظام هم “إرهابيون”.

بالمقابل فإن دول أخرى خيرت التواري والتزام الصمت لاعتبارات تتعلق أساسا بعلاقتها مع موسكو، فهي وإن كانت ترى أن رحيل بشار الأسد عن السلطة هو مفتاح حل الأزمة إلا أنها لا تريد إغضاب روسيا، ومن هذا المنطلق فضلت عدم الخوض إعلاميا في موقفها من التدخل الروسي.

وفي ظل هذا الصمت الذي هو بحد ذاته موقف، على ضوء ما ذكرناه آنفا، يبرز الموقف المصري الذي أبدى تأييدا للعملية الروسية في سوريا.

وجدد أمس الخميس وزير الخارجية المصري سامح شكري ضمنيا دعم بلاده للتدخل الروسي.

جاء ذلك بعد ساعات من إجراء الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي اتصالا هاتفيا مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين هو الثاني منذ بدء العملية العسكرية الروسية في سوريا.

وأكد شكري أن القضاء على الإرهاب في سوريا يعتبر خطوة هامة لتشجيع الأطراف على الانخراط الإيجابي في العملية السياسية.

وأتت تصريحات وزير الخارجية المصري خلال استقباله لرئيسة لجنة العلاقات الخارجية بالبرلمان الفرنسي، إليزابيث جيجو، والتي تزور مصر لإجراء مشاورات حول الأوضاع الإقليمية.

وكان سامح شكري قد قال صراحة قبل أيام قليلة “إن الغارات الجوية التي تشنها روسيا في سوريا ستساهم في محاصرة الإرهاب والقضاء عليه”.

وأوضح وزير الخارجية المصري في تصريحات لقناة “العربية” أن “المعلومات المتاحة لدينا خلال اتصالاتنا المباشرة مع الجانب الروسي تؤشر على اهتمام روسيا بمقاومة الإرهاب والعمل على محاصرة انتشاره في سوريا”.

محللون رأوا أن الموقف المصري ليس بغريب، فمنذ وصول الرئيس عبدالفتاح السيسي إلى السلطة سجل تغير ملحوظ في السياسة المصرية حيال الأزمة السورية، حيث قطع الرئيس السيسي مع مواقف المعزول محمد مرسي الرافضة لنظام الأسد (والتي كانت تحكمها رؤية أيديوليوجية منغلقة وتماه واضح مع مواقف دول إقليمية راعية للإخوان).

سامح شكري: القضاء على الإرهاب في سوريا يعتبر خطوة هامة لتشجيع العملية السياسية

وترى مصر أن عددا من الجماعات المقاتلة في سوريا لا تقل خطورة عن داعش كجبهة النصرة وبالتالي لا يمكن تصنيفها ضمن خانة “فصائل المعارضة المعتدلة”، وقد عبر المسؤولون المصريون عن ذلك مرارا.

وتعتبر القاهرة أن حوارا “بلا شروط” بين المعارضة المعتدلة والنظام ضرورة حتمية لبلوغ تسوية نهائية للأزمة، وقد عملت الدبلوماسية المصرية على مر الأشهر الماضية على توحيد صفوف تيارات سورية علمانية (مع استثناء الإسلاميين) لتشكيل كيان قادر على التحاور مع دمشق.

ولمزيد فهم الموقف المصري المؤيد للتدخل الروسي لا يمكن أيضا إهمال جانب العلاقات بين موسكو والقاهرة والتي شهدت تطورا مطردا في عهد الرئيس عبدالفتاح السيسي.

هذا الموقف المصري اللافت يتعارض كليا مع المواقف المعلنة من قبل المملكة العربية السعودية إلى جانب قطر.

وقد رأى البعض خاصة من المنضوين تحت تيار الإسلام السياسي أن التعارض في المواقف بين مصر والسعودية قد يؤدي إلى تباعد بين الطرفين.

ولكن محللين يعتبرون أن هذه قراءة سطحية لأن التباينات بين الدول أمر طبيعي، وحصول مثل هكذا أمر لا يمكن أن يؤثر على العلاقات الاستراتيجية بينها.

وليست مصر فقط من أعلنت تأييدها للتدخل الروسي، فهناك العراق الذي يقود اليوم غرفة عمليات لتتبع داعش تضم كلا من روسيا وإيران والنظام السوري، وقد تتحول إلى غرفة عمليات قتالية مشتركة ضد التنظيم المتطرف.

ويقول خبراء إن تماهي الموقفين المصري والعراقي إزاء التدخل الروسي في سوريا لا يعني أن الأسباب والدوافع هي نفسها، فموقف حكومة العبادي لا يمكن فصله عن التوجه الإيراني على خلاف الموقف المصري الذي يأتي لاعتبارات ذاتية ولدوافع يرى هؤلاء أنها ترتبط بحماية أمن مصر القومي.

وانعكس التباين أو بمعنى أصح الانقسام بين الدول العربية حيال التدخل الروسي في سوريا بوضوح في كلمة نائب الأمين العام لجماعة الدول العربية السفير أحمد بن حلي الذي حرص على تجنب إدانة تدخل موسكو، عبر القول بأن “التدخل الروسي والغربي في سوريا لن يحسم الحرب الدائرة”، في أول تعليق من جانب الجامعة.

وأوضح “لا أعتقد أن التدخل العسكري الأجنبي في سوريا سواء كان روسيا أو غربيا كفيل بحسم مصير الحرب الدائرة رحاها هناك، والقضاء على التنظيمات الإرهابية بما فيها تنظيم داعش”.

وأضاف بن حلي “ينبغي العمل على تضافر الجهود العربية والإقليمية والدولية لدفع الفرقاء المتصارعين فى سوريا حكومة ومعارضة مسلحة إلى إيجاد حل سياسي للأزمة، وإنقاذ هذا البلد العربي الهام من الانهيار والتقسيم والفوضى الهدامة”. وطالب نائب الأمين العام “الدول العربية بتنشيط المسعى الدبلوماسي والحل السياسي وفق مقاربة جديدة تأخذ في الاعتبار الواقع الراهن وتقود الجهود السلمية نحو إيجاد حل سياسي للأزمة السورية وتجفيف البيئة الحاضنة للجماعات الإرهابية في سوريا والعراق”.

4